يقدّم كتاب خوسيه بيريث أدان (José Pérez Adán) “السوسيولوجيا الأخلاقية لعصر جديد” (Moral Sociology for a New Epoch) (2025) محاولة طموحة ومثيرة للجدل لتأسيس “السوسيولوجيا الأخلاقية” بوصفها منظورًا تخصصيًا متميّزًا داخل العلوم الاجتماعية. وفي مواجهة النزعة السائدة التي تتعامل مع الأخلاق إمّا بوصفها مجالًا للفلسفة أو مسألة ذاتية بحتة، يجادل بيريث أدان بأن الأخلاق متجذّرة بعمق في العلاقات والمؤسسات الاجتماعية. ومن ثمّ، فإن علم الاجتماع يتمتع بموقع فريد يؤهّله لفحص الأسس الاجتماعية للحياة الأخلاقية والبُنى الجماعية التي تدعم المعايير الأخلاقية.
أدان هو أستاذ إسباني متقاعد في علم الاجتماع بجامعة فالنسيا، يرى أن على علم الاجتماع أن يستعيد مجالًا كان قد أُحيل تقليديًا إلى الفلسفة، مؤكّدًا أن “العلوم الاجتماعية يمكن أن تقدّم نقطة ارتكاز موثوقة” للتمييز الأخلاقي في عصر يتّسم بـ”التباس الأضداد” (ص. 7). وهذا بالتحديد ما يقصده بـ”الدفاع عن أهمية العلوم الاجتماعية في دراسة الأخلاق”. (ص. 7)
يتدخل الكتاب في نقاش طويل الأمد داخل علم الاجتماع حول مكانة المعيارية في التحليل الاجتماعي. فقد أدرك علماء الاجتماع الكلاسيكيون، من إيميل دركهايم إلى ماكس فيبر، مركزية النظام الأخلاقي في الحفاظ على التماسك الاجتماعي. ومع ذلك، فإن علم الاجتماع المعاصر غالبًا ما يتعامل مع الادعاءات الأخلاقية بشيء من الشك، مع التركيز على النسبية الثقافية أو الحياد المنهجي. ويتحدى بيريث أدان هذا الاتجاه من خلال القول إن العلوم الاجتماعية لا يمكنها تجنب الأسئلة الأخلاقية، لأن الفعل الاجتماعي ذاته يحمل دائمًا معنى أخلاقيًا.
يرتكز المؤلف في هذا الطرح على فكرة أن الذوات الجماعية- وليس الأفراد فقط- هي حاملة للمسؤولية الأخلاقية. واستنادًا إلى مساره الفكري الخاص، وإلى أعمال أرنولد توينبي (Arnold Toynbee) والمؤرخ الفرنسي بيير شونو (Pierre Chaunu) وغيرهما، يرى أن تدهور الحضارات يعود أساسًا إلى “فقدان الجودة الأخلاقية والمرجعيات الأخلاقية الملزِمة”. وبالنسبة لبيريث أدان، فإن المجتمعات الحديثة تعيش أزمة أخلاقية مرتبطة بالفردانية المفرطة وتآكل نقاط المرجع الأخلاقي المشتركة. ويشير، متابعًا توينبي، إلى أن الحضارات تزدهر عندما تتكامل الإبداعية مع المحاكاة (أي استمرار العادات والتقاليد) في دعم الحياة الجماعية. وعندما يختل هذا التوازن، فإن المجتمعات تكون عرضة للركود والانحدار. وغالبًا ما يتبع نضوب الإبداع “تأليه الذات الزائلة”، وهو ما يشكّل عدسة تفسيرية أساسية لتشخيصه للثقافة المعاصرة. ففي نظره، أعطت المجتمعات الحديثة أولوية متزايدة للاستقلال الذاتي والتعبير الفردي، في مقابل إضعاف البُنى الأخلاقية التي كانت توجه الحياة الجماعية. وكانت النتيجة تنامي الإحساس بالتفكك الأخلاقي وعدم اليقين.
يتقاطع هذا النقد مع نقاشات أوسع ضمن التيار الجماعاتي حول حدود الفردانية الليبرالية. إذ يجادل بيريث أدان بأن المجتمعات تحتاج إلى آفاق أخلاقية مشتركة لكي تعمل بفعالية، وأن التصورات الإجرائية البحتة أو النسبية للأخلاق لا تستطيع توفير التماسك الضروري للاستقرار الاجتماعي على المدى الطويل- وهي نقطة أعود إليها نقديًا في نهاية هذه المراجعة.
التعالي والأسس الاجتماعية للأخلاق
لعلّ أكثر أطروحات الكتاب لفتًا للانتباه— وإثارةً للجدل— هي القول بأن الله ضروري لقيام أخلاق اجتماعية متينة. إذ يكتب بيريث أدان: “من دون الرجوع إلى الله، لا يمكن تحقيق الحياد الذي يمكن أن يُطلب من الاستبطان ولا من التعميم التقييمي على الجماعات البشرية” (ص. 13). ويدعم هذا الادعاء من خلال الملاحظة التاريخية— “الإنسان العادي يميل إلى الإيمان بالله” (حيث يُقصد بـ”العادي” هنا معنى إحصائيًا)— وكذلك من خلال الحجاج السوسيولوجي: فالعلاقات الإنسانية تعتمد على أخلاق مشتركة، وهذه الأخلاق المشتركة تحتاج في نهاية المطاف إلى أساس متعالٍ.
وبالنسبة لبيريث أدان، يلعب التعالي دورًا حاسمًا في الحفاظ على النظام الأخلاقي، غير أن “الله مسألة اجتماعية” ليس بمعنى أن الإيمان الديني يجب أن يكون شاملًا، بل لأن التقاليد الدينية قد وفّرت تاريخيًا أطرًا قوية لتأسيس الالتزامات الأخلاقية. ومن هذا المنظور، فإن اختفاء التعالي من الحياة العامة قد يعرّض المجتمعات لخطر فقدان نقاط مرجعية أخلاقية مستقرة. ورغم أن النظم الأخلاقية العلمانية يمكن أن توجد بالفعل، فإن بيريث أدان يرى أنها غالبًا ما تجد صعوبة في الحفاظ على نفس عمق الالتزام المعياري بعد زوال الأسس المتعالية للأخلاق.
ويتوافق هذا الموقف مع تقليد طويل في الفكر السوسيولوجي يرى في الدين مكوّنًا أساسيًا للنظام الأخلاقي، مستعيدًا بذلك رؤى إيميل دركهايم حول التمثلات الجماعية والأسس المقدسة للتضامن الاجتماعي.
| لعلّ أكثر أطروحات الكتاب لفتًا للانتباه— وإثارةً للجدل— هي القول بأن الله ضروري لقيام أخلاق اجتماعية متينة |
السوسيولوجيا الجماعاتية، الموضوعية الأخلاقية، والفعل الاجتماعي
يشكّل عالم الاجتماع الجماعاتي أميتاي إتزيوني (Amitai Etzioni) أحد أبرز المؤثرين في مقاربة بيريث أدان، إذ يوفّر عمله إطارًا مفاهيميًا مهمًا للكتاب. ويستشهد بيريث أدان مرارًا بكتاب إتزيوني “البعد الأخلاقي” (1988)، ويتبنّى مفرداته المفاهيمية مثل العوامل المعيارية-العاطفية، وعدم قابلية السلوك الأخلاقي للاختزال، ونقد المنفعة الأحادية في الاقتصاد الكلاسيكي الجديد. كما يعكس تحليله لمعضلة السجين و”السجين المتعاون” مباشرةً برهنة إتزيوني على أن العوامل الأخلاقية لا يمكن فصلها عن الفعل الاجتماعي.
ويرى بيريث أدان أن كل فعل اجتماعي يحمل بُعدًا أخلاقيًا ضمنيًا لأنه يؤثر في الآخرين ويعكس توقعات معيارية متجذّرة في العلاقات الاجتماعية. وتتيح له هذه الرؤية نقل مركز التحليل الأخلاقي من الفرد المعزول إلى السياقات الجماعية التي تتشكل فيها الأفعال الأخلاقية. ومن خلال ذلك، يدعو إلى سوسيولوجيا تتعامل مع الحياة الأخلاقية بوصفها خاصية ناشئة عن التفاعل الاجتماعي.
وفي هذا السياق، يستلهم من مفهوم “التعالي الذاتي” (transsubjectivity) لدى عالم الاجتماع الفرنسي Raymond Boudon، الذي يقدّم مسارًا وسطًا بين النسبية الثقافية والمطلقية القائمة على القانون الطبيعي. فالأحكام الأخلاقية يمكن أن تكون موضوعية— أي قائمة على أسباب يمكن للآخرين الاعتراف بصحتها— من دون أن تكون أبدية أو غير قابلة للتغيير. ويوضح بيريث أدان ذلك من خلال سؤال بودون: إذا كنا لا نفسّر الوقائع الفيزيائية عبر التنشئة الاجتماعية، فلماذا نلجأ إلى مثل هذه الآليات لتفسير المعيارية الأخلاقية؟ الجواب هو أن القناعات الأخلاقية، شأنها شأن القناعات العلمية، يمكن أن تكون مؤسسة عقلانيًا. وهذا يتيح الحفاظ في آن واحد على إمكانية التقدم الأخلاقي وعلى الاعتراف السوسيولوجي بالتغير التاريخي. وهكذا يقوم مفهوم التعالي الذاتي على موضوعية أخلاقية تتمايز عن التصور التواصلي عند يورغن هابرماس أو “العقل العمومي” عند جون رولز (John Rawls)، حيث تكمن الصلاحية في العملية الاجتماعية للحجاج والتوافق الناتجة عن التفاعل والاعتراف المتبادل بين الذوات.
يبني المؤلف فهمه للأفعال الاجتماعية على هذا الأساس. إذ يجادل خوسيه بيريث أدان بأن “كل فعل اجتماعي، سواء في منشئه أو في آثاره، يصدر عنه تقييم أخلاقي” (ص. 21). وهذا يوسّع نطاق الأخلاق إلى ما يتجاوز النية الفردية ليشمل النتائج البنيوية والعابرة للأجيال للفعل— وهو تحول بالغ الأهمية لمعالجة القضايا البيئية والاقتصادية، مع التأكيد على الخدمة (بدلًا من المصلحة الذاتية) بوصفها النموذج للفعل الاجتماعي الإيجابي.
ولتوضيح بنية الحياة الأخلاقية، يقترح بيريث أدان تراتبية للقيم منظّمة في شكل هرم رباعي المستويات. في القمة توجد القيم الأساسية المرتبطة بالحياة والكرامة الإنسانية؛ تليها القيم المركزية المرتبطة بالجماعة والمعتقدات؛ ثم القيم الجوهرية مثل الديمقراطية والتسامح؛ وأخيرًا القيم التعبيرية التي تشمل الملكية والعمل والأمن. وتُظهر هذه التراتبية أن القيم ليست جميعها متكافئة. فإذا جرى تقديم القيم الأدنى مرتبة على القيم الأعلى— كأن تتقدّم الملكية على الحرية مثلًا— فإن المجتمع يعرّض نفسه لخطر تبرير مظالم مثل العبودية. ومن ثمّ “فإن أهمية تراتبية القيم وأولوية الحياة فيها… تميل اليوم إلى النسيان، لأن المصدر القيمي، في نظر النسبيين المنكرين، ليس موضوعية ما هو إنساني بل ذاتية الاستقلالية” (ص. 43).
تتيح هذه التراتبية إجراء مقارنات تقييمية مع مقاومة اختزال جميع القيم في مقياس واحد. كما أن أولوية الحياة والكرامة في قمة الهرم تستحضر تقليد حقوق الإنسان، مع تأصيله في حجاج سوسيولوجي بدلًا من الفلسفة المجردة. ويرتبط ذلك أيضًا بتفضيل بيريث أدان الحديث عن “الصحة الاجتماعية” بدلًا من “الخير العام”، إذ يرى أن المفهوم الأخير ينتمي إلى الفلسفة، بينما ينبغي لعلم الاجتماع أن يطوّر معجمه المفاهيمي الخاص.
يتكوّن الكتاب من جزأين: الأول نظري، والثاني تطبيقي، ويتناول موضوعات تمتد من أسس الأخلاق إلى تطبيقاتها الملموسة في مجالات مثل الأسرة والاقتصاد والديمقراطية.
الأسرة، السيادة، وبُنى الفضيلة
تُعد معالجة الأسرة في الكتاب غنية بشكل خاص. فاستنادًا إلى مفهوم “سيادة الأسرة” لدى البابا جان بول الثاني، يجادل بيريث أدان بأنه ينبغي الاعتراف بالأسرة بوصفها فاعلًا— اقتصاديًا وسياسيًا ومدنيًا— وليس مجرد موضوع للسياسات العامة. ويُنظر إلى الأسرة باعتبارها “فاعلًا منتجًا” للسلع اللامادية، تضخّ الأخلاق في اقتصاد يفتقر إليها لولا ذلك.
وفي الفصول اللاحقة، ينتقل بيريث أدان إلى بحث العلاقة بين الأسرة والأخلاق والحياة الاقتصادية. إذ يرى أن الاقتصادات الحديثة أصبحت منفصلة بشكل متزايد عن الاعتبارات الأخلاقية، مركّزةً على الإنتاج المادي والنمو بشكل ضيّق. وبديلًا عن ذلك، يدعو إلى “نزع المادية” عن الاقتصاد، مع التأكيد على أهمية السلع غير الملموسة مثل الثقة والتضامن والمسؤولية الاجتماعية. ويرى أن هذه السلع ضرورية لتحقيق تنمية اجتماعية مستدامة، وأن الأسرة تحتل موقعًا مركزيًا في هذا “الاقتصاد الأخلاقي”. والأسرة بصفتها “فاعلًا منتجًا” تولّد موارد أخلاقية لا غنى عنها للحياة الاجتماعية. فمن خلال تنمية المسؤولية والتعاطف والتعاون، تسهم الأسر في البنية التحتية الأخلاقية التي تعتمد عليها في النهاية المؤسسات الاقتصادية والسياسية.
يُكمل مفهوم “بُنى الفضيلة” هذا التحليل. فكما توجد “بُنى للخطيئة” (استنادًا إلى طرح جان بول الثاني في رسالته Sollicitudo Rei Socialis عام 1987)، توجد أيضًا ترتيبات اجتماعية تُيسّر الفعل الفاضل. وتشمل هذه الترتيبات مؤسسات راسخة، وأعرافًا مستقرة، ودفاعات جماعية، وروابط مشتركة. كما يقدّم تصنيف المؤلف للفضائل— المنظَّمة حول العناية والكرامة وقابلية الكمال— إطارًا لفهم كيفية تفاعل الأخلاق الفردية والجماعية.
ومع ذلك، لا يمكن أن يوجد مجتمع غني ببُنى الفضيلة من دون أسر سليمة وذات سيادة. فالأسرة ليست مجرد مكوّن من مكونات النسيج الاجتماعي؛ بل هي النول الذي يُنسج عليه نسيج الفضيلة أولًا. وهي “المدرسة” الأساسية التي تُكتسب فيها الفضائل— مثل ضبط النفس، والرعاية، والخدمة— وتتجسد عمليًا. ومن خلال “طقوسها” الخاصة و”فرادتها”، تُنتج الأسرة أشكالًا مبرَّرة من التفاوت والتنوّع تُثري البُنى الاجتماعية الأخرى. وبهذا المعنى، تشكّل بنية مضادّة حيوية لقوى كلٍّ من الفردانية والنزعة الدولتية، إذ توفّر الإحساس الأولي بالانتماء والمسؤولية المشتركة.
الديمقراطية والسلطة وحدود السياسي
تعكس الفصول المخصّصة للديمقراطية والسلطة نزعة جماعاتية تشكّك في ادعاءات الدولة الحديثة. فبالنسبة إلى بيريث أدان، تكمن أمراض الدولة الحديثة أساسًا في تركّز السلطة، ولا تكون الديمقراطية مشروعة إلا بقدر ما تعمل على إذابة هذا التركّز من خلال توزيع السلطة. ويؤكد أن الديمقراطية عملية وليست غاية في ذاتها، وأن هدفها النهائي يقع خارج السياسة نفسها، إذ ينبغي أن تخدم غايات مثل “السلام، والعدالة، والرفاه، والانسجام، والحرية، أو التقدم” (ص. 134).
ولتوضيح هذا المنظور، يطرح بيريث أدان أربعة أسئلة. أولًا: من يحكمني؟ يكشف هذا السؤال عن تعددية السلطات التي نخضع لها— أرباب العمل، وأنظمة المرور، والعائلة— مما يبدّد الوهم القائل إن الدولة وحدها تحكم الحياة الاجتماعية. ثانيًا: من أحكم أنا؟ والإجابة المثالية، كما يقترح، هي “لا أحد، إن أمكن”. وهذا يعكس الهدف الجماعاتي المتمثل في ضبط الذات والتخلي عن الهيمنة على الآخرين. ثالثًا: كيف ينبغي أن نحكم؟ وهنا يفضّل المشاركة على التمثيل، مؤكدًا أن “كلما قلّ التمثيل وزادت المشاركة كان ذلك أفضل”. وأخيرًا، يطرح السؤال الأكثر جذرية: أين ينبغي أن تعمل الديمقراطية؟ هل يجب تطبيق المبادئ الديمقراطية بالطريقة نفسها داخل الأسرة، وفي الشركات، وفي المجتمع المدني؟ ومن خلال الإشارة إلى أن الديمقراطية لا ينبغي أن تُطبَّق بالطريقة نفسها في كل مكان، يسعى بيريث أدان إلى حماية “سيادة الأسرة” وغيرها من الجماعات من أن تُستعمَر بنموذج سياسي واحد يُفرض على الجميع.
ويرتبط هذا النقاش بمعالجته للعلاقة بين “قيصر” و”الله”. إذ يرى أن هناك عمليتين متوازيتين مطلوبتين. الأولى هي نزع القداسة عن الدولة: فعندما تكتسب الدولة سلطة شبه دينية، تصبح الديمقراطية عرضة لأن تتحول إلى طقس يضفي الشرعية على السلطة بدلًا من أن تكون آلية لتوزيعها. والثانية هي نزع الطابع الدولتي عن الكنيسة. ويرى بيريث أدان أن الحرية الدينية هي “أهم مقياس” لجودة النظام السياسي، فهي ليست مجرد حرية من بين حريات أخرى، بل تحمي علاقة الإنسان بالتعالي— مصدر المعنى والأخلاق. وفي هذا السياق، قد يتمنى القارئ لو أن المؤلف انخرط بشكل أعمق في النقاشات المعاصرة حول العلمانية في إسبانيا وأوروبا عمومًا. ففي كثير من السياقات، انتشرت العلمانية على النمط الفرنسي بطرق تجعلها أحيانًا تعمل كدين شبه بديل في مواجهة الأديان الأقلية— كما يظهر مثلًا في الجدل حول الحجاب الإسلامي في المدارس والمؤسسات العامة (انظر نقدي في حنفي 2025، الفصل الخامس).
إن استدعاء المؤلف لكتّاب مسيحيين أوائل مثل يوستينوس الشهيد (Justin Martyr) (حوالي 100-165) و يوسابيوس القيصري (Eusebius of Caesarea) (265- 308) الذين أقرّوا بفكرة المسؤولية الأخلاقية الجماعية— يدعم حجته القائلة بضرورة التعامل مع الفاعلين الاجتماعيين بجدية من دون إذابتهم في الدولة. وبهذا المعنى، يمكن للجماعات الدينية أن تزدهر بوصفها بُنى حقيقية للفضيلة، تسهم في الصحة الأخلاقية للمجتمع تحديدًا لأنها تظل مستقلة عن السلطة السياسية.
| يشكّل عالم الاجتماع الجماعاتي أميتاي إتزيوني أحد أبرز المؤثرين في مقاربة بيريث أدان، إذ يوفّر عمله إطارًا مفاهيميًا مهمًا للكتاب (Getty) |
نقد وتوترات
على الرغم من الصرامة والأصالة في تحليل بيريث أدان، فإن ثمة عددًا من التوترات التي تستحق اهتمامًا نقديًا. فقد يتوقع القارئ تقديم أمثلة سوسيولوجية أكثر تحديدًا حول كيفية تطبيق السوسيولوجيا الأخلاقية، ليس فقط كإطار نظري، بل أيضًا كمنهج للبحث الأمبريقي.
يتعلق التوتر الأول بمكانة الله في الحجاج السوسيولوجي. فبينما يؤكد بيريث أدان أن الله “مسألة اجتماعية”، يظل الدور الدقيق للادعاءات اللاهوتية داخل الاستدلال السوسيولوجي غير محدد بما يكفي. ففي بعض المواضع يبدو وكأنه يقول إن علم الاجتماع يحتاج إلى فرضية الله؛ وفي مواضع أخرى، يكتفي بالقول إن على علم الاجتماع أن يتعامل مع الإيمان الديني بوصفه معطىً أمبريقيا. وهذان ادعاءان مختلفان يتطلبان توضيحًا أدق.
أما التوتر الثاني فيتعلق بتراتبية القيم المقترحة، فعلى الرغم من أنها محفّزة فكريًا، فإنها تثير تساؤلات حول كيفية تبرير مثل هذه التراتبيات داخل مجتمعات تعددية. كما تبرز تساؤلات مماثلة بشأن العلاقة بين المسؤولية الفردية والجماعية. إذ إن إصرار المؤلف على الفاعلين الأخلاقيين الجماعيين يثير قضايا معقدة تتعلق بتوزيع المسؤولية والظروف التي يمكن فيها مساءلة الأفراد عن أفعال جماعية. وكيف يمكن أن تختلف هذه الديناميات بين مجتمعات تتسم بفردانية قوية (كما في العديد من السياقات الأوروبية) وأخرى ذات توجهات جماعية أكثر (كما في العالم العربي)؟ وبصورة أعم، لا ينخرط الكتاب بشكل كافٍ مع التقاليد الفكرية القادمة من الجنوب العالمي.
وأخيرًا، من المفيد وضع السوسيولوجيا الأخلاقية لدى بيريث أدان في سياق مقترحي الخاص حول “السوسيولوجيا الحوارية”، كما عرضته في “ضد الليبرالية الرمزية: دعوة إلى علم اجتماع تحاوري” (حنفي، 2025)، والذي يسعى إلى استيعاب التعددية داخل مجتمعات شديدة الاستقطاب. وبينما نتقاسم القناعة بأن علم الاجتماع ينبغي أن يأخذ التفكير الأخلاقي على محمل الجد— وأن يوازن بين التصورات الجماعاتية والفردية للعدالة— فإن السوسيولوجيا الحوارية تولي اهتمامًا خاصًا بمفهوم “العقل العمومي” و”المعقولية” لدى John Rawls (بتمييزه عن العقلانية الأداتية)، مع تأصيلهما بشكل أوضح في التزامات أخلاقية.
وبما أن المجتمعات المعاصرة تتسم بتعددية عميقة، فلا ينبغي مطالبة المشاركين في المجال العمومي بترجمة التزاماتهم الأخلاقية إلى لغة يُفترض أنها محايدة. بدلًا من ذلك، ينبغي السماح للمفردات الأخلاقية والدينية بالظهور علنًا في الخطاب العمومي، شريطة التعبير عنها بمسؤولية وباحترام للآخرين. وبعبارة ميف كوك (Maeve Cooke)، يجب أن تظل غير سلطوية. فالحوار، في هذا المنظور، ليس مجرد آلية لتحقيق التوافق، بل هو لقاء أخلاقي قائم على الثقة والصدق. ولا تعالج السوسيولوجيا الأخلاقية لدى بيريث أدان بشكل كامل الكيفية التي يمكن أن يعمل بها إطارها داخل المجال العمومي من أجل بناء تصور مشترك للعدالة وإدارة التصورات المتعارضة للخير.
الخاتمة
يمثّل كتاب “السوسيولوجيا الأخلاقية لعصر جديد” عملًا جريئًا وغير تقليدي. فهو يسعى إلى إعادة توجيه البحث السوسيولوجي نحو الأسئلة الأخلاقية، وإعادة الاعتبار للفاعلين الجماعيين بوصفهم ذواتًا أخلاقية، وصياغة أساس عقلاني للحكم الأخلاقي يتجنب كلًا من النسبية والدوغمائية.
ومن خلال الاستناد إلى طيف واسع من المصادر- أرنولد توينبي وإميل دوركهايم وأميتاي إتزيوني ورايمون بودون، ومن التعليم الاجتماعي الكاثوليكي إلى النظرية السياسية الجماعاتية – يبني بيريث أدان موقعًا فكريًا متميزًا. ويبرهن الكتاب بشكل مقنع على أن لعلم الاجتماع ما يقوله بشأن الأخلاق، بما لا يمكن اختزاله ببساطة في الفلسفة أو اللاهوت. وتمثّل مفاهيم مثل التعالي الذاتي، وبُنى الفضيلة، وسيادة الأسرة إسهامات حقيقية. كما أن إصرار المؤلف على فكرة التراتبية – في القيم والجماعات والمسؤوليات- يتحدى النزعات التبسيطية في كلٍّ من الفردانية الليبرالية والنسبية ما بعد الحداثية.
وسواء نجح الكتاب في تأسيس “السوسيولوجيا الأخلاقية” كحقل فرعي مستقل أم لا، فإنه يقدّم برنامجًا فكريًا مثيرًا للنقاش المستقبلي. ففي عصر يتسم بأزمات بيئية، وتحولات تكنولوجية، وتفكك سياسي، تبدو الأسئلة التي يطرحها بيريث أدان ملحّة بلا شك. وتستحق إجاباته نقاشًا جادًا- حتى، وربما خصوصًا، من قبل من يختلفون مع استنتاجاته. وسواء قبل المرء بإطاره أم لا، فإن الحوار الذي يفتحه ضروري. وكما يختم قائلًا: “مستقبلنا، ما بعد حياتنا، سيكون أخلاقيًا أو لن يكون” (ص. 66).
*أستاذ علم الاجتماع، الجامعة الأميركية في بيروت.
المراجع:
ساري حنفي، ضد الليبرالية الرمزية: دعوة إلى علم اجتماع تحاوري. المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. 2025.
Pérez Adán, José. 2025. Moral Sociology for a New Epoch. Cascade Books.