-
زووي باريس، شيريزان منوالا، مصطفى حايد.. المصدر الجمهورية .نت
-
-
-
بعد أكثر من عام على سقوط بشار الأسد، ما يزال هناك سؤالٌ جوهريّ يفرض نفسه: ما الذي سيُقنع السوريين بأن الدولة الجديدة ليست سوى الآلة القديمة نفسها، ولكن بوجهٍ مختلف؟ في سياقات ما بعد النزاع، تُبنى الشرعية عندما يستطيع الناجون استخدام المؤسسات والموارد العامة ويُعاملون بكرامة ومن دون أن يُعاد تعريضهم للإذلال أو الوصم أو استحضار الصدمة. تقع تعويضات الناجين من الجرائم الفظيعة الجماعية في قلب هذا الاختبار.
بدأت سوريا ببناء إطارها للعدالة الانتقالية، إذ أُنشئت بموجب مرسوم «الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية» و«الهيئة الوطنية للمفقودين». تُمثّل هذه الخطوات نقطة انطلاق مهمة، وستلعب برامج جبر الضرر دوراً مركزياً فيها، سواء عبر معالجة الأذى الذي لحق بالضحايا وعائلاتهم، أو عبر إظهار الكيفية التي تنوي الدولة من خلالها الاستجابة لهم. لكنّ مساهمة التعويضات في استعادة الثقة تتطلب من الدولة الجديدة أن تُصمّم برنامجاً واضحاً وسهل الوصول، عادلاً، ويُعطي الأولوية لاحتياجات الناجين.
كثير من القضايا العملية ستحتاج إلى اهتمامٍ خاص: الشفافية في صنع القرار، معايير أهلية واضحة وشاملة، قدرات إدارية وتقنية كافية لدعم من عاشوا تجارب صادمة، وإتاحة وصولٍ فعلي للسوريين المقيمين في المناطق النائية أو خارج البلاد. كما سيكون من الضروري التشاور مع المجتمعات المتضرّرة، بما في ذلك الناجون من الانتهاكات الجسيمة، ومع منظمات المجتمع المدني التي تدعمهم.
يُمكن لسوريا أن تنظر إلى العراق المجاور وتستخلص دروساً في كل ما ذكر. ما تزال العدالة الانتقالية في سوريا في مرحلة مبكرة، لكن مع شفافية محدودة وتشاور محدود مع الناجين. أما العراق، فقد عانى عقوداً من الفظائع التي ارتكبتها الدولة وجماعات مسلّحة. وعلى خلاف سوريا، نفّذ العراق عدة برامج للتعويضات، شملت الناجين من جرائم مرتبطة بالإرهاب، والانتهاكات العسكرية، والأسر من قبل تنظيم داعش، والجرائم التي ارتكبها نظام صدام حسين السابق.
كما شهدنا في العراق، لا تُقاس نجاحات برامج جبر الضرر فقط بنتائجها وأرقامها، إنما أيضاً بتجربة الناجين أنفسهم خلال التقديم والتنفيذ. ومن خلال التركيز على صياغة قانون «الناجيات الإيزيديات» وتنفيذه، وهو برنامج تعويضات اعتمده العراق عقب الإبادة الجماعية التي ارتكبها داعش بحق المجتمع الإيزيدي، يُمكن استخلاص دروس مهمة لسوريا.
قانون قائم على مقاربة تركز على الناجين
كان إقرار قانون «الناجيات الإيزيديات» إنجازاً لافتاً، إذ يُعد أول قانون تعويضات في العراق والمنطقة يستجيب بشكل صريح للعنف القائم على النوع الاجتماعي. يُركّز على الناجين من الاختطاف، والعنف الجسدي والنفسي والجنسي والقائم على النوع الاجتماعي، والناجين من جرائم القتل الجماعي. ولا يقتصر هذا القانون على الإيزيديات من النساء والفتيات، إنما يشمل أيضاً الإيزيديين من الفتيان الذين خُطفوا وهم قاصرون، إضافة إلى النساء والفتيات من مجتمعات الشبك والتركمان والمسيحيين اللواتي تعرّضن أيضاً للاختطاف. وأخيراً، ينطبق القانون على الضحايا من الرجال والنساء من هذه المجتمعات الأربع الذين نجوا من الإعدامات الجماعية.
تشمل التعويضات الفردية في إطار «الناجيات الإيزيديات» راتباً شهرياً، وقطعة أرض، وإمكانية الوصول إلى خدمات الصحة النفسية، وفرصاً تعليمية. كما يعترف القانون بالجرائم المرتكبة ضد هذه المجتمعات، بما فيها الإبادة الجماعية، ويلزم الدولة العراقية بالبحث عن المفقودين وفتح جميع المقابر الجماعية المتبقية.
أنشأ القانون نظام تعويضات إداريّاً تنفِّذه «المديرية العامة لشؤون الناجين» (GDSA) التابعة لوزارة العمل والشؤون الاجتماعية العراقية. كما أنشأ لجنة من ثمانية أعضاء للبتّ في الطلبات والنظر في الطعون على المستوى الأول، مع صلاحية إجراء مقابلات مع الناجين وفق تقديرها.
في بدايات التنفيذ، تضمّن البرنامج إجراءات محدودة ومعياراً مرناً للإثبات، بما يُتيح للناجين الوصول إلى التعويضات خارج المسارات القضائية. وباعتبار البرنامج إدارياً، كان بإمكان الناجين تقديم أي دليل متاح، ولم يكن مطلوباً منهم تقديم شكوى جنائية للوصول إلى التعويضات. كما تضمّن القانون أحكاماً خاصة بالسرية، تحظر على (GDSA) وغيرها من الجهات الحكومية مشاركة معلومات الناجين دون تفويض.
ولأن كثيراً من الناجيات الإيزيديات كنّ قد شاركن قصصهن مراراً مع صحفيين ومنظمات غير حكومية ومحققين، اعتُبرت الإفادات التي أُخذت من قبل جهات معروفة على نطاق واسع أدلة قوية تمكّن الناجين من الوصول إلى التعويضات من دون الخضوع لمقابلة إضافية. وبما أن معظم الناجين كانوا لا يزالون نازحين في إقليم كردستان العراق، تطلّب تقديم الطلبات السفر إلى مكاتب (GDSA) في الموصل أو إلى مكتب فرعي أُنشئ لاحقاً في سنجار. ثم أُطلقت بوابة إلكترونية أتاحت للناجين التقديم من داخل العراق ومن خارجه.
إنجازات برنامج «الناجيات الإيزيديات»
لا تنشر (GDSA) معلومات عن عدد المتقدمين، أو الطعون، أو الطلبات المرفوضة. لكنها أفادت أنه حتى اليوم وافقت اللجنة على 2,496 شخصاً بوصفهم ناجين يتلقون التعويض المالي الشهري. بالإضافة إلى ذلك، عملت (GDSA) مع منظمات غير حكومية لتوفير خدمات الصحة النفسية، بينما تعمل الحكومة على إنشاء مركز متخصص في سنجار. وهي تعمل أيضاً على إتاحة فرص التعليم للناجين الذين انقطعت دراستهم، وعلى إعطاء أولوية في التوظيف ضمن القطاع العام. وأخيراً، جرى تنفيذ المرحلة الأولى من توزيع الأراضي، حيث أُصدر 262 سند ملكية لأراضٍ سكنية للناجين. كما يفرض قانون «الناجيات الإيزيديات» تدابير تتعلق بإحياء الذكرى، والبحث عن المفقودين، وفتح المقابر الجماعية، ودعم جمع الأدلة وجهود العدالة.
هذه الإنجازات مهمة وتتطلب تنسيقاً مع جهات حكومية اتحادية ومحلية أخرى. وكانت التعويضات المالية ذات تأثير كبير على حياة الناجين، إذ مكّنتهم من إعادة بناء حياتهم، وأحياناً من مغادرة مخيمات النزوح، بعد عقدٍ من العيش في ظروف هشّة. وبالنسبة لكثيرين، كانت المرة الأولى التي يُعترف فيها من الدولة العراقية بالأذى الذي تعرّضوا له فردياً وجماعياً.
لكن في الوقت نفسه، كان المسار صعباً في كثير من الأحيان على الناجين الذين كانوا قد عايشوا صدمات شديدة، وغالباً ما واجهوا هتكاً ووصماً داخل مجتمعاتهم. وهذا مهم لأن هدف التعويضات ليس فقط جبر الضرر عن الفظائع، بل أيضاً إصلاح العلاقة بين الدولة ومواطنيها، وأن يشعر الناجون بأن ما تعرّضوا له معترف به ولن يتكرر. لقد قدّم قانون «الناجيات الإيزيديات» إطاراً جديداً للتعويضات، لكن نقاط الضعف في صياغته وتنفيذه حدّت من الوصول إلى التعويضات وقوّضت طابعه القائم على مقاربة تُركّز على الناجين.
غموض صياغة القانون
أدّت صياغة قانون «الناجيات الإيزيديات» إلى ثلاث قضايا أساسية خلقت صعوبات كبيرة أمام بعض الناجيات:
أولاً، صيغ القانون للاستجابة لجرائم ارتُكبت بحق النساء والفتيات الإيزيديات، وهو أمر مفهوم بالنظر إلى عدد الضحايا وفداحة الأذى والحملة الإبادية لداعش ضد الإيزيديين. لكن القانون شمل أيضاً النساء والفتيات من الشبك والتركمان والمسيحيين. ولكي يتأهل المتقدمون للتعويضات، كان عليهم إثبات أن داعش اختطفهم في 3 آب (أغسطس) 2014 أو بعده، وهو تاريخ هجوم داعش على البلدات والقرى في موطن الإيزيديين في سنجار ضمن سهل نينوى.
غير أنّ داعش هاجم المجتمعات الأخرى قبل ذلك التاريخ. ونتيجة لذلك، كان على ناجيات تلك المجتمعات إثبات أنهن كنّ لا يزلن محتجزات اعتباراً من 3 آب (أغسطس) لكي يتأهلن. وبالتالي، لا تتأهل امرأة تركمانية أو شبكية أو مسيحية أُسرت ثم أُفرج عنها قبل 3 آب (أغسطس)، بغض النظر عن الأذى الذي تعرضت له. وبالنسبة لمجتمعات استُهدفت بأنماط مختلفة، يبقى مصطلح أساسي هو «الخطف» غير مُعرّف، ما يُتيح تفسيرات مختلفة حول ما إذا كان شخص ما قد أُخذ من قبل داعش.
أمّا التحدي الثاني فكان في تحديد الضرر المطلوب إثباته للتأهل وفق المادة 1 من قانون «الناجيات الإيزيديات»، التي تشمل الخطف، والعنف الجنسي، وتفكك الأسرة، والتحويل القسري للدين، والأذى الجسدي والنفسي. وبفعل الاعتقاد الشائع بأن كثيراً من الإيزيديات تعرّضن للعنف الجنسي، كان يُتوقع من المتقدمات – في الغالب – أن يُقدّمن أدلة على أشكال متعددة من الأذى. ورغم أن القانون لا يشترط إثبات الاغتصاب، طُرحت هذه المسألة مراراً أثناء عملية التقديم، ولا سيما مع المتقدمات الأصغر سناً. إن الضغط على النساء للإفصاح عن الاغتصاب كان مُؤذياً ومُسبّباً للوصم، ومُعيداً للصدمة.
أخيراً، ثمة ارتباك حول الفتيات المؤهلات من الشبك والمسيحيين والتركمان. حيث يستخدم قانون «الناجيات الإيزيديات» عدة تعابير لوصف الناجيات المؤهلات، مثل «نساء» و«أطفال» و«فتيات مراهقات». وبينما يُدرج أطفال الإيزيديين صراحة، يُشير القانون إلى الناجيات من المجتمعات الأخرى بوصفهن «فتيات مراهقات». هذا الاختلاف في الصياغة أدى عملياً إلى استبعاد الفتيات دون 16 عاماً من الشبك والتركمان والمسيحيين، رغم تعرضهن للأذى ذاته الذي تعرض له الأطفال الآخرون. وبما أن القانون لا يُعرّف هذه المصطلحات، يُترك تفسيرها للجنة المسؤولة عن مراجعة الطلبات. وفي التطبيق، اعتمدت اللجنة أكثر التفسيرات تقييداً، ما أدى إلى استبعاد فتيات من الشبك والمسيحيين والتركمان. وهكذا، مرّت بعض الفتيات الصغيرات بتجربة شاقة، ثم اكتشفن في النهاية أنهن غير مؤهلات.
ثمّة أيضاً فجوات إجرائية. فعندما ترفض اللجنة طلباً للتعويضات، لا تُصدر (GDSA) قراراً خطياً، بشكل مُتسق، يُبيّن تاريخ القرار وأسباب الرفض. ويخلق غياب هذه المعلومات عوائق عملية أمام الناجين الساعين للاستئناف، سواء أمام اللجنة أم كملاذ أخير أمام محكمة البداءة. وفيما طلب بعض الناجين قرارات خطية وتلقوها، فإن ذلك لم يكن سياقاً ثابتاً، وقد تكون التفسيرات الشفهية عبر الهاتف ناقصة أو يُساء فهمها. كما يجب تقديم الاستئناف خلال 30 يوماً، ومن دون حصولهم على أسباب واضحة للرفض، يكون الناجون في موقع ضعف عند إعداد استئناف فعّال.
المتطلب الإضافي: التحقيق الجنائي
تعرّض البرنامج لانتكاسة كبيرة بعد شهرين من بدء التنفيذ، حين اشترطت اللجنة على جميع المتقدمين إثبات أنهم قد فتحوا دعوى جنائية في موقع اختطافهم وأن التحقيق فيها قد أُنجز. سَرَى هذا الشرط بغض النظر عن معرفة الناجين بهوية الجناة، أو وجود الجناة في العراق، أو كونهم معتقلين أم لا، أحياء كانوا أم أمواتاً. ورغم أنّ قانون «الناجيات الإيزيديات» نصّ على أن هكذا دعاوى هي أمر اختياري، إلا أن رئيس اللجنة السابق جعل هذا الشرط إلزامياً بوصفه إجراءً لمكافحة الاحتيال، مما غيّر – عملياً – الطبيعة الإدارية لبرنامج التعويضات.
عملياً، كي يُقدّم الناجي شكوى جنائية، كان عليه التعامل مع جهات حكومية عدة ضمن مسار العدالة الجنائية. شمل ذلك الشرطة، والمحققين القضائيين، وضباط الأمن والاستخبارات، وكلٌّ منهم مخوّل بإجراء مقابلاته الخاصة حسبما يراه مناسباً، ويُمكن لكل جهة أن تؤثر على مسار ملف الناجي عبر تعطيله أو إصدار خلاصات سلبية.
وبما أن التحقيقات الجنائية تُجرى وجاهياً، اضطر الناجون إلى العودة إلى المكان الفعلي الذي اختطفهم منه داعش ليُستجوبوا من قِبل الشرطة وقاضي التحقيق. وكانت هذه الإجراءات تتطلب من الناجين العودة إلى مناطق تستحضر صدماتهم، ويشعرون فيها بانعدام الأمن بسبب احتمال وجود عناصر أو مناصرين لداعش.
خلال المقابلات، كان على الناجين أيضاً الخضوع لسلسلة جديدة من الأسئلة حول العنف الجنسي، دون تدريب للمسؤولين على التعامل مع حساسية الموضوع. وفي إطار التحقيق، كان مسؤولون حكوميون، ولا سيما الشرطة وقضاة التحقيق، يطرحون أحياناً الأسئلة في قاعات محاكم بحضور العامة وموظفين حكوميين، وأحياناً مع أبواب مفتوحة، أو بحضور محامين يعملون على قضايا أخرى. عرّض ذلك الناجين للوصم وإعادة الصدمة ومخاطر الأذى الأسري والمجتمعي.
كما تطلب المسار الجنائي في العراق من الناجين تقديم شاهدَينِ يؤكدان بأنهما شاهدا الناجي مختطفاً أو في الأسر. ومع جعل هذا شرطاً إلزامياً، تقوّضت أحكام السرية في القانون، إذ اضطر الناجون لإشراك آخرين لتأكيد ادعاءاتهم. ومع مرور الوقت، قيل للناجين إن الشهود أيضاً يجب أن يكونوا «مقبولين» من اللجنة، مما ضيّق دائرة المؤهلين للشهادة أكثر.
مثّل ذلك تحدياً خاصاً للناجين من مجتمعات أصغر، ولمن يعيشون في المنفى، إذ لم يكن الشهود متاحين غالباً. كما اضطر ناجون – ممن نالوا الموافقة، وقدّموا شكاواهم وإفاداتهم – للعودة إلى المحاكم ومراكز الشرطة وتقديم شهاداتهم مجدداً لصالح آخرين، ما أجبرهم على استعادة تجاربهم الصادمة. وتحمّل الناجون أيضاً أعباء سفر وتكاليف إضافية وصعوبات لوجستية، والأهم أنهم كابدوا ضيقاً وعدم يقين في ظلِّ تغيّر مستمر للإجراءات وظهور متطلبات جديدة وغياب الشفافية. كما اضطر كثيرون داخل العراق للسفر مراراً من مخيمات إقليم كردستان إلى الموصل أو سنجار على نفقتهم الخاصة، كما اضطروا لإحضار أطفالهم لتسجيل قضايا منفصلة. بينما عاد آخرون من الخارج، من أوروبا وأستراليا وكندا والولايات المتحدة، بتكاليف باهظة.
ورغم أن شرط تقديم الشكوى الجنائية لم يُرفع قط، بدأت (GDSA) – بعد أكثر من ثلاث سنوات على اعتماد القانون – برنامجاً تجريبياً يسمح للناجين المقيمين في الخارج بالتقديم عبر السفارات العراقية في عدد من الدول الأوروبية، مما خفّض بدرجة كبيرة العوائق المالية واللوجستية والنفسية. كان نظام التقديم عن بُعد خطوة أساسية لضمان أن تكون التعويضات متاحة لعدد أكبر من الناجين.
دروس لبرنامج التعويضات السوري المستقبلي
تشترط المعايير الدولية أن تكون التعويضات كافية وفعّالة وفي الوقت المناسب، وألا تتسبب بالوصم أو بإلحاق ضرر إضافي، وأن تُقدّم عبر إجراءات متمحورة حول الناجين، سهلة الوصول، مع معلومات واضحة ومساعدة قانونية. وتبرز تجربة تنفيذ قانون «الناجيات الإيزيديات» عدة دروس قد تكون مفيدة لصنّاع السياسات وفاعلي المجتمع المدني في سوريا عند التفكير بآليات تعويض مستقبلية:
- صياغة القانون بوضوح وتعريف الأهلية بدقة. بحيث ينبغي أن يُحدّد القانون من يتأهل، وما الجرائم المشمولة، وما الأدلة المطلوبة للوصول إلى المنافع، بدلاً من ترك المصطلحات الأساسية مفتوحة للتأويل.
- جعل قرارات الأهلية شفافة وقائمة على التشاور. إذ ينبغي أن يحصل السوريون الذين يتقدمون للتعويضات وتُرفض طلباتهم على أسباب الرفض خطياً، مع معلومات واضحة عن المهل والجهة التي يُمكن الاستئناف أمامها.
- من المرجّح أن يُحقق برنامج تعويضات إداري نتائج أكثر تمحوراً حول الناجين في سياقات الجرائم واسعة النطاق والموارد المحدودة. إذ غالباً ما تتطلب مسارات المساءلة الجنائية معايير إثبات أعلى وإجراءات طويلة ومعقدة، تضع أعباء أكبر على الأفراد. وبينما تبقى المساءلة الجنائية مهمة، يجب فصلها عن التعويضات الإدارية، وألا تكون شرطاً للوصول إلى المنافع.
- اعتماد معايير مرنة للإثبات وإجراءات تراعي الصدمة. فغالباً ما يفتقر الناجون إلى أدلة وثائقية، لذا ينبغي أن تقبل البرامج طيفاً واسعاً من الأدلة الموثوقة، بما في ذلك شهادة الناجي. وينبغي تدريب الجهات التي تبتّ في الطلبات على التعامل بطريقة حسّاسة مع الناجين عند الحاجة لإجراء المقابلات. كما يجب أن تحمي الإجراءات الخصوصية والسرية، وأن تتجنب التنقيب غير الضروري في تفاصيل الأذى، وأن تراعي عوامل مثل النوع الاجتماعي، بما في ذلك توظيف وتدريب موظفات. وينبغي أيضاً أن تعطي كل العمليات الأولوية للسلامة الجسدية والنفسية للناجين.
- ضمان إتاحة البرنامج للسوريين داخل البلاد وخارجها، بما في ذلك من يعيشون بعيداً عن دمشق. يمكن أن يشمل ذلك مسارات تقديم إلكترونية، ومكاتب فرعية، وتنسيقاً مع السفارات، مع إدراك أنه ليس كل السوريين قادرين أو راغبين بالاعتماد على خدمات السفارات، ولا سيما من يحملون صفة لاجئ-طالب لجوء أو من لا يزالون لا يثقون بالمؤسسات الحكومية.
- إنشاء آليات رقابة واستئناف مستقلة، لضمان مراجعة القرارات بصورة عادلة ودون تحيّز من جهة مستقلة.
- ينبغي للحكومات أن تعمل عن قرب مع منظمات المجتمع المدني، سواء للاستفادة من الخبرة التقنية أو لتقديم الخدمات للناجين، بما في ذلك الدعم النفسي والمساعدة القانونية.
في النهاية، يجب أن تُظهر برامج التعويضات أن الدولة ملتزمة بالاعتراف بالأذى الذي حدث، وكذلك باستعادة الثقة بين الدولة ومواطنيها، ومنع تكرار الفظائع. وسيكون البرنامج السوري أكثر قدرة على تحقيق ذلك إذا صُمّم بصورة تُركز على الناجين وتراعي الصدمة، وبنهج غير خصومي، وباستجابة واقعية للتحديات التي يواجهها الناجون.
*****
-