بغداد- يمثل الكشف عن قيام الحرس الثوري الإيراني بتشكيل خلايا سرية جديدة داخل العراق لتنفيذ هجمات ضد دول خليجية تستضيف قوات أميركية مؤشراً على تحول مهم في طبيعة الاستراتيجية الإيرانية الإقليمية بعد الحرب الأخيرة مع الولايات المتحدة وإسرائيل.
وبينما كانت طهران تعتمد خلال العقدين الماضيين على شبكة واسعة من الفصائل المسلحة الحليفة المنتشرة في العراق ولبنان وسوريا واليمن، تشير المعطيات الجديدة إلى أنها بدأت تتجه نحو نموذج أكثر سرية ومرونة يعتمد على مجموعات صغيرة ترتبط مباشرة بالحرس الثوري وتتحرك خارج الأطر التنظيمية التقليدية.
وبحسب ما نقلته مصادر عراقية متعددة، فإن هذه الخلايا الجديدة تتكون من مقاتلين عراقيين شيعة يتمتعون بتدريب عسكري متقدم، ويعملون ضمن مجموعات محدودة العدد لا تتجاوز عادة عشرة عناصر في كل خلية.
وتقول المصادر إن هذه التشكيلات نفذت بالفعل سلسلة من الهجمات بطائرات مسيرة انطلقت من مناطق صحراوية في جنوب العراق واستهدفت مواقع في الكويت والسعودية والإمارات خلال الأسابيع التي أعقبت اندلاع الحرب بين إيران والولايات المتحدة.
وتكتسب هذه المعلومات أهمية خاصة لأنها تشير إلى أن الحرس الثوري لم يعد يكتفي بالعمل عبر الفصائل المسلحة المعروفة، بل يسعى إلى بناء هياكل موازية تخضع لإشرافه المباشر.
ويعني ذلك عملياً تقليص دور الوسطاء المحليين ومنح القيادة الإيرانية قدرة أكبر على التحكم بالعمليات واتخاذ القرار بعيداً عن الحسابات السياسية التي أصبحت تحكم سلوك بعض الفصائل العراقية.
ويأتي هذا التحول في توقيت حساس بالنسبة لإيران. فالحرب الأخيرة ألحقت أضراراً كبيرة بالبنية العسكرية والاقتصادية لمحور القوى المتحالفة معها في المنطقة.
كما تعرضت شبكات النفوذ الإيرانية لضغوط غير مسبوقة نتيجة الضربات العسكرية والعقوبات الاقتصادية والتغيرات السياسية التي شهدتها عدة دول عربية. وفي ظل هذا الواقع، تبدو طهران بحاجة إلى إعادة صياغة أدواتها الإقليمية بما يضمن استمرار قدرتها على التأثير بأقل تكلفة ممكنة.
ومن هذا المنطلق، يمكن فهم إنشاء الخلايا السرية الجديدة باعتباره جزءاً من عملية إعادة هيكلة شاملة. فالفصائل الكبيرة التي كانت تشكل العمود الفقري للنفوذ الإيراني أصبحت أكثر عرضة للمراقبة والاستهداف، كما أن ارتباطها بالمشهد السياسي المحلي يجعلها أقل قدرة على تنفيذ عمليات عسكرية قد تؤدي إلى أزمات داخلية أو خارجية.
وأما الخلايا الصغيرة، فهي توفر مستوى أعلى من السرية وسهولة الحركة والقدرة على الإنكار في حال الكشف عن أنشطتها.
وتشير المصادر العراقية إلى أن بعض عناصر هذه الخلايا ينتمون أساساً إلى فصائل تعمل ضمن ما يعرف بـ”المقاومة الإسلامية في العراق”، إلا أنهم يعملون خارج التسلسل القيادي التقليدي لتلك الفصائل ويرفعون تقاريرهم مباشرة إلى الحرس الثوري الإيراني.
ويعكس ذلك حرص طهران على الاحتفاظ بقنوات عملياتية مستقلة لا تتأثر بالاعتبارات السياسية أو التنظيمية التي تواجهها الجماعات المسلحة التقليدية.
كما يكشف هذا التطور عن وجود فجوة متزايدة بين المصالح الإيرانية والأولويات التي بدأت تتبناها بعض الفصائل العراقية. فخلال العام الماضي، أبدت عدة جماعات مسلحة نافذة استعدادها لتقليص دورها العسكري والانخراط بصورة أكبر في العملية السياسية العراقية.
وجاء هذا التوجه نتيجة ضغوط أميركية متواصلة، فضلاً عن إدراك متزايد داخل العراق بأن استمرار النشاط المسلح خارج إطار الدولة يهدد الاستقرار الداخلي ويقوض فرص التنمية الاقتصادية.
وقد تعزز هذا المسار بعد إعلان فصائل بارزة نيتها تسليم أسلحتها أو دمجها ضمن مؤسسات الدولة، استجابة للمطالب الحكومية والدولية.
ومن وجهة نظر إيرانية، قد يؤدي هذا التوجه إلى إضعاف إحدى أهم أدوات النفوذ التي بنتها طهران في العراق منذ عام 2003.
ولذلك يبدو أن الحرس الثوري يسعى إلى إنشاء بدائل أكثر التزاماً بأجندته الإقليمية وأقل تأثراً بالتحولات السياسية المحلية.
وتتجاوز أهمية هذه الخلايا حدود العراق لتشمل المشهد الأمني الخليجي بأكمله. فالمعلومات المتداولة تفيد بأن الهجمات التي نُفذت انطلاقاً من الأراضي العراقية استهدفت مواقع في الكويت والسعودية والإمارات، وهي دول تستضيف قوات أميركية أو ترتبط بشراكات أمنية وثيقة مع واشنطن.
ويعني ذلك أن العراق قد يتحول مجدداً إلى منصة تستخدمها أطراف إقليمية لتوجيه رسائل أمنية وسياسية إلى خصومها.
الخلايا الجديدة تتكون من مقاتلين عراقيين شيعة يتمتعون بتدريب عسكري متقدم، ويعملون ضمن مجموعات محدودة العدد لا تتجاوز عادة عشرة عناصر في كل خلية ترتبط مباشرة بالحرس الثوري.
وتحمل هذه التطورات دلالات إضافية في ضوء الاتفاق الأميركي الإيراني الأخير الذي أنهى الحرب بين البلدين. فرغم أن الاتفاق فتح الباب أمام مفاوضات بشأن البرنامج النووي الإيراني وترتيبات أمنية أخرى، فإنه لم يتناول بصورة مباشرة ملف الجماعات المسلحة الحليفة لطهران في المنطقة.
وقد أكد مسؤولون إيرانيون أن دعم ما يسمونه “حركات المقاومة” لا يشكل جزءاً من التفاوض مع الولايات المتحدة، ما يعني أن هذا الملف سيبقى خارج نطاق التسوية الحالية.
ويثير ذلك تساؤلات حول مدى قدرة الاتفاق على تحقيق استقرار طويل الأمد في المنطقة. فحتى إذا نجحت واشنطن وطهران في التوصل إلى تفاهمات بشأن البرنامج النووي والعقوبات الاقتصادية، فإن استمرار النشاط العسكري للشبكات المرتبطة بإيران قد يبقي بؤر التوتر مفتوحة ويهدد أي تقدم سياسي يتم إحرازه.
وفي المقابل، تجد الحكومة العراقية نفسها أمام تحدٍ بالغ التعقيد. فمن جهة، تسعى بغداد إلى تعزيز سيادة الدولة وحصر السلاح بيد المؤسسات الرسمية، ومن جهة أخرى تحاول الحفاظ على علاقات متوازنة مع إيران التي تعد شريكاً مهماً على المستويات السياسية والاقتصادية والأمنية.
ويزداد هذا التحدي صعوبة إذا صحت التقارير التي تتحدث عن وجود مجموعات تعمل خارج الأطر المعروفة وتتحرك بتوجيه مباشر من الحرس الثوري.
كما أن الضغوط الأميركية على العراق مرشحة للتصاعد خلال المرحلة المقبلة. فقد أكدت واشنطن مراراً أنها تتوقع من الحكومة العراقية اتخاذ خطوات حاسمة لتفكيك الجماعات المسلحة المرتبطة بإيران ومنع استخدام الأراضي العراقية لتهديد المصالح الأميركية أو أمن دول المنطقة. ومن المرجح أن يتحول هذا الملف إلى أحد أبرز محاور الحوار بين بغداد والإدارة الأميركية في الأشهر المقبلة.
وأما بالنسبة لدول الخليج، فإن ظهور مثل هذه الخلايا يعيد إلى الواجهة المخاوف من تعرض منشآتها الحيوية أو قواعدها العسكرية لهجمات غير تقليدية تنطلق من دول مجاورة.
وقد دفعت الحرب الأخيرة بالفعل العديد من الدول الخليجية إلى تعزيز إجراءاتها الدفاعية وتطوير قدراتها في مجال التصدي للطائرات المسيرة والصواريخ قصيرة المدى.
وفي السياق الأوسع، يعكس تشكيل الخلايا السرية تحولاً في فلسفة العمل التي يتبناها الحرس الثوري الإيراني. فبدلاً من الاعتماد على تشكيلات كبيرة ذات حضور علني، تتجه طهران نحو بناء شبكات صغيرة ومتخصصة يمكنها تنفيذ عمليات دقيقة مع الحفاظ على مستوى عالٍ من السرية.
ويشبه هذا النموذج إلى حد كبير أساليب العمل التي تعتمدها بعض أجهزة الاستخبارات والتنظيمات غير النظامية في مناطق الصراع المختلفة.
وفي النهاية، فإن الحديث عن تشكيل خلايا سرية في العراق لا يتعلق فقط بعملية أمنية محدودة أو بتكتيك عسكري جديد، بل يعكس محاولة إيرانية لإعادة ترتيب أدوات النفوذ الإقليمي في مرحلة ما بعد الحرب.
وبينما تواجه الفصائل التقليدية ضغوطاً متزايدة وتراجعاً في هامش حركتها، يبدو أن الحرس الثوري يعمل على بناء منظومة أكثر مرونة وأقل ظهوراً للحفاظ على مصالح طهران الاستراتيجية. غير أن نجاح هذه المقاربة سيظل رهناً بقدرة إيران على إدارة التوازنات المعقدة في العراق والمنطقة، وبمدى استعداد الحكومات المعنية للتعامل مع هذا النوع الجديد من التحديات الأمنية.