منذ تأسيس “منظّمة الدول التركيّة” عام 2009، (المعروفة سابقاً باسم “المجلس التركي”) وهي منظمة دولية حكومية تضم الدول الناطقة بالتركية تركيا، وهي أذربيجان، كازاخستان، قيرغيزستان، وأوزبكستان، اتّسعت مجالات التعاون تدريجيّاً، وانتقلت من بناء المؤسّسات وتنسيق المواقف إلى التجارة والطاقة والنقل والتكنولوجيا، وصولاً إلى الدفاع والصناعات العسكريّة والتدريب والمناورات. وهنا بدأت الأسئلة الأمنيّة تفرض نفسها باعتبارها جزءاً من مستقبل هذه المنظومة، لا ملفّاً منفصلاً عنها.
حين يتحوّل التّنسيق إلى منظومة أمنيّة
يبرز النموذج التركيّ ـ الأذربيجانيّ في هذا السياق بوصفه إحدى أكثر التجارب الثنائية تقدّماً، لكنّ هذه التجربة ليست هي النهاية. فالخطوة التالية هي بناء جسور بين هذه التجارب، وتوسيعها إلى المستوى المتعدّد الأطراف، من دون تجاهل اختلاف السياسات والتحالفات والحسابات الاستراتيجيّة والاقتصاديّة بين دول المنظومة.
المسألة إذاً ليست ولادة “ناتو تركيّ” جديد بقدر ما هي مراقبة عمليّة تراكم هادئة: تعاون يتحوّل إلى تنسيق، وتنسيق ينتج قدرات، وقدرات تخلق مصالح مشتركة في حمايتها. وإذا اكتملت هذه الحلقة، فقد تظهر منظومة أمنيّة قبل أن يظهر اسم الحلف.
صحيح أنّ المشروع الذي بدأ بتقريب دول المنظّمة التركيّة سياسيّاً وثقافيّاً أصبح اليوم أمام شبكة واسعة من العلاقات المتشابكة وخطوط الربط الاستراتيجيّ المتعدّدة الأهداف، لكنّ الصحيح أيضاً أنّ التنسيق الأمنيّ أصبح نتيجة طبيعيّة لهذا التوسّع.
الممرّ الأوسط، على سبيل المثال، لا يمثّل مجرّد طريق تجاريّ، فهو أيضاً بنية استراتيجيّة تحتاج إلى الحماية والاستقرار والأمن السيبرانيّ وتأمين المنشآت وخطوط الاتّصال. وكلّما ارتفعت قيمة هذه المصالح، ازدادت الحاجة إلى تنسيق أمنيّ يحميها.
لذلك بدأت الصورة تتغير: تدريبات ومناورات مشتركة، تبادل للخبرات العسكرية، تعاون في مكافحة الإرهاب، وتنسيق أمني، ثم انتقال متزايد إلى الصناعات الدفاعية والتكنولوجيا والمشروعات المشتركة.
من الشّراكات الثّنائيّة إلى التّعاون الدّفاعيّ الجماعيّ
النقلة الأهمّ هي أنّ “العالم التركيّ” لا يفتقر إلى أدوات التعاون الأمنيّ، بل يراكمها، والمطلوب ربط ما هو قائم وتحويل التجارب الثنائيّة المتقدّمة تدريجيّاً إلى قدرة أكثر اتّساقاً على المستوى الجماعيّ. والمسألة لم تعد مجرّد شراء منظومات عسكريّة، وإنّما تتّجه إلى نقل التكنولوجيا، تطوير القدرات، وإنشاء مشروعات مشتركة.
هنا يأتي الدور التركيّ تحديداً، فأنقرة لم تعد مجرّد مصدر للمعدّات العسكريّة، بل أصبحت شريكاً في تطوير القدرات ونقل الخبرة والتكنولوجيا. في تمّوز 2025 عقدت المنظّمة أوّل اجتماع لرؤساء مؤسّسات الصناعات الدفاعيّة للدول الأعضاء في إسطنبول، وكان الحديث عن إنشاء منصّة للتعاون في الصناعات الدفاعيّة، ودمج الجهود الثنائيّة في صيغة متعدّدة الأطراف.
لكنّ الانتقال إلى مرحلة جديدة يفرض شروطاً مغايرة، وربّما يكون أوّلها الانتقال من الثنائيّة إلى التعدّديّة. فبعدما كانت الثنائيّة مختبراً لبناء الثقة والقدرة، تصبح التعدديّة محاولة لتحويل هذه الخبرات إلى إطار عمليّ أوسع، يواكبه انتقال تدريجيّ نحو الالتزام الأمنيّ الجماعيّ.
هذا يحتاج إلى قدر أكبر من التقارب في السياسات والحسابات الاستراتيجيّة وتعريف المخاطر، مع مراعاة العلاقات والتحالفات القائمة لكلّ دولة. ويبرز الموقف الكازاخستانيّ مثالاً مهمّاً هنا، فالرئيس قاسم جومارت توكاييف تحفّظ على تحويل منظّمة الدول التركيّة إلى تحالف جيوسياسيّ أو عسكريّ، من دون أن يعني ذلك رفض كازاخستان لتطوير التعاون الأمنيّ والدفاعيّ مع دول المنظّمة.
“العالم التّركيّ” ضمن استراتيجية تركيا المتعدّدة الدّوائر
العقبة ليست في قبول دول “العالم التركيّ” بالتعاون الأمنيّ والعسكريّ، فهذا التعاون يتوسّع بالفعل. العقبة الحقيقيّة هي شروط الانتقال من التعاون إلى الالتزام الجماعيّ، لأنّ التحالف لا يضيف اتّفاقاً جديداً فقط، بل يضيف مسؤوليّات وتبعات وحسابات مشتركة.
قد يكون الخطأ في قراءة “العالم التركيّ” هو النظر إليه باعتباره مشروعاً منفصلاً عن استراتيجية تركيا الجيوسياسيّة الأوسع. فأنقرة تتحرّك في دوائر متعدّدة: الناتو، “العالم التركيّ”، القوقاز وآسيا الوسطى، الخليج والشرق الأوسط، ومساحات التعاون الآسيويّة والأوراسيّة، ولكلّ دائرة حساباتها ووظائفها وحدودها.
اتّفاقيّة مكّة بين تركيا والسعوديّة وباكستان تقدّم مثالاً مهمّاً. فهي تفتح دائرة أمنيّة جديدة لتركيا، من دون أن تعني خروجها من دائرة الناتو. والانفتاح التركيّ على منظّمة شنغهاي للتعاون يسير في الاتّجاه نفسه: توسيع مسارات الحركة من دون إعلان القطيعة مع الخيارات القائمة.
في قلب هذه الخريطة يأتي “العالم التركيّ”، بما يمنحه لتركيا من امتداد نحو القوقاز وآسيا الوسطى، ومصالح مشتركة في النقل والطاقة والتعاون الدفاعيّ، فضلاً عن الروابط السياسيّة والثقافيّة. ويمكن أن يكون إحدى الدوائر التي تبني من خلالها تركيا عمقها الأمنيّ والاستراتيجيّ.
هنا تتّضح طبيعة الحركة التركيّة: ليست بصدد بناء منظومة أمنيّة واحدة تحمل اسمها، وإنّما شبكة من الدوائر الأمنيّة المتداخلة، والعالم التركيّ إحدى حلقاتها، والناتو حلقة أخرى.
شروط التّكامل الدّفاعيّ ومحدّدات التّحالف التّركيّ
قد لا يكون من الصواب القول إنّ “العالم التركيّ” يتّجه الآن إلى إنشاء حلف عسكريّ جديد، كما لا يبدو من المنطقيّ اختزال التطوّرات الجارية في مجرّد تعاون رمزيّ بين دول تجمعها روابط تاريخيّة وثقافيّة. فالمسار الأمنيّ موجود، لكنّه لا يتحرّك بالضرورة نحو صيغة تحالف تقليديّ.
مستقبل “العالم التركيّ” قد لا يكون في القفز مباشرة إلى صيغة تحالف، بل في استكمال الشروط التي تجعل التكامل الدفاعيّ أكثر قابليّة للتحقّق: مزيد من التنسيق، قابليّة أكبر للعمل المشترك، تقارب في قراءة المخاطر، وقدرة على تحويل التعاون المتعدّد الأطراف إلى التزام عندما تصبح ظروفه ناضجة.
لكنّ الاختبار الأهمّ في المرحلة المقبلة سيكون قدرة “العالم التركيّ”، الذي لم يصل بعد إلى لحظة التكامل الدفاعيّ، على نقل بعض التجارب الثنائيّة المتقدّمة إلى المستوى الجماعيّ، وتطوير الآليّات التي تسمح بتحويل التعاون إلى قدر أكبر من التكامل. وربّما هذه هي المعادلة التي تتقدّم في الطريق: الشروط لا تزال تتشكّل، لكنّها تتراكم، طبقة فوق أخرى، خطوة بعد أخرى، بما قد يقرّب “العالم التركيّ” من لحظة التكامل الدفاعيّ.
