فيما مضى، كانت الحركات السياسية تسعى لتغيير السلطة أو تحسين شروط العيش. اليوم، نشهد تحول الحركات، التي كانت توصف بأنها ثورية أو مقاومة، إلى تشكيلات تدير الجغرافيا بمنطق العصابات. وظيفتها لم تعد صناعة السياسة، بل إدارة الندرة وابتزاز مجتمعها والمجتمع الدولي أيضًا بالاستقرار في مقابل البقاء. وتاليًا، لم يعد الهدف الذي يحرك نشاط هذه القوى بناء دولة مستقرة ولها مستقبل، بل منع الأعداء من بناء دولتهم. أما النصر السياسي فبات يُقاس بالقدرة على الصمود وسط الحطام، لا بالقدرة على الازدهار.
والحال، تم نزع الحصانة عن الشعوب. والحركات السياسية في العالم الثالث لم تعد تخاطب المواطن، بل باتت معنية فقط بجمهورها وناشطيها. وهي تنقسم إلى فئتين، حتى اللحظة. الفئة الأولى تجهد ما وسعها نحو التحول إلى مندوبين لموظفين ومؤسسات دولية تدير المساعدات، وتجهد في صناعة مجتمعات مغلقة على الواقع ومرتبطة ارتباطًا حاسمًا وشبه كلي بعالم تقني أثيري. وتعتبر أن شرط بقائها محصور ببقاء هذا العالم وازدهاره. والفئة الثانية تعامل النظام العالمي هذا كعدو، وتجهد ما أمكنها لإخفاء شروط عيشها والاختباء عن عينه المراقبة. ولهذا السبب يعاملها النظام العالمي بوصفها فائضة عن الحاجة، ويمكن الاستغناء عنها، هذا إذا كانت مسالمة. ويسهل عليه، أي النظام العالمي، تبرير إبادتها حين تكون مشاكسة.
تجهد الفئة الأولى في جعل السياسة (في العالم الثالث) أوثق ارتباطًا بالوصول إلى الموارد الشحيحة، وتتحول يومًا بعد يوم إلى شبكات ريعية ضيقة، مما يدفع الجمهور العريض نحو اليأس أو الهجرة أو الانكفاء للبحث عن قوت اليوم بعيدًا عن أي طموح جماعي.
فيما تجهد الفئة الثانية لتدمير ما تعتبره الفئة الأولى من مكتسباتها، وضرب البنى الإدارية والآلية خارج الحدود، وتخصيصها المطلق داخل الحدود، إلى حد تمنعها عن كل الناس ما عدا ناشطيها ومناضليها.
السياسة كفعل مستحيل
في عالم بلا مركز، تتحول الحركات السياسية (في إيران ولبنان على سبيل المثال) إلى مجرد عناصر في خوارزمية دولية.
ففي إيران، تنشغل الحركات النضالية والسياسية بإثبات أنها “ليست جثة” عبر المشاغبة الأمنية. أما في لبنان، فتنشغل بالبحث عن نصر معنوي في زواريب ضيقة. وأشباه هذه الحركات وتوائمها في العالم الثالث عمومًا، تحوِّل في متطلباتها السياسية وتعدلها من المساهمة في صناعة المستقبل إلى تأخير الكارثة.
لقد انتهى الزمن الذي كانت فيه المقالة أو المظاهرة تغيِّر مسار التاريخ، لأن مفاتيح التغيير انتقلت من الساحات العامة إلى الأقمار الصناعية وقواعد البيانات الضخمة التي لا تملك الشعوب كلمة مرور إليها.
| التقنيات التي تدير حياتنا في بيروت أو طهران أو القاهرة صُممت في “سيليكون فالي” لحل مشكلات الرفاهية أو تنظيم فائض القيمة، ولم تُصمم لحل مشكلات انقطاع الخبز أو انهيار العملة (سيليكون فالي، Getty) |
هذه السياسات تبدو في منطقتنا بلا أفق، وتكاد تكون نشاطاتها التي تتبعها أكثر الوصفات تحقيقًا لحلول الكارثة. فالتقنيات والآلات التي تدير يومياتنا اليوم، من حواسيب شركات الكهرباء، إلى خزانة الفلسفة والتاريخ والأدب في سحابات غوغل، لا تمانع في تحسين ظروفنا، لأن شرط بقائها وازدهارها متعلق بقدرتها على فعل ذلك. لكن الحركات السياسية لا تنظر إليها من هذه الزاوية، ولا تحاول الإشارة أو العمل على دفع القوى البشرية المتحكمة بهذه الخوارزميات إلى البحث عن حلول لمشكلات تطرأ، بل تحارب هذه القوى كما لو أننا نملك بديلًا عنها.
لكن التقنيات التي تتسيد على عالمنا (المتخلف عن ركب الابتكار) لا تأخذ مشكلاتنا في اعتبارها، لأنها صُنعت وطُوِّرت أصلًا لخدمة مشكلات مجتمعات أكثر تقدمًا، وتعاني من مشكلات أقل خطرًا. لذلك يبدو أننا نسير بخطى حثيثة إلى تحويل القوى السياسية، بما فيها تلك التي تريد تدمير كل شيء، إلى أولياء عهود، أمراء متعالين لا يرون وجودًا لأي مشكلة من المشكلات التي يعاني الناس منها.
لكن المفارقة تكمن في واقع أن الحركات السياسية التقليدية (سواء كانت سلطوية أو معارضة) تتعامل مع هذه التقنيات كعدو أو أداة تجسس فقط، بدلًا من التعامل معها كساحة للصراع المطلبي. إنهم يحاربون المنصة بدلًا من التفاوض على الخوارزمية التي هي من يقرر من يأكل ومن يجوع.
تغريب المشاكل في العالم الثالث
التقنيات التي تدير حياتنا في بيروت أو طهران أو القاهرة صُممت في “سيليكون فالي” لحل مشكلات الرفاهية أو تنظيم فائض القيمة، ولم تُصمم لحل مشكلات انقطاع الخبز أو انهيار العملة. وعندما تُطبق خوارزمية الائتمان أو التوزيع الغربية على مجتمع منهار، فإنها تهمّش تلقائيًا الفئات الأكثر ضعفًا، لأنها ببساطة غير مرئية في قواعد البيانات المصممة لمجتمعات موثقة رقميًا بالكامل. وحركاتنا السياسية لا تحاول أو تطالب بتعريب أو توطين هذه التقنيات، بل تتركها تعمل كقوة قدرية عمياء، بينما تنشغل بصراعات الهوية.
لهذا تمتنع السياسة عن أن تكون تمثيلًا للمصالح، وتتحول إلى إدارة للغياب. والقادة يزدهرون كلما زاد بؤس الناس، لأن البؤس يحول الجماهير إلى قطيع يحتاج للحماية، لا إلى مواطنين يطالبون بحلول تقنية لمشاكلهم.
باختصار، نحن أمام قوى سياسية تملك عقل القرون الوسطى وتستخدم أدوات القرن الحادي والعشرين لقمع شعوب تعيش معاناة القرن التاسع عشر.
حين تُقصف شبكة لتحلية المياه في البحرين، أو مرفأ في دبي أو الدوحة، فإنك تعلن بوضوح إنك تريد معاقبة شعب البحرين أو قطر أو الإمارات، وتعريضهم لما يتعرض له الشعب الإيراني جراء الغارات. وهذا استسهال فظيع لمعنى العمل السياسي والنضالي اليوم. فشبكة تحلية المياه أو محطة إنتاج الطاقة ليست جزءًا من مجوهرات التاج البحريني أو القطري، إنها وسيلة للبقاء، في عالم بات البقاء فيه يشترط وجود أدوات وآلات تعين الناس على البقاء. واستمرارها بالعمل يجعلها أكثر كفاءة في معالجة مشكلات قد تطرأ في إيران أو أفغانستان. وبالتالي فإن قصفها وتعطيلها هو اعتداء على مستقبل كل هذه الشعوب، وليس على مستقبل الشعب الذي تقع هذه المؤسسات ضمن نطاق دولته التي يعيش فيها.
والحال، أصبحت المعادلة القاسية تتشكل على النحو التالي: تعطيل غوغل أو أمازون هو كارثة للبشرية جمعاء، أما إبادة مدينة في إيران فهي كارثة محدودة. وهذا التحول في معنى وهوية من يجب أن يبقى ومن يعتبر بقاؤه غير ضروري، ينذر بانحدار قيمة الإنسان إلى أسوأ درك عرفه التاريخ.
إذا كان ثمة مهمة يجدر بالمثقف أو المهتم بالشأن العام اليوم الانخراط فيها، فربما يمكن تعريفها بما يلي: إعادة صناعة قيمة للإنسان تجعل وجوده ضروريًا وتجبر المؤسسات على التفكير في خدمته ومراعاة مصالحه والمحافظة على سلامته. هذا يشترط أولًا وأساسًا إقلاع القوى السياسية والأحزاب نهائيًا عن الظن أنه من حقها أن تقدم قرابين بشرية لخدمة أفكارها. وتاليًا، علينا أن نحسم الجدل المرهق فيما يخص الحياة البشرية. كل مقتول هو خسارة لمستقبل البشرية، وليس قربانًا لحماية الأحياء من مخاطر المستقبل.