عن الشعب السوري الواحد

باحث في الفكر السياسي… الثورة السورية.. دمشق
هذا مقال مشترك لحمزة رستناوي وبشار عبود من أعمال المدرسة النقدية الحيوية
تمرّ سوريا اليوم بلحظة نادرة في تاريخها الحديث، لا تقتصر على تغيير سلطة النظام الأسدي البائد، بل تمثل مواجهةً مع قرن كامل من الأسئلة المؤجلة. فكل مقبرة جماعية تُكتشف، وكل سجن يُفتح، وكل وثيقة تخرج إلى العلن، لا تكشف فقط حجم الجرائم التي ارتُكبت بحق السوريين طوال أكثر من نصف قرن، بل تعيد طرح السؤال المؤجل منذ تأسيس الدولة السورية حول ماهية الدولة السورية ومن يكون الشعب السوري؟
قد يبدو الحديث عن “بناء الشعب” مستغرباً للوهلة الأولى، إذ يفترض الخطاب السياسي التقليدي أن الشعب كيان جاهز سابق على الدولة، وأن مهمة الدولة تقتصر على تمثيله وإدارة شؤونه.
غير أن التجربة التاريخية للدول الحديثة تكشف مساراً أكثر تعقيداً، فالشعوب، بمعناها السياسي، لا تولد مكتملة، ولا تتشكل بمجرد العيش داخل حدود جغرافية واحدة، وإنما هي ثمرة عملية تاريخية وسياسية وإدارية وثقافية طويلة، تؤدي فيها الدولة دوراً حاسماً في تحويل جماعات متفرقة، تختلف في هوياتها الفرعية وانتماءاتها الدينية والإثنية، إلى شعب يتشارك هوية وطنية ومصيراً سياسياً واحداً.
وتزداد أهمية هذا السؤال في الحالة السورية، لأن النظام الذي حكم البلاد لعقود لم ينظر إلى سوريا باعتبارها دولة وطنية مكتملة، بقدر ما تعامل معها بوصفها قاعدة لمشروع سياسي وإقليمي أوسع.
يروي وليد جنبلاط ، في شهادته لبرنامج “شاهد على العصر”، أن حافظ الأسد لم يكن يعترف بلبنان دولةً ذات سيادة، ولا بفلسطين إلا باعتبارها جزءاً مما كان يسميه “سوريا الجنوبية”.
وتكشف هذه الرؤية أن المشروع الأسدي لم يكن معنياً ببناء هوية وطنية سورية جامعة بقدر ما كان منشغلاً بتوظيف الدولة لخدمة تصوراته الإقليمية والقومية كمشاريع لترسيخ سلطته، وهو ما أسهم في إضعاف فكرة المواطنة وإبقاء المجتمع السوري منقسماً وعاجزاً عن التحول إلى شعب سياسي موحد.
تطرح مقولة/ شعار “الشعب السوري واحد” لقضية مهمة، تتمثل في التساؤل عن معيار “الشعب السوري” المقصود في الشعار، وما المعايير التي تجعل منه شعباً واحداً؟. إن المسائل المطروحة هنا ذات طبيعة اختصاصية وإشكالية، وهي موضع خلاف ونقاش في علم السياسة وعلم الاجتماع السياسي، ولا يوجد بشأنها اتفاق نظري حاسم.
إنّ استعمال كلمة “شعوب” داخل الدولة الواحدة يحمل دلالة سياسية ونظرية محل خلاف في الأدبيات السياسية. وهنا يمكن التمييز بين التوصيف السياسي للشعب (جماعة الأفراد الذين يحملون جنسية الدولة ويخضعون لسلطتها القانونية بغض النظر عن انتماءاتهم العرقية أو الدينية).
وبين التوصيف الاجتماعي-الثقافي للشعب (جماعة الأفراد الذين يجمعهم هوية ثقافية خاصة بما يشمل من رموز ولغات ولهجات وسرديات وعادات مميزة، ودرجة قوية من الانتماء والتعاضد الداخلي الوجداني في مواجهة الجماعات الأخرى، وقد يتواجدون داخل أو خارج حدود دولة واحدة).
إنّ الشعب ليس كياناً ثابتاً، بل هو صيرورة حركية متغيرة، مؤثرة ومتأثرة بمحيطها السياسي والاجتماعي. فالشعب، مثلاً، هو أحد أسس تعريف الدولة الحديثة، ولكن الكثير من الشعوب والدول حالياً تشكّلت وتغيرت بواسطة سياسات ونظم حكم وأيديولوجيات السلطة المركزية نفسها.
بالمعنى السابق، يمكن الحديث عن شعب سوري يتشكل من أقوام مختلفة ذات هويات دينية، طائفية، وقومية متنوعة. وبالتالي، فالشعب السوري خلال الثورة السورية وقبلها وبعدها لم يُبدِ فقط انقساماً سياسياً ومناطقياً واقتصادياً كأي شعب آخر، بل أبدى انقساماً هوياتياً واضحاً بوصفه جماعات متنافسة ومتصارعة، مختلفة في انحيازاتها السياسية ونظرتها إلى نفسها وإلى الآخرين.
إنّ التنوع الديني والمذهبي والقومي والثقافي الذي تتميز به سوريا ليس استثناء، ولا يتعارض مع وجود شعب واحد، فقد نجحت دول حديثة عديدة، في بناء أمة سياسية رغم تعدد مكوناتها التاريخية والمجتمعية.
ومن منظور المدرسة النقدية الحيوية، لا يُنظر إلى أي كيان اجتماعي بوصفه جوهراً ثابتاً أو حقيقة مكتملة، بل باعتباره عملية تشكّل وصيرورة مستمرة تتأثر بالزمان والمكان والثقافة والدين والاقتصاد والسياسة، وتؤثر فيها في الوقت ذاته. وإذا كان هذا ينطبق على الإنسان، فإنه ينطبق كذلك على الشعوب. فالشعب ليس معطىً أزلياً، وإنما بناء تاريخي وسياسي يتكوّن عبر الزمن، ويتطور بتطور مؤسسات الدولة والثقافة العامة والعلاقات الاجتماعية.
وانطلاقاً من ذلك، فإن السؤال الذي ينبغي أن يشغل السوريين اليوم ليس إن كان يوجد شعب سوري واحد، بل كيف يمكن بناء شعب سوري جامع، في هذه المرحلة الحرجة، على أساس وحدة وطنية مستدامة؟
في سياق كهذا، تبرز السياسة بوصفها الأداة المركزية لبناء الشعب، فالدولة الحديثة لا تقتصر وظيفتها على إدارة الأمن والاقتصاد، وإنما في صناعة المجال العام الذي يتعلم فيه الأفراد النظر إلى أنفسهم بوصفهم مواطنين يتشاركون مصيراً واحداً. وما المدرسة، والقضاء، والإدارة العامة، والإعلام، والرموز الوطنية، سوى أدوات لبناء هذا الوعي الوطني المشترك.
لكن هل يمكن لهذا البناء أن يتحقق عبر فرض هوية أحادية، أو من خلال إنكار الخصوصيات؟ تشير تجارب الدول إلى أن هذا البناء لا يتحقق بفرض هوية أحادية أو بإنكار الخصوصيات الدينية والثقافية والمحلية، بل عبر إيجاد هوية وطنية جامعة تستوعب التنوع وتحوله إلى مصدر قوة.
فالهوية الوطنية الناجحة لا تلغي الانتماءات الفرعية، وإنما تدمجها في إطار سردي وطني احتوائي وإطار سياسي تشاركي.
وفي الحالة السورية، قد يشكل الفضاء العربي والإسلامي رصيداً حضارياً وثقافياً مهماً في بناء الهوية الوطنية، لأنه يمثل الإطار التاريخي الذي تشكلت داخله الدولة والمجتمع عبر قرون. غير أن هذا الرصيد لا ينبغي أن يتحول إلى معيار للمواطنة أو أداة لإقصاء أي مجتمعات دينية أو قومية أو ثقافية.
إن أخطر ما يمكن أن تواجهه سوريا الجديدة هو استبدال الانقسام القديم الذي عمل على ترسيخه النظام الأسدي، بانقسام آخر يحوّل الأكثرية العددية إلى أكثرية سياسية مُغلقة. فبناء الشعب لا يكون بالغلبة، بل بالثقة، وهذه الأخيرة لا تنشأ من الخطابات وحدها، بل من عدالة القانون، واستقلال القضاء، وحياد مؤسسات الدولة، والمساواة بين المواطنين.