التنقيب الدؤوب عن رفات الجنود الإسرائيليّين المفقودين طوال عشرات السنين، وصرف الموارد، وارتياد المخاطر، لتحقيق مبدأ “إكرام الميت” قد لا يوجد بهذه الدرجة من الاهتمام في أيّ بيئة دينيّة أخرى، فما علاقة ذلك بعقيدة مجيء المسيح أو “الماشيّح” المخلّص وفق العقيدة اليهوديّة، علاوة على الدواعي الأمنيّة الاستراتيجيّة؟
قبل أربعين عاماً سقطت طائرة رون آراد Ron Arad فوق صيدا، فوقع في الأسر، وتحوّلت الجهة الآسرة من حركة أمل إلى حركة أمل المؤمنة، ثمّ حاول الهرب من أيدي آسريه، ولقي حتفه، ودُفن في مكان سرّيّ.
من أجل معرفة مصيره، فعلت إسرائيل كلّ ما تستطيع من ترغيب وترهيب. اختطفت أحد قادة حركة أمل المؤمنة مصطفى ديراني بين عامَي 1994 و2004، وعذّبته عذاباً شديداً لاستخراج معلومات عن الطيّار المفقود. لم تملّ إسرائيل من البحث، وبعد انقضاء الحرب السابقة في تشرين الثاني 2024 باتّفاق ملتبس لوقف إطلاق النار، وقبل أشهر قليلة من اشتعال الحرب الأخيرة، خطفت ضابطاً لبنانيّاً متقاعداً هو أحمد شكر بعد استدراجه في عمليّة استخباريّة معقّدة، لاشتباهها بأنّ رون آراد مدفون في مقبرة آل شكر في قرية النبيّ شيت. في خضمّ الحرب بين “الحزب” وإسرائيل منذ مطلع آذار، أقدمت وحدة إسرائيليّة خاصّة على تنفيذ إنزال في النبي شيت، ليل السابع منه، بعد سلسلة غارات جوّية، ووصلت إلى المقبرة، ونبشت قبراً، وأخذت عيّنات منه، من دون جدوى.
قضيّة وطنيّة
كانت عمليّة عالية المخاطر، إذ قامت بعملها الاستقصائيّ وسط زخّات غزيرة من الرصاص المتطاير بعد اكتشاف الجيش اللبنانيّ لعمليّة الإنزال، وخاضت مجاميع من جنود الجيش ومسلّحي “الحزب” وسكّان القرى قتالاً صاخباً ضدّ أشباح الليل، وسقط عشرات الشهداء والجرحى في المعركة. المهمّ أنّ نتنياهو الساعي إلى الأضواء بوصفه البطل الذي حلّ لغز آراد، بعد سنوات طويلة، صرف موارد كبيرة، وخاطر بقوّاته في منطقة عدوّة، وهو ما يثير أسئلة عن المعيار الذي يسمح بسقوط جنود قتلى من أجل العثور على رفات جنديّ توفّي قبل عشرات السنين.
كانت إسرائيل قد استعادت قبل ذلك رُفات ثلاثة جنود سقطوا في معركة السلطان يعقوب في البقاع الغربيّ عام 1982 بعد عقود من مقتلهم، الجنديّين يهودا كاتس Yehuda Katz، وزكريا باوملZachary Baumel عام 2019، أي بعد 37 عاماً، والجنديّ تسفي فيلدمانTzvika Feldman من داخل سوريا بعمليّة خاصّة عام 2025، أي بعد 43 عاماً.
من أشهر القضايا التي عمل عليها الجيش الإسرائيليّ العثور على قبر أحد الجنود القتلى عام 1948، ونجحوا بعد 75 سنة من فقدانه. كانت أرملته التي بلغت 96 سنة تلحّ على العثور على قبره من أجل وضع شاهد عليه، حتّى يخرج من خانة القبر المجهول. عليه، قامت وحدة الأفراد المفقودين IDF Missing Persons Unit بجهود مكثّفة على مدى 10 سنوات. جمعوا أدلّة وقرائن، بما فيها معلومات عن سير المعركة، وعن إخلاء المصابين خلالها، وسجلّات المستشفى، وتحديد الهويّة عن طريق القلادة المعدنيّة التي يحملها كلّ جنديّ، حتّى آثار المقذوفات على أجساد القتلى. أخيراً، تمكّنت هذه الوحدة من تحديد مكان الدفن.
مع تأسيس دولة إسرائيل عام 1948، تبنّى الجيش هذه المبادئ ضمن ما يسمّى (IDF Ethos) أو أخلاقيّات الجيش الإسرائيليّ. تأسّست الحاخاميّة العسكريّة داخل الجيش الإسرائيليّ Military IDF Rabbinate لهذا الغرض جزئيّاً، على يد الحاخام شلومو غورين Shlomo Goren (توفّي عام 1994)، وهو أوّل حاخام للجيش الإسرائيليّ، وقد أكّد في كتابه “Meshiv Milchama” أنّ استعادة جثّة الجنديّ من أرض المعركة واجب دينيّ على الدولة والجيش. طبّق هذه الفتاوى خلال حربَي 1967 و1973 بحثاً عن الجنود المفقودين. يقول: هو عقد أخلاقيّ غير مكتوب بين الدولة والجنديّ. تقول الدولة للجنديّ: سنبذل كلّ جهد لإنقاذك، وإذا قُتلت فسنعيد جثمانك، ولن نتركك خلفنا. وهذا يعزّز استعداد الجنود للقتال. وتعمل الحاخاميّة العسكريّة داخل الجيش على تحديد هويّة القتلى، جمع بقايا الجثث، وتنظيم الدفن وفق الشريعة اليهوديّة.
يخضع المجتمع الإسرائيليّ للتجنيد الإجباريّ، ومعظم العائلات لديها أبناء في الجيش، ولذلك يصبح مصير الجنود قضيّة وطنيّة. يشير الباحث ستيورات كوهين Stuart Cohen في كتابه “إسرائيل وجيشها Israel and Its Army” إلى أنّ لاستعادة الجثث قيمة رمزيّة كبيرة في المجتمع الإسرائيليّ لأنّها تمثّل وفاء الدولة لجنودها. تحوّل مبدأ استعادة الجنود أو رفاتهم في إسرائيل إلى جزء من العقيدة القتاليّة للجيش منذ قيام الدولة عام 1948. يُدرَّس هذا المبدأ في الكليّات العسكريّة، ويُعدّ جزءاً ممّا يسمّى روح الجيش الإسرائيليّ(IDF Spirit/Ruach Tzahal) ، وهذا من شأنه بناء الثقة داخل الجيش، وذلك عندما يعرف الجنديّ أنّ الدولة لن تتخلّى عنه، ورفع الروح القتاليّة، وتعزيز التضامن الوطنيّ. وقد تناول هذه الفكرة الباحث الإسرائيليّ ياغيل ليفي Yagil Levy في كتابه “تراتبيّة الموت في إسرائيل Israel’s Death Hierarchy”.
كانت نقطة التحوّل في التعامل مع الجنود المفقودين في حرب 1973، أو حرب يوم الغفران Yom Kippur War، وذلك مع فقدان عدد من الجنود الإسرائيليّين، وبقيت عائلات كثيرة لا تعرف مصير أبنائها لسنوات. لذا ظهرت مشكلة الجنود المفقودين كقضيّة اجتماعيّة كبيرة، وأدّى ذلك إلى ضغوط شعبيّة على الحكومات الإسرائيليّة المتعاقبة لمعرفة مصير كلّ جنديّ. نشأت حركة عائلات الجنود المفقودين، ونشطت إعلاميّاً وسياسيّاً للضغط على إبرام صفقات تبادل مع المنظّمات الفلسطينيّة و”الحزب”.
أضحى الأسرى الإسرائيليّون، سواء أكانوا أحياء أو أمواتاً، ورقة أمنيّة واستراتيجيّة مهمّة. كانت صفقة شاليط 2011 من أشهر صفقات التبادل حين أطلقت إسرائيل 1,027 أسيراً فلسطينيّاً مقابل جنديّ واحد هو جلعاد شاليط Gilad Shalit، وهي الصفقة التي خرج بموجبها القائد الفلسطينيّ في “حماس” يحيى السنوار (استشهد عام 2024). وكانت الصفقة مؤلمة بمضمونها ومآلاتها، ولذلك جرى تفعيل “توجيه هنّبعلHannibal Directive “، خلال “طوفان الأقصى” 2023 وحرب غزّة لاحقاً، بهدف إجهاض أيّ محاولة جديدة لأسر جنود. وسُمّي الإجراء المذكور بهذا الاسم نسبةً إلى سلوك القائد القرطاجيّ هنّبعل (توفّي عام 182 ق.م) أثناء الحرب البونيقيّة الثانية (218-201 ق.م) مع روما.
كان هنّبعل معروفاً بعدم السماح للعدوّ بالحصول على فرصة الاستفادة من أيّ ضعف أو أسير. واستعمل الإسرائيليّون اسمه مجازياً للإشارة إلى الإجراء الذي يمنع خصوم إسرائيل من أسر أيّ جنديّ حيّ، حتّى لو تطلّب ذلك استخدام قوّة مفرطة، وهو ما يقلّل احتمالات قيام أعداء إسرائيل بمحاولة أسر جنود. واعتمده الجيش الإسرائيليّ عام 1986 بعد تكرار محاولات أسر جنود في لبنان. في عام 2016، امتنع الجيش عن استعماله إلّا في الحالات الطارئة. لكنّ ما هي الأسس العقديّة التي تقف وراء البحث المُضني عن جثث الجنود المفقودين؟
الأساس الدّينيّ للتّنقيب عن الجثث
يستند الحرص الإسرائيليّ على دفن الميت إلى “الهالاخاه”، وهي مجموع القواعد والممارسات التي تطال مختلف مجالات الحياة. مصدر هذه القواعد التوراة، والأكثر من التلمود المتضمّن تعليقات الحاخامات وشروحاتهم على التوراة، لا سيما التلمود البابليّ، أي الذي نشأ خلال مرحلة سبي اليهود بين عامَي 598 و539 ق.م.، وكذلك من الأعراف. تترجم كلمة “الهالاخاه” عادة بالشريعة اليهوديّة، لكنّ المعنى الحرفيّ لها ليس الشريعة بل الطريقة، وهي الطريق الذي يسير عليه المرء، أو ما يوازي المذهب بالمصطلح الإسلاميّ، أي ما يذهب إليه علماء الدين.
من هذه الواجبات فريضة إكرام الميت (كفود هَمِت k’vod ha-met)، وإكرام الميت دفنه، كما هو في الإسلامِ. لا يجوز تأخيره أو إهماله. يتضمّن إكرام الميت أيضا: جمع جميع أجزاء الجثمان، دفنها في قبر معروف، وعدم ترك الميت مفقوداً أو مجهول المصير. يذكر التلمود أنّ احترام الميت قد يعلو على بعض الأحكام الأخرى. والدليل من التوراة ما ورد في سفر التثنية(21: 23) :: “لا تَبِتْ جُثَّتُهُ عَلَى الْخَشَبَةِ، بَلْ تَدْفِنُهُ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ.” ويفهم الحاخامات من هذه العبارة أنّ ترك الجثّة بلا دفن إهانة للميت، ولذلك يجب البحث عنها ودفنها.
ترتبط عادات الدفن عند اليهود بعقيدة الإيمان بمجيء المسيح (الماشيّح) المنتَظَر، بمعنى أنّ الموتى يُبعثون في تلك اللحظة، وهو غير المسيح الذي يؤمن به المسيحيّون مخلّصاً للبشريّة، وغير المسيح، النبيّ عيسى بن مريم عند المسلمين، المبشّر برسالة النبيّ محمّد (صلّى الله عليه وسلّم).
الماشيّح إنسان سماويّ خلقه الإله قبل الدهور، ويبقى في السماء حتّى تحين ساعة إرساله. وهو ملِك من نسل النبيّ داود، يأتي بعد ظهور النبيّ إليا ليعدّل مسار التاريخ اليهوديّ، بل البشريّ، فينهي عذاب اليهود ويأتيهم بالخلاص ويجمع شتات المنفيّين ويعود بهم إلى صهيون ويحطّم أعداء جماعة يسرائيل، ويتّخذ أورشليم (القدس) عاصمة له، ويعيد بناء الهيكل، ويحكم بالشريعتين المكتوبة والشفويّة، ويعيد كلّ مؤسّسات اليهود القديمة، ثمّ يبدأ الفردوس الأرضيّ الذي سيدوم ألف عام. يمكن مراجعة كتاب عبدالوهاب المسيري (توفّي عام 2008) “موسوعة اليهود واليهوديّة والصهيونيّة”. يعتقد اليهود المتشدّدون أنّ دفن الجثّة في “أرض إسرائيل” شرط لضمان بعث اليهوديّ الميت، لأنّ القيامة ستكون فيها، ومن دُفن له الأفضليّة الروحيّة، ومن دُفن خارجها قد يمرّ بمرحلة انتقاليّة رمزيّة (التلمود: Ketubot.111a).
من الواجبات فداء الأسير (Pidyon Shvuyim)، وقد ورد في التلمود أنّ فداء الأسير من أعظم الوصايا في الشريعة. ومع الزمن توسّع تفسير هذا المبدأ ليشمل استعادة الأسرى الأحياء، واستعادة جثث الجنود القتلى. هناك حقّ العائلة في الحداد، ولا يكتمل الحداد الدينيّ في الشريعة اليهوديّة إلّا إذا عُرف مصير الميت، ودُفن في قبر معروف. لهذا بقاء الجنديّ مفقوداً أو مجهول المصير، يترك زوجته في حالة “Agunah أو المعلّقة”.
اساس ميديا
