ما إن غادر دون كيخوت داره، حتى رغب بأن يكون فارسًا يزيل الظلم على عادة الفرسان الجوالين؛ كان قد قرأ الكثير من الكتب، وخالط رؤيته للعالم سوءُ فهمٍ جعل برنارد شو يصفه “بالحكيم حين قرأ، وبالمجنون حين صدّق ما قرأ”. فقد أراد مخترعه “سرفانتس” أن يدلّل على بطلان منطق الفروسيّة عبر أحد مجانينها، وفي مقطع مؤثر يقف برفقة فرسه وحامل سلاحه “سانشو” أمام ماخور، ويتعامل مع بغي وصديقتها كنبيلتين، إذ يخبط بقدميه واضعًا نفسه في خدمتهما، وينادي مالك المكان – والأخير لم يكن سوى تاجر جشع- بالسيد النبيل.
لم يكن دون كيخوت رؤيةً شخصيّةً لمؤلفه، بل كان “إيذانًا بولادة عالم جديد”. أو إشارةً إلى أفول زمن وبداية آخر، وبنقل هذا الافتراض إلى فضاء أوسع، هو الرواية العربية، سيعثر القارئ على ثلاث محطّات/ مراحل في مسيرتها، كانت البداية فيها مع فكرة البطل، وهي تضفي على الإنسان سمات فوق إنسانية، والجذور الأولى لهذا التصور نعثر عليها عمومًا في الملحمة التي تعرض تحدي الصعاب “جلجامش”، أو طرق القدر في تحقيق النبوءة “أوديب”، أو الصراع واختبار الإرادة الإنسانية (أوديسيوس)، وهو الذي تتحالف معه الظروف، ويسانده القدر أو يعانده. ورغم ذلك فإنه ليس وحيدًا في معركته ضد الشرير؛ ثمة قوى خيّرة ستساعده، وهي قوى فوق طبيعية وفوق زمانية؛ كما أن أفكاره تعيش بعد موته، ويبقى في الضمير الجمعي كأيقونة يسير على هديها كثيرون.
وهو على غرار أبطال الملاحم الكبرى سيمر بالمراحل الثلاث عند جوزيف كامبل: “التردد إزاء نداء المغامرة، ثم الاستجابة للنداء واتخاذ القرار”. هذا الخيط المستل من الأسطورة سنجده عند حنّا مينه، وجبرا إبراهيم جبرا، وغسان كنفاني، وتوفيق يوسف عواد، ونجيب محفوظ، إذ يُسخَّر الزمان والمكان والفضاء الروائي لمساندته. فالمكان مسقط الرأس ومبتغى القلب، ينتظر أبطاله ويرتبط بهم كما يرتبطون به؛ إنّه البحر عند حنّا مينه، وفلسطين في أعمال جبرا، وهو بيروت عند توفيق عواد، وقاهرة نجيب محفوظ. وهذه الرؤية امتدت للزمان الذي يتيح للبطل أن يتقدم فيه من الماضي نحو المستقبل ليُحدث تأثيرًا فيه.
كما أن الرحلة عنصر أساسي، والمغامرة والاستجابة لنداء الجماعة لا تقل عنه أهمية، ويؤثث الروائي السوري حنّا مينه أعماله على المغامرة والصراع والبحر، والروايات الغزيرة التي كتبها ومنها “المصابيح الزرق” (1954)، و”الثلج يأتي من النافذة” (1969)، و”الياطر” (1972)، و”الشراع والعاصفة” (1993)، تقدم شخصيات تعاني من التوهان وتُحاصر بشكوك في إنسانيتها، تعيش وطأة الندم في كل ما تفعل، لكنها تقاوم إلى أن تأتي لحظة التنوير والتغيير. كما تمثل أعمال الروائي الفلسطيني جبرا إبراهيم جبرا نموذج المثقف، الذي أدرك بعد هزيمة 1967 مأزقه، كما سنلاحظ في أعماله مثل “السفينة” (1970)، و”البحث عن وليد مسعود” (1978)، الروح الثورية لجيل الشتات الذي يعكس الالتزام السياسي بقضية فلسطين؛ وتُبنى الشخصية هنا انطلاقًا من موقف أخلاقي يعبّر عن قيم وهموم تتجاوزها إلى الذات الجمعية.
وتُعتبر شخصيات نجيب محفوظ امتدادًا لأسئلة الوجود البشري التي تضرب بجذورها في الفكر الميثولوجي الإنساني، والتي تدور في النزاع الأزلي بين الخير والشر، والوجود والعدم، والأبدي والزائل، والعلم والإيمان، والعدالة الاجتماعية. ويقع على عاتق شخصياته في “القاهرة الجديدة” 1945، و”اللص والكلاب” 1961، و”حكاية بلا بداية ولا نهاية” 1971 أن تكون رموزًا لقيم تفوقها وتتحدث بلسانها. وفي كل أعماله تُعقد مصالحة بين الدين والعلم، وتنتهي بحلول مثالية.
لم تتخلّ الرواية في مرحلتها الثانية عن البطل، لكنها وضعته في موقع معكوس، “اللابطل”، ليظهر بمواصفات تصادمية، لا سيّما عقب نكسة 1967، وسنعثر على البطل المهمش والمغترب في “المهزومون” لهاني الراهب، و”كانت السماء زرقاء” (1970) لإسماعيل فهد إسماعيل، وغيرهما.
وكأن الرواية في هذه المرحلة تتمثل قول كونديرا: “إذا كانت الرواية تريد أن تتقدم بوصفها رواية، فإنها لا تستطيع أن تفعل ذلك إلاّ ضدّ تقدم العالم”. إذ سيظهر في هذه الأعمال مهتزًا وخاويًا، منسحبًا من عالمه، رافضًا له، متمردًا على زيف قيمه، وعاجزًا عن تغييره.
في السياق ذاته، ورغم الفارق الزمني، ستظهر أعمال تستلهم الأسطورة ولكن بروح مغايرة، تنمّ عن فهم جديد للعالم؛ لقد أدركت الرواية خديعة الزمن، وتحلّت بالشجاعة لتعترف بأن العالم يبدو على غير ما يُؤمَّل منه، والبطل في الرواية – التي تركز على التشظي النفسي- يقف على النقيض من بطل الأسطورة؛ فهو يعي حدود قدراته: مستلب، وهارب، وبدون ملامح. إنه الآن يعيش في عالم ويعجز عن فهمه، وستقوم الرواية بهذا المزج بين الواقعي والعجائبي وبين الأسطوري للتعبير عن الواقع، وبدا واضحًا تأثر الرواية العربية بالأعمال المترجمة وتيار الوعي وأعلامه كـ نتالي ساروت وفرجينيا وولف وآخرين.
وفي رواية “شمس بيضاء باردة” للروائية الأردنية كفى الزعبي، تُستعاد ملحمة جلجامش عبر رحلة “راعي”، بطل الرواية، للبحث عن ذاته، وهي معادل لعشبة الخلود، والتي تنتهي بالإخفاق، كما أخفق جلجامش في إحضار نبتته. وفي هذه الرحلة، تعرّف “راعي” إلى الوحش في أعماقه، كما عجز عن التصالح مع الأنا الواقعي، وانتهى مجنونًا؛ فأسئلته الوجودية مزّقت عقله.
وتعاود “الأوديسة” تجلياتها في رواية “دروز بلغراد” (2010) للروائي اللبناني ربيع جابر، إذ يوقع بطله في مصادفات قدرية، ويلقي به على الشاطئ أثناء نفي الأسرى الدروز إلى بلغراد، ومن أجل تعويض النقص في عدد الأسرى تم ترحيل “حنّا يعقوب” عنوة إلى الأسر، ليقع ضحية خيانة المترجم الفرنسي الذي حوّل عبارة “أنا حنّا يعقوب مسيحي من بيروت” إلى “أنا حنّا يعقوب قتلتُ مسيحيًا من بيروت”. فحكايته أشبه برحلة أوديسيوس في البحر؛ لقد انطلق أوديسيوس لخوض حرب طروادة، لكنّ حنّا اقتيد بالسلاسل، وإذا كانت الرياح في الأسطورة قد تحالفت مع “أوديسيوس” ضدّ إله البحار، فإنها تخلّت عن “حنّا يعقوب”. إذ اقتيد عبر البحر ليمضي سنوات أسره، ولم تكن عودته عبر الجبال والوديان والقرى سوى تيه متواصل؛ لم يقابل حوريات الجزر البعيدة ولم يقض وقتًا معهن، فقد صحبه حجاج أشفقوا عليه في موكب للحج. ثم حُبس في قنٍّ للدجاج، وعوقب لأنه أكل بيضة، وأمام عتبة البيت لم يجد بينيلوب تنتظره، بل وصل وهو أخرس وأعرج وفاقد للذاكرة والأسنان.
كما ضيّقت الرواية العربية في مرحلتها الثانية حدود المكان (بار، معتقل، مطار)، بما يتناسب وتبدّد الروابط وتقطع مشاعر الألفة، وانعكس هذا على الزمن وتشتت الحبكة كانعكاس للهزيمة الداخلية. وقدمت بطلًا مفرّغًا من بعده الإنساني، وهو على النقيض من بطل الأسطورة: مأزوم، جواني، حائر، وعاجز عن فهم معنى وجوده.
وفي رواية “اللجنة” لصنع الله إبراهيم، والتي كُتبت بين (1979–1980)، توضع الشخصية ضمن عالم بيروقراطي، وكان رئيس اللجنة يطلب من المفحوص الرقص، ثم يطلب منه خلع بنطاله. وفي رحلته ينقل لنا تفاصيل عالم مخيف؛ كل شيء فيه مفكك وغامض. وتقدم رواية “اللجنة” عالمًا يصعب استيعابه.
لقد ندم بطل الرواية على تخاذله أمام اللجنة وفي الباص وفي عيادة الطبيب، وهو سيلوم نفسه بترديد عبارة لماياكوفسكي: “أقسم ألاّ أتحدث بعد الآن باللسان المشين للتعقل والحصافة”، كما ابتدع خطبة مرتجلة قبل أن يباشر بأكل نفسه. وصرخته — “لقد ارتكبت منذ البداية خطأ لا يُغتفر. فقد كان من واجبي لا أن أقف أمامكم، بل أن أقف ضدّكم، ذلك أن كل مسعى نبيل على وجه الأرض يجب أن يتجه للقضاء عليكم”— ستكون بمثابة افتتاح مرحلة جديدة تنحو فيها الرواية إلى صورة جديدة للبطل الشكاك العنيف، الذي يهتك اللغة، ويدخل فوضى الواقع وبذاءته في نصه، ويحطم المعنى المألوف.
كما تغير معنى الشخصية، فقد تكون في النص الروائي منشورًا أو شذرات نصوص أدبية؛ فنعثر على روايات توجه خطابها للقارئ أو تحاوره، كما في رواية “الرجل الخراب” للكاتب السوداني عبد العزيز بركة ساكن، حيث يتعدد الرواة ويشتبك المؤلف مع الراوي ويتضاد الأخير مع الشخصيات. وثمة كتاب ينتصرون للخرق والهجاء، كأعمال الروائي التونسي كمال الرياحي “عشيقات النذل” و”المشرط”، وفي “سلالم ترولار” لسمير قسيمي، أو الجنون والسخرية البارودية في كل من “أخبار الرازي” و”انتصاب أسود” للروائي أيمن الدبوسي.
فلم يعد الهدف تغيير العالم، بل السخرية من منظومته القيمية عبر بطل لا يهدف لتغييره ولا لتدميره. ويُعتبر التشتت وفقدان الأمل والتفكك من الموضوعات الأثيرة للرواية العربية المعاصرة، التي تخلق أبطالًا بدون إرادة؛ فالبطل أسير ظروفه ورهينة لها، لا يتعدى دوره حضور شبح، لا ليؤنس بل ليوقظ ويفزع.
وهو في أغلب الأعمال المعاصرة ينتهي عاريًا ومجنونًا وفاقدًا لحدود الواقع؛ فحكايته تبدأ من لحظة حرجة مرتجّة، تضيق فيها المسافة بين الوهم والحقيقة، بين الحكاية والحياة، الحقيقي والزائف، العالم الافتراضي والكائن الواقعي، الهوية الأصلية والزائفة، الخير والشر، الشيء ونقيضه.
والمتأمل في الأعمال الروائية في السنوات الأخيرة يلحظ النزعة الماثلة في الجنون والانتحار والتدمير والنار كخيار جمالي وفني، في استعادة لمبادئ فاتيمو: “نهاية الفن وأفوله، موت النزعة الإنسانية، العدمية، نهاية التاريخ”، وهي كلها إعلان النهاية لكل شيء، أو دق أجراس الموت بتعبير دريدا، في استعادة لمشهد “دون كيخوت”، أمام كتبه التي تلتهمها النار، وهذه المرة لن يكون إيذانًا بموت عالم وولادة آخر، بل إعلان ضمني بأن على البطل أن يموت حتى يعيش النص، وعليه أن يجنّ بينما يتابع العالم تقدمه نحو دماره الذاتي.
إحالات:
– ميلان كونديرا، “الوصايا المغدورة”.
– جوزيف كامبل، “البطل بألف وجه”، ترجمة: حسن صقر.
– إيهاب حسن. “سؤال ما بعد الحداثة”، ترجمة، بدر الدين مصطفى أحمد، مقال منشور في موقع “مؤمنون بلا حدود”. 27 أيار/ مايو 2016.