في حوارٍ جرى مع الشاعر الفلسطينيّ الأكبر محمود درويش، لخّص حال القضيّة الفلسطينيّة وقوّة حضورها في الحياة السياسيّة الإقليميّة والدوليّة، قائلاً: لأنّ طرف الصراع فيها هو إسرائيل.
ما قصده درويش أنّ القضايا تكتسب أهميّتها من أهميّة أطرافها ومكانتهم، فإسرائيل صاحبة التحالفات الأقوى وتقدّم نفسها ممثّلةً ليهود العالم، ومكاناً وحيداً لكيانهم السياسيّ، إضافةً إلى انتشار النفوذ الصهيونيّ في شتّى المجالات، وخصوصاً في الولايات المتّحدة ودول الغرب. كلّ ذلك جعلها في وضعٍ يجعل المساس بها مثار اهتمامٍ دوليّ.
بالمقابل، لم يكن الفلسطينيّون الطرف الوحيد في الصراع، فكلّ حربٍ خاضتها إسرائيل كانت فلسطين سببها، والمحيط العربيّ عمقها، والعالم الإسلاميّ حاضنتها الروحيّة والسياسيّة. لهذا نشأت ازدواجيّةٌ ميّزت حضورها وبقاءها كقضيّةٍ تستحيل تصفيتها، وكلّما بدا مشروع حلٍّ ممكناً يتبيّن أنّه قريب من المستحيل، ثمّ يعود ممكناً في ظرفٍ آخر.
ظلّ الصراع محتدماً بين إسرائيل وفلسطين، ومَن وراءهما على مستوى العالم، وأصدق وصفٍ أنتجته هذه الحالة هو أنّه صراعٌ وجوديّ لكلّ طرفٍ من أطرافه.
لقد نشبت حروبٌ عديدة، إن لم تكن القضيّة الفلسطينيّة السبب المباشر لها، كانت عنوانها أو ذريعتها، وكان وجود إسرائيل فيها بأيّ شكلٍ من الأشكال بمنزلة حضورٍ للقضيّة الفلسطينيّة، ومحرّضٍ دائمٍ للعالم على التفكير في إيجاد حلٍّ لها.
على مدى القرنين الماضيين، بقيت القضيّة الفلسطينيّة على أجندة العالم، تسطع تارةً وتخبو تارةً أخرى. ولقد تكرّست أعجب ظاهرة في القرنين إذ يتطابق عنوانها مع مضمونها، كقضيّةٍ تتكرّس وتتقدّم وحلولها تتراجع وتبتعد وهكذا.
“الطّوفان الأقصى” أصل الحرب
الحرب الراهنة، وتكاد تكون الأهمّ في سلسلة الحروب التي وقعت في الشرق الأوسط، اندلعت من فلسطين، ولنؤرّخ لهذا الفصل بزلزال “طوفان الأقصى”، والردّ الإسرائيليّ عليه بـ”السيوف الحديديّة” التي أنتجت حرب الإبادة على غزّة، ثمّ ما لبثت أن امتدّت واتّسعت لتطال إيران، وهو ما جعلها حرباً إقليميّة، وإن لم تكن أُعلنت بهذه التسمية فهي كذلك في الواقع، وإذا ما أُضيف تأثيرها على مستوى العالم فهي كونيّةٌ بامتياز.
في هذه الحرب التي لم تكن قضيّة فلسطين، خصوصاً في الفصل الراهن منها، هدفها المُعلن والمباشر، فإنّ ما تريده إسرائيل منها هو أوّلاً وأساساً تصفية القضيّة الفلسطينيّة، وجعل حلّها بقيام دولتها أمراً مستحيلاً بما تراهن عليه من فرض نفوذها الإقليميّ، وتعميق سيطرتها على أرضها الأساسيّة، أي الضفّة الغربيّة.
في هذا السياق ظهر مصطلحٌ يجري تداوله على وهج النار المشتعلة في المنطقة يقول إنّ الخاسر الأكبر فيها هم الفلسطينيّون، وإنّ دولتهم المنشودة فقدت أرضها، وإنّ شعبها الذي يعدّ ما يربو على خمسة عشر مليوناً داخل الوطن وخارجه، أضحى مرشّحاً للتهجير القسريّ والطوعيّ. من هم خارج فلسطين مصيرهم اللجوء الأبديّ، ومن هم داخلها لا مستقبل سياسيّاً لهم.
يستند أصحاب هذا القول، وجلّهم من العرب، إلى أنّ الحرب الكبرى التي تدور رحاها حاليّاً نقلت الاهتمام الدوليّ من مكانه الفلسطينيّ، إلى مكانٍ آخر، فمن يتذكّر غزّة والضفّة والقدس والدولة؟
تجميد المبادرة الأميركيّة
بينما تتصدّر الحرب على إيران المشهد الدوليّ، تجمّدت المبادرة الأميركيّة من أجل غزّة، وضعفت المتابعة الدوليّة لما تفعل إسرائيل في الضفّة، ولما تفعل في لبنان، وجرى تهويلٌ لجملةٍ وردت على لسان بنيامين نتنياهو قال فيها إنّ لديه حنيناً إلى إسرائيل الكبرى، وجرى التعامل معها كما لو أنّها اقتطاعٌ حتميّ من أراضي الدول العربيّة المجاورة وإخضاعها والتحكّم بمصائر شعوبها من خلال ما يقوله نتنياهو عن هيمنةٍ مطلقةٍ على الشرق الأوسط، ونفوذٍ شاملٍ على مستوى العالم كلّه!
بديهيٌّ أن ينشأ قلقٌ من إمكانيّة حلّ القضيّة الفلسطينيّة بقيام دولة، أو حتّى شبه دولة، إذا ما نُظر للأمر من زاويةٍ إسرائيليّةٍ صرفة، وبديهيٌّ أكثر أن يتراجع الاهتمام بغزّة والضفّة ويتّجه إلى الحرب مع إيران وتداعياتها الإقليميّة والدوليّة. غير أنّ ما يجدر الانتباه إليه هو أنّ الاهتمام بالقضيّة الفلسطينيّة منذ نشأتها كان على الحال ذاته. هو اهتمامٌ يشترك فيه العالم كلّه وينتج فعّاليّاتٍ جدّيةٍ في محاولات الحلّ، ويتراجع مع كلّ حدثٍ أكبر يجري في الشرق الأوسط أو العالم، غير أنّ ما لا يصحّ تجاهله هو ما ثبت فعلاً من عودة الاهتمام بالقضيّة الفلسطينيّة، ما إن تضع أيّ حربٍ أوزارها.
حرب الخليج فعلت ذلك لمن يتذكّر، ولا يوجد ما يمنع من أن يتكرّر الفعل ذاته بعد هذه الحرب، من دون إغفال التقدّم الذي حصل عبر الاعترافات بالدولة والذي أنتجته المملكة العربية السعوديّة وفرنسا، ممثّلتين للعالم كلّه، وجذبتا إليه المؤسِّسةُ الفعليّة لدولة إسرائيل بريطانيا، بينما كانت حرب غزّة وتهديدات إسرائيل بالضمّ والتهجير على أشدّها، من دون التقليل من وزن وجود سبعة ملايين فلسطينيّ على أرض غزّة والضفّة والقدس، يتّحدون بالمطلق في البقاء على أرض الوطن، ويعتنقون بإصرار أقوى من الحسابات الآنيّة حقّهم في تقرير مصيرهم وإقامة دولتهم.
في إسرائيل حيث الخصم الرئيس، وفي العالم من يحترم ذلك ويراه أساساً لاستقرارٍ مفقودٍ لكنّه منشود في الشرق الأوسط والعالم. المعادلة المتكرّسة قبل وبعد أيّ حربٍ في الشرق الأوسط إمّا حلٌّ لأمّ القضايا بقيام دولتها، أو صراعٌ دائمٌ يهدأ تارةً وينفجر دائماً.
اساس ميديا
