في واحدةٍ من أكثر القضايا الجامعية إثارةً للجدل في المغرب منذ سنة 2016، أدانت غرفة جرائم الأموال الابتدائية بمحكمة الاستئناف في مدينة مراكش في الثالث من أبريل 2026 أستاذاً جامعياً بتهمة التلاعب في اختبارات دخول سلك الماجستير ومنح شهاداتٍ جامعيةٍ مقابل المال في كلية الحقوق التابعة لجامعة ابن زهر في أكادير وحكمت عليه بالسجن أربع سنوات.
شكَّلت هذه الحادثة امتداداً لعددٍ من حالات الفساد التي سُجِّلت في الجامعات المغربية. في سنة 2017، وفي واقعة “الجنس مقابل النقط”، أُدين أستاذٌ جامعيٌّ بابتزاز طالباته جنسياً مقابل إعطائهن درجات “جيّد” في جامعة عبد المالك السعدي بمدينة تطوان. تلتها واقعةٌ مماثلةٌ نهاية ديسمبر 2021 أُدين فيها أستاذٌ جامعيٌّ آخر في المدرسة الوطنية للتجارة والتسيير بوجدة شرق المغرب، انتهت بتوقيفه عن العمل.
إثر هذه الحوادث وغيرها، تبدَّلت صورة الجامعة المغربية اليوم عن صورتها في النصف الثاني من القرن العشرين. حينها، كانت الجامعة تُعرَّف فضاءً للصراع الفكريِّ والسياسيِّ والنقاش العقائديّ. يظهر ذلك جلياً في السير الذاتية لكلِّ من تعلَّم في الجامعات المغربية وعايش فترة سبعينيات القرن الماضي وثمانينياته، ومن هؤلاء الكاتب والأكاديمي والمترجم المغربي سعيد بنكراد والكاتب والأكاديمي محمد العمري والشاعر والكاتب صلاح بوسريف ووزير الثقافة المغربي السابق بنسالم حِمّيش.
في سيرته الذاتية المعنونة “وتحملني حيرتي وظنوني”، يستعيد بنكراد سنوات الدراسة والنضال الطلابي داخل الجامعة في ما عُرفَ بسنوات “الجمر والرصاص”. ومثله فعل العمري في سيرته “زمن الطلبة والعسكر”. ويستحضر بوسريف في “بيت الكينونة” تجربته في كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالدار البيضاء، وما رافقها من خيبةٍ من مستوى التكوين والتأطير الأكاديمي في الجامعة. وعلى ذلك، سار حِمِّيش في سيرته الذاتية “الذات بين الوجود والإيجاد”.
تكشف سير هؤلاء الكتَّاب عن صورتَين متعاقبتَين لهذه المؤسسة. الأولى صورة الجامعة ساحةً للصراع الطلابي والسياسي في العقود التي أعقبت استقلال المغرب سنة 1956. إذ كانت ستينيات القرن الماضي وسبعينياته زمناً لتشكّل الوعي السياسي والفكري، ومجالاً مفتوحاً للتجاذب الفكري بين التيارات الطلابية والسياسية المختلفة. لذلك غلب على تمثيلها منطق المواجهة والتوتر، بما رافق تلك المرحلة من عنفٍ واحتقانٍ طبعَا الحياة الجامعية وأثَّرا في مساراتِ كثيرٍ من الطلبة والأساتذة.
ومع تراجع المدِّ الفكري وتفكّك البنيات التنظيمية القديمة وحظر أنشطة الاتحاد الوطني لطلبة المغرب سنة 1973، بدأت صورةٌ أخرى للجامعة تتسلل إلى متون الروايات والسير الذاتية. صورة مؤسسةٍ فقدت كثيراً من رمزيتها الثقافية، واستبدلت صخب النقاش الفكري بفسادٍ متعدد الأشكال امتدَّ من اختلالات التوظيف والتقييم إلى شبكات المصالح والتحرش الجنسي. وهو ما أثَّر على طبيعة النخب التي أصبحت الجامعة تُنتجها، وعلى مكانتها داخل المجتمع.
وبين مشهد الجامعة التي كانت منشغلةً بالصراع الفكري ومشهد الجامعة التي تتناسل داخلها أشكالٌ متعددةٌ من الفساد الإداري والأخلاقي والقيمي، تتجلى تحولاتٍ عميقةً مسَّت البنية الاجتماعية والثقافية والسياسية لهذه المؤسسة.
أفرد الأكاديمي والكاتب المغربي محمد العمري الفصل الأول من سيرته الذاتية “زمن الطلبة والعسكر”، الصادرة سنة 2012، للحديث عن الفترة التي قضاها طالباً في كلية الآداب بمدينة فاس. فتحدث عن الصراعات السياسية التي شهدتها ساحاتها بين مختلف الفصائل الطلابية أواخر ستينيات القرن الماضي حين بلغت عملية الاستقطاب أوجها. يقول العمري مستعيداً بدايات دخوله الحي الجامعي سنة 1968: “لم أكد أستقرّ بالحي الجامعي حتى دُعيتُ إلى اجتماعٍ خُصّص لتأطير الطلبة القادمين من الجنوب سنة 1968، نُظّم في القبو. أَشرفَ على العملية طلبةٌ من الفصيل الاتحادي، من الأفواج السابقة، من أبناء البيضاء [الدار البيضاء] خاصة”.
في تلك المرحلة، برز الاتحاد الوطني لطلبة المغرب الذي تأسس سنة 1956 مع استقلال المغرب. سرعان ما تجاوز الاتحاد دوره إطاراً نقابياً لمطالب الطلبة الاجتماعية، وأصبح مجالاً لصناعة الخطاب السياسي وتدريب السواعد الحزبية والنقابية والحقوقية. فقد كانت جامعة ظهر المهراز في فاس “مِرجلاً يغلي بالأفكار الثورية الماركسية المعادية لنظام الحكم، المتمرّدة على الأحزاب السياسية”، على حدّ تعبير العمري.
اتَّسمت العلاقة بين الحركات الطلابية والأحزاب السياسية حينذاك بقدرٍ كبيرٍ من الارتباط التنظيمي والفكري. ففي مقالته “الطلبة والسياسة”، المنشورة سنة 2018، يقول الباحث في جامعة ابن طفيل عبد الإله بامو إنَّ الاتحاد الوطني لطلبة المغرب كان منذ تأسيسه تنظيماً مرتبطاً بحزب الاستقلال. وهو حزبٌ سياسيٌّ ذو توجّه يمينيٍّ محافظ تأسس سنة 1944، قبل أن ينتقل تأثيره إلى حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية الذي انشقَّ سنة 1958 عن حزب الاستقلال. وقد ظهر هذا الارتباط في مواقف الحركة الطلابية، خاصةً أن توجّه الحزب الجديد كان يسارياً اشتراكياً. فتبنَّت الحركة مواقف الأحزاب المعارضة النظامَ، وشاركت في معارك سياسية كان منها الدعوة إلى مقاطعة دستور 1962 والدفاع عن المعتقلين السياسيين، ما يؤكد أنَّ الجامعة كانت فضاءً للتعبئة السياسية والحزبية. وقد ساهمت بذلك في إنتاج نخبةٍ مغربيةٍ ذات حسٍّ نقديٍ مرتفعٍ وانخراطٍ واسعٍ في الشأن العام، فأنشأت جيلاً من المثقفين والصحفيين والحقوقيين.
شكَّلت سنة 1968 منعطفاً حاسماً في علاقة الحركة الطلابية بالأحزاب السياسية، لاسيما بعد التظاهرات والاعتصامات الطلابية عالمياً، التي انطلقت من فرنسا فيما بات يُعرف بأحداث مايو 1968. وهي فترةٌ تخلَّلتها إضرابات عامة ومظاهرات عمَّالية واعتصامات طلاب الجامعات توقفت فيها حركة الاقتصاد الفرنسي، وتوقفت فيها أيضاً أعمال الحكومة بعد أن هرب الرئيس الفرنسي شارل ديغول سرَّاً إلى ألمانيا. تُعد هذه الفترة نقطة تحوّلٍ ثقافية واجتماعية وأخلاقية في تاريخ فرنسا، لاسيما بعد أن حققت نقابات العمَّال وأصحاب العمل مكاسب في زيادة أجور العمَّال، وقد حفَّزت الحركات الطلابية والعمَّالية في جميع أنحاء العالم.
سعت الحركة المغربية إلى بناء استقلاليتها التنظيمية والفكرية بعيداً عن الوصاية الحزبية. فبرز داخل الجامعة تيارٌ رأى في الحركة الطلابية قوةً ثوريةً قادرةً على مواجهة النظام السياسي بعيداً عن التأطير الحزبي التقليدي، كما يروي بامو. يقول محمد العمري إنَّ الحركات الطلابية تمنَّت التخلّص من النظام الملكي، إثر تأثّرِها بتجربة معمر القذافي وحركة الضباط الوحدويين الأحرار في ليبيا الذين أطاحوا بالملك إدريس السنوسي في سبتمبر 1969.
واجه النظام المغربي هذه الاحتجاجات والتحركات بعنفٍ، واشتدَّ الصراع داخل الجامعات. وقد بلغ الصراع أوجه سنة 1972 بين المجموعات ذات التوجّه اليساري في المؤتمر الخامس عشر لانتخاب ممثلي الطلبة، وأدى في النهاية إلى حدوث شرخٍ داخل الحركة الطلابية تمهيداً لحظر الاتحاد الوطني لطلبة المغرب في 24 يناير 1973. يرى محمد العمري — الذي كان منتمياً إلى الجبهة الماركسية — حضوره في المؤتمر بمثابة تدريبٍ تَوَّج تجربته النقابية والسياسية، ورسم طريق المستقبل السياسي والنقابي. فقد انخرط في المراحل اللاحقة عضواً في النقابة الوطنية للتعليم، الذي مثَّل النواة الصلبة “للكونفدرالية” الديموقراطية للشغل مع تأسيسها سنة 1978. وهو مركزٌ نقابيٌّ ارتبط بحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية الذي ظهر سنة 1975، بعد انقساماتٍ داخل حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية. عُرف المركز بتوجّهه الاشتراكي، لكن مع الانخراط في الحياة السياسية من داخل مؤسسات الدولة، عكس الحزب الذي انبثق عنه.
وجدت الجامعة المغربية نفسها ميداناً محاصراً أمنياً في تلك السنوات التي أعقبت محاولتَي الانقلاب على الملك الحسن الثاني سنتَي 1971 و1972، لاسيما أنَّها كانت حاضنةً للمعارضة السياسية. فقد أحدثَت محاولة انقلاب الصخيرات في يوليو 1971، ثم محاولة إسقاط الطائرة الملكية في أغسطس 1972، هزةً عميقةً داخل بنية الدولة ودفعتا النظام حينئذٍ إلى إعادة ترتيب أدوات الضبط السياسي والأمني.
يشير الباحث المغربي في مختبر الدراسات الدستورية وتحليل الأزمات والسياسات في جامعة القاضي عياض بمراكش، أحمد الحاقي، إلى مواجهة اليسار المغربي سياسات تضييقٍ ممنهجٍ شملت الاعتقالات والمحاكمات وحظر عددٍ من التنظيمات الطلابية والسياسية، كما حدث مع الاتحاد الوطني لطلبة المغرب. ففي مقالته “الحركة الطلابية المغربية.. التاريخ الثوري والأفق المفتوح” المنشورة سنة 2014، يقول إن هذا التضييق حصل في إطار سياسةٍ هدفت إلى الحدِّ من نفوذ اليسار داخل الجامعة المغربية. فدشَّنت هذه المرحلة ما عُرف لاحقاً بـسنوات الجمر والرصاص، التي أصبح فيها التعامل الأمني مع المعارضة اليسارية والحركة الطلابية جزءاً من خطة الدولة للحفاظ على “الاستقرار السياسي”.
في هذا الجو المحتقِن، حلَّ الكاتب المغربي سعيد بنكراد سنة 1974 في مدينة فاس طالباً جامعياً. فانتسب إلى كلية الآداب التابعة لجامعة سيدي محمد بن عبد الله، وهي ثاني جامعة في المغرب بعد جامعة محمد الخامس. ونتيجة ما يصفه بنكراد “إحساسه بالظلم والتهميش”، انتسب إلى تيارٍ يساريٍّ كان يناضل من أجل الإطاحة بنظام الحكم وإقامة ما أسماه “دولة الفقراء”. في سيرته الذاتية “وتحملني حيرتي وظنوني” الصادرة سنة 2021، يقول بنكراد إن التيار الطلابي لم يكن يناضل فقط من أجل تحسين شروط العيش والدراسة في الجامعة، وإنما أيضاً من أجل العمَّال والفلاحين والمهمَّشين وفئاتٍ أخرى من الشعب “لا موقع لها من الخريطة الإنسانية”. لقد ظلَّت الجامعة، حتى فترة التضييق الأمني عليها، محكومةً بمنطق الصراع الفكري والتنظيمي. فانخرط الطلبة في العمل النضالي بكثافة، وانشغلوا بالنضال السياسي والإضرابات والمظاهرات أكثر من انشغالهم بالتحصيل العلمي أو التكوين الأدبي الخالص. نتيجةً لذلك، اعتُقل سعيد بنكراد ورفاقه وعُذِّب في مخافر الشرطة لما يقارب الأربعين يوماً، قبل نقله إلى سجن عين قادوس في مدينة فاس، وسُرِّحَ بعد عام مؤقتاً، لكنه هرب من المغرب إلى فرنسا التي دخلها بجواز سفرٍ مزوَّر سنة 1981.
تراجعت حدَّة الصراعات الفكرية والسياسية في الجامعة المغربية مع منتصف الثمانينيات. لم يعنِ هذا التراجع اختفاء التوجهات السياسية، بقدر ما عنى تحوّلاً في طبيعة حضورها وتأثيرها داخل الفضاء الجامعي. فقد بدأت تتلاشى تدريجياً مع عمل الدولة المغربية على إضعاف الشُّعب التي كانت علاقتها مباشرة بمناهضة السلطة، وإدخال إصلاحاتٍ لم ينظر إليها كثيرون بعين الرضا.
في هذا الجو، عاد سعيد بنكراد إلى المغرب سنة 1985 — شأنه شأن الكثير من مناضلي اليسار — بعد أن أصدر النظام عفواً عاماً عن كلّ المتابعين في القضايا السياسية. عُيِّن بنكراد أستاذاً بكلية الآداب في جامعة مولاي إسماعيل بمكناس. لم تكن السلطة تحارب خصومها بحرمانهم من العمل في مؤسسات الدولة، فأغلب “أطر اليسار والقياديين الذين شككوا دائماً في شرعية السلطة القائمة يمارسون حياتهم المهنية في الجامعات، وفي إداراتٍ كثيرة”، كما يقول بنكراد في كتابه.
في تلك الفترة، بادرت السلطة إلى خلق الكثير من الجامعات في مدنٍ أخرى غير الرباط وفاس، بهدف القضاء على التجمّعات الطلابية. وقررت أيضاً إلغاء شعبة الفلسفة من هذه الجامعات، في ما يعده بنكراد موقفاً واضحاً وصريحاً من الفكر، ذلك أن الفلسفة “مناهضة للسلطة هي الأخرى”. في المقابل، استحدثت الدولة ما وصفه بنكراد بشُعَبٍ “هجينةٍ لا موقع لها في سوق الشغل ولا تستجيب لأي حاجةٍ علميةٍ أو حضارية”، منها شعبة الدراسات الإسلامية التي أُنشئت سنة 1980 مع وجود كلياتٍ للشريعة كافية لتغطية الشأن الديني وقضاياه، كما يرى بنكراد. يتفق مع بنكراد في موقفه هذا الكاتب المغربي صلاح بوسريف في سيرته الذاتية “بيت الكينونة”، الصادرة سنة 2026، التي استعاد فيها سنوات دراسته بنبرةٍ يطغى عليها الإحباط وخيبة الأمل مما عايشه.
التحق صلاح بوسريف بكلية الآداب والعلوم الإنسانية في الدار البيضاء، إحدى المؤسسات الجامعية التي استُحدثت في الثمانينيات. لم يرقه جوها ولم يقتنع إلا بالقليل من الدروس التي كان يقدِّمها تلك الفترة أساتذة قدِموا من السلك الثانوي لسدِّ الخصاص الذي تعانيه الجامعات المستحدَثة. وكان جلّ هؤلاء الأساتذة يسهبون في الحديث عن تاريخ المادة أكثر من تدريس المادة نفسها، لأنهم بلا تصوّرٍ واضحٍ لما يدرِّسونه، على حدِّ تعبير بوسريف.
يستحضر الكاتب حادثةً دالةً تكشف نظرته النقدية لواقع الجامعة آنذاك، حين قدَّم عرضاً عن “الخلافات النحوية بين مدرستَي الكوفة والبصرة”، ليفاجأ لاحقاً بأستاذ النحو يحوِّل ذلك العرض إلى درسٍ مكتوبٍ وزَّعه على الطلبة دون الإشارة إلى صاحبه. وقد شكَّلت هذه الواقعة لحظةً حاسمةً في علاقة بوسريف بالمؤسسة الجامعية، دفعته إلى الانقطاع عن حضور المحاضرات والاكتفاء بالمطالعة الذاتية والندوات واللقاءات الثقافية.
بقي الحال على ما هو عليه حتى دخول المغرب التسعينيات. تحول النقاش داخل الجامعات تحوّلاً كبيراً، مع تسلّل العنف المفضي إلى الموت إلى أروقتها للمرة الأولى. فقد سقط قتلى في صفوف التنظيمات الطلابية المتنافسة داخل الجامعات، في سياقٍ اتَّسم بتصاعد الاستقطاب الفكري بين الفصائل اليسارية والحركات الإسلامية، التي بدأت تعزز حضورها داخل الحرم الجامعي منذ أواخر الثمانينيات.
تحوَّلت إثر ذلك بعض الجامعات، ولاسيما جامعة ظهر المهراز بمدينة فاس وجامعة محمد الأول بمدينة وجدة، إلى ساحاتٍ لمواجهاتٍ عنيفةٍ بين الفريقيْن أودت بحياة عددٍ من الطلبة. وهي الأحداث التي يقول الصحفي المغربي عماد شقيري إنها “قتلت أية فرصة للتعايش بينهما، بعد أن اتخذ اليساريون قراراً قاطعاً بمحاربة الإسلاميين باعتبارهم دخلاء على الحركة الطلابية”. ففي مقالته “الجامعة المغربية.. سنوات من العنف و’سوء الفهم الكبير'” المنشورة سنة 2014، يشير شقيري إلى أن اليساريين يرون دخول الحركات الإسلامية الجامعة، بالتزامن مع تنامي حدَّة تعاطي الدولة مع التنظيمات اليسارية التي تقود الاتحاد الوطني لطلبة المغرب، “مخططاً مدروساً وتحالفاً بين الإسلاميين والملك الراحل الحسن الثاني”.
على ذلك شهدتْ الجامعة، في بداية الألفية الثالثة، آخر مرحلةٍ كانت فيها فضاءً نابضاً بالحيوية الفكرية والثقافية. يستعيد سعيد بنكراد في سيرته الذاتية وجود حركية تجلَّت في تعدد المبادرات الأكاديمية وتنافس الأساتذة في تأطير النقاشات الفكرية وتنظيم الأنشطة الثقافية. فتأسست تجربة “أربعاءات الأكاديميا” سنة 2004 في كلية الآداب والعلوم الإنسانية في مكناس، لتكون فضاءً للحوار الحر والديمقراطي وتبادل الآراء والأفكار عن قضايا قد تهمّ المجتمع المغربي. يذكر بنكراد أنَّ “أربعاءات الأكاديميا” كانت مجتمعاً مدنياً مصغراً، وانفتحت على أعلامٍ من توجّهاتٍ مختلفة. فاستضافت المفكر المغربي عبد الله العروي، والمفكر المختص في الفلسفة عبد السلام بنعبد العالي، والمفكر الإسلامي فريد الأنصاري. كان رهان القائمين عليها تعلّم كيف يمكن أن تتعايش التيارات المختلفة وتوجِّه طاقتها لخدمة الوطن. لم تنظر الإدارة الجامعية لهذه التجربة بعين الرضا، “وتلك عادة الإدارة في كل المؤسسات الجامعية في بلادنا”، كما يقول بنكراد. فالنشاط الوحيد الذي يميلون إليه هو “ما يقدَّم على شكل فرجة”.
لم تستمر التجربة بسبب مظاهر التفكك والصراعات الداخلية التي تسللت إلى الوسط الجامعي. فقد تراجعت في نظر بنكراد الحدود الفاصلة بين المواقع الفكرية والسياسية، واختلطت الحسابات النقابية والفكرية بالمصالح الشخصية، الأمر الذي أضعف الفعل الثقافي والفكري داخل الجامعة. وفي خضم هذا الوضع، طُرحت مشاريع إصلاح جديدة كان أبرزها اعتماد نظام الإجازة والماجستير والدكتوراه المعروف اختصاراً باسم “إل إم دي” منذ سنة 2003، في مرحلةٍ ارتبطت بتقديم وعودٍ ماديةٍ للأساتذة بالتوازي مع تمرير مشروع الإصلاح.
يرى بنكراد أن هذا التحوّل فتح الباب أمام مسارٍ طويلٍ من الارتباك داخل الجامعة المغربية ما زال مستمراً. فقد تراجعت الدولة عن بعض الاختيارات السابقة، مع العودة إلى نظامٍ قريبٍ من النظام القديم تحت مسمَّى “البكالوريوس” سنة 2020. وهو نظامٌ يقوم على تمديد الدراسة الجامعية الأولى إلى أربع سنوات بدل ثلاث، ويتميَّز بإدراج سنةٍ تأسيسيةٍ في البداية تكون موجَّهةً لتقوية مهارات التواصل واللغات وتوجيه الطالب نحو التخصّص المناسب. ثم تراجعت الدولة عنه مجدداً سنة 2022 وعادت إلى نظام “إل إم دي”، ما يكشف، في نظر بنكراد، عن غياب رؤيةٍ إصلاحيةٍ مستقرة وواضحة.
عاصر سعيد بنكراد محاولات الإصلاح هذه، وخلص إلى أن أزمة الجامعة لم تكن مرتبطةً بالنظام التعليمي وحده، بل بطريقة تطبيقه أيضاً. يؤكد بنكراد أن النظام التعليمي الجديد الذي اعتُمِد وقتها (المعروف باسم “إل إم دي”) فقدَ كثيراً من مضمونه، لأن التغيير ظل في كثيرٍ من الأحيان شكلياً، بينما استمر تدريس المضامين القديمة نفسها دون مراجعة المحتوى الذي يدرَّس أو طرق التدريس. ويشير إلى أن الجامعة تحوَّلت تدريجياً فضاءً يغلب عليه الطابع الإداري والتقني المرتبط بالتسيير (إدارة توجيه الموارد) والوثائق والمساطر (المعاملات القانونية والإدارية)، أكثر مما هو فضاء للتكوين المعرفي والنقاش العلمي. ولعل هذا ما أضعف أثر الإصلاحات التعليمية على مستوى الممارسة اليومية داخل الجامعة.
يتفق مع بنكراد الأستاذ الجامعي بكلية الآداب والعلوم الإنسانية في جامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء محمد معروف، في مقالته “المختصر المفيد في أعطاب نظام “إل إم دي الفريد” المنشورة سنة 2019. يوضّح معروف أن هذا النظام استورِدَ من فرنسا في إطار مواءمة المنظومة التعليمية مع المعايير الدولية، غير أنه يواجه إشكالاتٍ عند تطبيقه داخل الجامعة المغربية. فقد نُقل في كثيرٍ من الأحيان دون تكييفٍ كافٍ مع الخصوصيات الثقافية والمؤسساتية المحلية، ما جعله يعاني من اختلالاتٍ في التطبيق على أرض الواقع.
أول الإشكالات التي ذكرها معروف ضعف التكوين المستمر للأطر الجامعية. يُلاحظ غياب آلياتٍ لتجهيز الأساتذة أو تقييم أدائهم أو تحديث طرق التدريس، ما يجعل بعضهم “لا يحترمون الملفات الوصفية للمواد [. . .] وقد يدرسون ما يعتقدون أنهم يفهمون فيه، ويجتنبون الخوض في مجالات وابتكارات جديدة حفظاً لماء الوجه”. وهذا ما يُظهرُ فجوةً بين التصوّر الأولي لهذا النظام والتطبيق الفعلي.
ثاني الإشكالات، الاكتظاظ داخل الأقسام. فتطبيق مقاربةٍ تعليميةٍ حديثةٍ يصبح صعباً في “أقسامٍ تتجاوز أعدادها مئة وأربعون طالباً”، حسب معروف. يعيق التكدسُ التفاعلَ الفردي ويقلل من فعالية التعلّم، خاصةً في المواد التطبيقية التي تعتمد على إجراء اختباراتٍ وتجارب، كما هو الحال في شعبة الكيمياء.
ومن الإشكالات أيضاً، اختلال تدبير الزمن التعليمي. إذ يفترض، كما يقول معروف، أن يكون النظام ستة عشر أسبوعاً من التدريس داخل الفصل، لكن الواقع يتمثل في “ثمانية إلى عشرة أسابيع في الفصل”، بينما يُستهلك الباقي في الاختبارات والتأجيلات الإدارية، مما يؤدي إلى “هدر الزمن الدراسي”. ويبرز إشكالٌ آخر في ضعف البرمجة وغياب التخطيط المرن. فلا يستطيع الطالب إعادة الوحدة غير المستوفاة في السنة نفسها، بل “عليه الانتظار إلى سنةٍ أخرى”، وفق معروف، ما يكرِّس نوعاً من التعطيل بدل المرونة التي يفترضها النظام في بلد المنشأ فرنسا. يُضاف لكل ذلك حضور منطق التلقين والحفظ الذي يرتكز فيه الأساتذة على نقل المعلومات إلى الطلبة نصاً وحرفاً. ويقيسون نجاح الطالب بمدى القدرة على استرجاع الدروس واستظهارها، دون تحفيز مهارات الفهم أو التفكير النقدي. وفي السياق ذاته، يقول بنكراد: “وسيتم إفراغ هذا النظام من مضمونه لكي يحشوه الأساتذة بمواد قديمةٍ منتهية الصلاحية. ما تغيّر حقاً هو أن الجامعة تحوّلت إلى إعدادية، وأصبح الطلبة يتلقون ربع ما كانوا يتلقونه قديماً”.
يخلص بنكراد في النهاية إلى أن تعثر الإصلاح الجامعي يعود إلى طابعه التقني. فقد استُورِدت نماذج جاهزة دون مراعاة خصوصيات الجامعة المغربية وشروطها الاجتماعية والمعرفية. ويقول إنَّ الإصلاح “عند المسؤولين في بلادنا هو تقنيات وخانات تُملأ في الأوراق، إنها تُستورد كما تُستورد كل البضائع والآلات التي تستعمل في فضاءٍ غريبٍ عن مصدر إنتاجها”. ويضيف بنكراد أن هؤلاء المسؤولين “لا يكترثون للتفاوت الحضاري بين طلبتنا وطلبة فرنسا، ولا يهتمون بما يتطلبه هذا الإصلاح من موارد بشرية ولوجستية. بل وأيضاً كل ما يقتضيه من تغييرٍ لعقلية الأساتذة، فالكثير منهم في حاجة إلى رسكلة، أي إلى إعادة تكوين”.
لتفكيك أعطاب الجامعة، توجَّه الكتَّاب المغاربة إلى الحديث عن طريقة اشتغالها وما يطبعها من ممارساتٍ يوميةٍ وعلاقاتٍ مهنيةٍ داخلها. فتجاوز بعضهم الحديث عن الإصلاحات التي يقرّها المسؤولون إلى الحديث عن تمثلات الفساد داخل الفضاء الجامعي وإلى أعمال الأساتذة داخلها.
لا تتناول السير الذاتية أعلاه، الفساد الجامعي في النصف الثاني من القرن العشرين بالمفهوم المتداول اليوم. فقد انشغل الكتَّاب عن الحديث عن المصلحة، أي منح فرصٍ أو امتيازاتٍ أكاديميةٍ وإداريةٍ على أساس العلاقات الشخصية والولاءات بدل معايير الكفاءة والاستحقاق، أو بيع الشهادات أو الابتزاز الجنسي للطالبات أو تحويل الجامعة إلى مجالٍ لتحقيق المصَالح الشخصية. فركَّزوا حديثهم على وصف الصراع الفكري والنضال السياسي وضعف التكوين أحياناً، والقمع الذي كانت تتعرَّض له الحركة الطلابية.
على ذلك ظلَّت صورة الجامعة مرتبطةً بفكرة المعرفة والالتزام بهموم المجتمع. حتى حين عبَّر بعضهم عن خيبة أملهم من مستوى التدريس أو هشاشة التأطير الأكاديمي، كما هي حالة صلاح بوسريف، إلا أنَّهم لم يقدِّموا الجامعة فضاءً للفساد كما تتداوله اليوم النقاشات الإعلامية والحقوقية. وهذا على عكس ما تظهرها اليوم الفضائح التي ارتبطت بها، على غرار الفضائح التي ذُكرت في مقدِّمة المقالة. في مقالته “الجامعة والفساد”، المنشورة ضمن الكتاب الجماعي “شروخ المعنى، كتابات ضد الفساد” الصادرة سنة 2026، يميِّز أستاذ البلاغة والنقد الأدبي بكلية الآداب في جامعة عبدالمالك السعدي، محمد مشبال، بين نمطَين من الفساد داخل الجامعة المغربية.
يقول مشبال إنَّ النمط الأوَّل فسادٌ صريحٌ يقوم على تحويل المؤسسة الجامعية مجالاً للمتاجرة بالشهادات، عبر قبول طلبةٍ غير مؤهلين في مسالك الماجستير والدكتوراه وتمهيد الطريق أمامهم للحصول على الشهادات والمناصب الجامعية. أما المسار الثاني، فهو فسادٌ خفيٌّ يتجلى في تساهل الأساتذة في أداء الواجب الأكاديمي وضعف تأطيرهم للطلبة وتقييمهم بموضوعية، أحياناً بدافع المجاملة أو تحقيق مكاسب رمزية وشخصية.
يورد مشبال أمثلةً متعددةً لهذا النمط الثاني. ويقول إنَّ بعض الحاصلين على الدكتوراه يُشْرَكون في لجان التدريس والتنسيق داخل الشعب الجامعية لا لكفاءتهم العلمية، وإنما لخدمتهم صورة الأستاذ المنسِّق أو الدعاية له. ويفرض بعض الأساتذة كتَّاباً وشعراء على الطلبة ويكلفونهم ببحوث عن أعمالٍ ضعيفة القيمة الفنية، حسب مشبال الذي يقول: “لكي يرسلوا في النهاية نسخاً من البحوث لأصحاب هذه الأعمال الإبداعية حتى يغدقوا عليهم الشكر وينوهوا بخدمتهم للثقافة العربية ويشيدوا بجرأتهم العلمية التي جعلتهم يهتمون بأدباء أحياء بدل الأموات”. ويشير مشبال إلى أساتذة يكتفون بحضورٍ شكليٍّ داخل الكلية أو بحصةٍ واحدةٍ طيلة الفصل الدراسي، في مقابل انشغالهم بتحقيق مصالحهم الخاصة. ويرى أن اختلاف أشكال الفساد لا يغيِّر من نتائجه، لأن منح الشهادات لغير المستحقين يؤدي إلى إنتاج نخبٍ هشةٍ في مجالات مهمة كالقضاء والتعليم والتشريع، الأمر الذي يظهر سلباً على المجتمع كاملاً.
من نتائج هذه الاختلالات ما أدرجه الكاتب المغربي، ووزير الثقافة في الفترة بين 2009 و2011، بنسالم حِمِّيش في سيرته الذاتية “الذات بين الوجود والإيجاد” الصادرة سنة 2019. اعتبر حِمِّيش أن أزمة الجامعة المغربية وتراجع جودة التعليم فيها أدى إلى منحها شهادات تضاءلت في الغالب قيمتها عبر السنين في سوق التوظيف والشغل. واستشهد حِمِّيش، الذي يعمل أستاذاً بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بشعبة الفلسفة في الرباط، بنتائج استطلاعٍ للمنتدى الاقتصادي العالمي نُشر سنة 2015 عن جودة التعليم احتلَّ فيه المغرب المرتبة مائة وواحد من أصل مائة وأربعين دولة. وأحال الكاتب إلى تقرير للبنك الدولي صدر في أبريل 2017، معتبراً أنه يكشف حجم الفجوة التي تفصل المنظومة التعليمية المغربية عن نظيراتها في الدول المتقدمة. وفي تعليقه على هذه المؤشرات، كتب حِمِّيش أن “المغرب متأخر نصف قرن عن أوروبا، وأن التعليم ذا الجودة المتدنية يحتاج إلى معجزة للنهوض”. واستخلص من ذلك أن واقع الجامعات المغربية يعكس أزمةً تفاقمت عبر عقودٍ من السياسات المتعاقبة.
لا يحصر حِمِّيش المسؤولية في القرارات العمومية وحدها. إذ يوجِّه نقداً أيضاً إلى بعض الأعمال داخل الجامعة، وتحديداً إلى أطر التدريس الذين اعتبرهم “مقصرون متهاونون ومستهينون بقيمة الشهادات التي يمنحونها”. ووصفهم بضعف العطاء في مجال البحث والنشر، وأنهم يتساهلون إلى حدٍّ مقلق مع الطلبة في امتحانات التنقيط والتقييم. ما يؤدي في النهاية إلى تحوّل هؤلاء في مجملهم إلى “طلبة كسالى وانتهازيين وممارسي سلوك التزلف والاستهتار”.
يمكن تفسير هذا التحوّل بغياب الصراع الفكري الذي كان يمثل، في بعض جوانبه، شكلاً من أشكال الرقابة والمحاسبة، كما يرى بنكراد. إذ يقول في كتابِه: “اختفى المناضل والمناضلة، ليحلَّ محلهم المؤثر والمؤثرة”.
يُجمع الكُتّاب المغاربة في سيرهم الذاتية، وما كتبوه عن تجاربهم في المقالات، على أن الجامعة المغربية كانت في العقود التي تلت استقلال المغرب سنة 1956 من أكثر الفضاءات التي ساهمت في تشكّل الوعي السياسي والفكري لجيلٍ واسع من الطلبة. فالذين أطلقوا الشرارات الأولى للفكر الحداثي في المغرب حسب بنكراد “لم يكونوا من العامة، ولم يكونوا سياسيين محترفين، بل أفرزتهم الجامعات والمعاهد”.
ولا تكمن مشكلة الجامعة حالياً في أنها لم تعد مرتبطةً بسوق الشغل، أو في أنها لم تعد تكوِّن موظفين في قطاعات الدولة أو القطاعات الخاصة. بل إن مشكلتها أعمق من ذلك بكثير، فهي “لم تعد تنتج مواطنين”.
