
كاتب وسياسي… الثورة السورية دمشق
قبل أن نناقش الخيار الأوحد وليس الوحيد لمستقبل سوريا، لا بدّ من توضيح نقطة على غاية من الأهمية تتعلق بموقفي في حق الإسلاميين بأخذ فرصتهم بالسلطة. موقفي هذا قديم يعرفه كل من يعرفني ويقرأ لي، لكن المقصود في الحقيقة حقهم في ذلك، عبر صناديق الاقتراع، كما حدث في مصر في أول انتخابات رئاسية بعد ثورة يناير (كانون الثاني) 2011، وتركيا مع حزب العدالة والتنمية.
حتى في الجزائر، كنت ضد موقف العسكر في الانقلاب على نتائج الانتخابات في 11 كانون الثاني 1992، حيث فازت جبهة الإنقاذ الإسلامية في الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الجزائرية 1991. أدخل العسكر البلاد في حالة حرب أهلية سميت “العشرية السوداء”.
بالمناسبة كان الانقلاب بدعم فرنسي ورفض أميركي، كما أنه من المعروف أن الناطق باسم جبهة الإنقاذ أنور هدام كان موجوداً في أميركا، وتم اعتقاله بعد ذلك عام 1996 بعدما انتصر الانقلابيون، وأفرج عنه، وبقي لاجئاً سياسياً في أميركا وعاد للجزائر عام 2025.
من الأهمية بمكان الاطلاع على تفاصيل التجربة الجزائرية، وهذا التوضيح يلزمه توضيح آخر، هو أنني مع حقهم في أخذ فرصتهم ديمقراطياً، لكنني ديمقراطياً أيضاً، سأمارس حقي ضدهم، لأسباب كثيرة، لكن أهمها، موقفهم من حقوق الأفراد الفردية، ومحاولتهم التدخل فيها، بحجج دينية.
الآن لدينا في سوريا هيئة تحرير الشام وكتلتها الأساسية حاكمة، ومعها مجاميع إسلامية متعددة ومتنوعة، من تيارات وأفرادٍ. رغم ذلك، لا يزالون في حالة ما أسميته “إعادة إنتاج السلطة”، التي تشكل بالنسبة لهم العنوان الأساسي الموحد لهم على الأقل علانية.
في كتلة هيئة تحرير الشام، أجد أن من عماد هذه الكتلة هم خمسة: الرئيس الشرع ووزراء الداخلية والخارجية والدفاع والعدل، وهؤلاء، كما ذكرت منذ اليوم الأول للتحرير، حرروا البلد من الأسدية، بحمولة دولية واضحة عموماً وأميركية خصوصاً.
وأهم مؤشر على ذلك: أن هذه الحمولة أعادت سوريا دولياً وإقليمياً إلى دولة طبيعية، لها حضورها في كل المحافل المتعلقة بالمنطقة على الأقل، وأزيلت عنها كافة العقوبات.
أميركا وبعض الحلفاء مهدوا الطريق أمامهم تماماً، وآخر العقوبات التي رفعت هي التي تم الإعلان عنها من قبل الرئيس ترامب قبل أيام، في لقائه مع الرئيس الشرع في أنقرة، طبعاً هذا كان له مقابل في العمل من قبل هذه الكتلة، واستجابة لتحديات المرحلة خارجياً وداخلياً، اعتراها حدث سيئ وكارثي كان في السويداء.
الجيد أن السلطة اعترفت بذلك، واعتبرت ما جرى فخاً، كنت كتبت مادة عن هذا الموضوع بعنوان:” الفخ الذي وقع فيه الشعب السوري بالسويداء” ونشر في هذه الجريدة. السؤال الذي يطرح نفسه الآن: هل يتم وفقاً لعنوان المرحلة، إعادة إنتاج سلطة إسلامية؟ أم أننا أمام وضع هجين؟
أيها السادة: المجتمع الدولي وعلى رأسه أميركا، مهدت وتمهد الطريق لكم لإعادة إنتاج السلطة في سوريا موحدة، هل هذا الأمر يجري بسلاسة؟ بالطبع لا.
هنالك عوائق وممانعات داخلية وخارجية، من الملاحظ أن السلطة تتعلم بسرعة، وتتفاعل بسرعة مع مطالب وشكاوى السوريين منذ عام تقريباً. لكن ما نرمي إليه هنا، هو طبيعة السلطة والنظام السياسي الذي يراد بناؤه كمستقبل لسوريا.. سوريا لكل مواطنيها.
هل نحن في سياق إنتاج دولة قانون وحريات ومساواة، وستكون حقوق السوريين العامة والفردية مصونة؟ الممارسة الفعلية على الأرض هي التي تحدد شكل الإجابة على هذه الأسئلة بالنسبة لي.
الحرية والكرامة التي انطلقت من أجلها الثورة السورية في آذار 2011، هي الوحيدة التي يمكن أن تدخلكم جنة الأرض والتاريخ أيضاً. فهل ستكتبون تاريخاً ديمقراطياً للبلد؟ أم ستكتبون تاريخاً ديكتاتورياً، كما تشير مؤشرات ليست قليلة؟! أهمها التعامل مع القواعد الدستورية، وما تعنيه قانونياً وفقاً لتجارب البشرية المعاصرة.
هذه الانتصارات على مستوى الخارج، لا يمكن أن تستمر دون تحصين داخلي واضح. ما أعرفه من خلال خبرتي المتواضعة، أن الدول وأميركا على رأسها، لا تهتم كثيراً بترسيخ الديمقراطية في بلداننا. لكنها أيضاً تبقي هذا الأمر قيد الاستخدام، والاستخدام المضاد في اللحظة التي تراها مناسبة.
كمثال: الآن لدينا ملفا الانتهاكات التي حدثت في السويداء والساحل. لا نعرف بالضبط متى تخرج أميركا هذين الملفين إلى حيز التداول الضاغط على السلطة والبلد معاً؟ لهذا، النظام ليس الوحيد بل الأوحد، هو النظام الديمقراطي مع لامركزية واضحة. دستور معاصر يتناسب مع تفاصيل التعدد السوري.
كي لا نبقى ندور في الفلك النظري، أي نظام ديمقراطي سيتم العمل عليه وتكريسه، سينتخب هذه السلطة على الأقل لدورتين انتخابيتين، خاصة إذا بدأ المواطن السوري يشعر أكثر فأكثر بتحسن وضعه الاقتصادي، فلماذا الخوف من تأسيس مثل هذا النظام؟
هذا هو الخيار الأوحد أمام السلطة، من دونه سنبقى ندور في حلقة مفرغة من الصراعات الداخلية، والأخطر فيها، هي التي تكون خارج القانون، والتي تسمح لدول عدوة باستخدامه، واستخدام سوريين له أيضاً، وهي التي تشكل خطراً على السلم الأهلي.
يجب إخراج كل التفاصيل السورية للتداول في حقل الاستثمار الديمقراطي. من مشكلة الكهرباء حتى الرقابة على الرئيس ووزرائه، في ظلّ حرية إعلام ووصول للمعلومات، بهذا فقط تدخلون جنة سوريا والتاريخ، لأنكم تنصفون السوريين وتضحياتهم. نعم أيها السادة النظام الديمقراطي هو الحل الأوحد، بهذا تحصنون البلد. اللهم إني بلغت..