في منشور لافت على منصة إكس، جدّد أنور قرقاش، المستشار الدبلوماسي لرئيس دولة الإمارات، تأكيده على أن الحل السياسي والمسار التفاوضي هما السبيل الأمثل لإدارة العلاقات العربية الإيرانية، مشدداً على أن هذه العلاقات لا يمكن أن تُبنى على الصراعات والمواجهات، بل على الحوار الذي يراعي الروابط الجغرافية والتاريخية المتجذرة بين شعوب المنطقة. يكتسب هذا التصريح قيمة مضاعفة، ليس فقط لأنه يعبّر عن موقف إماراتي محدد، بل لأنه يقدّم نموذجاً عربياً مختلفاً في مقاربة الأزمات. فبينما اعتادت المنطقة أن تُدار عبر منطق المواجهة وردود الأفعال العسكرية، يطرح هذا الموقف رؤية تقوم على الدبلوماسية الوقائية، أي السعي إلى تجنّب الحرب قبل وقوعها، عبر بناء مسارات تفاوضية تتيح تحويل التوترات إلى فرص للتفاهم. هذه الرؤية ليست مثالية أو حالمة، بل واقعية في ظل التوازنات الجديدة التي تفرضها التحولات الدولية، حيث لم يعد الخليج مجرد ساحة صراع، بل أصبح محوراً للتعاون الدولي، ومسرحاً لتقاطعات القوى الكبرى، كما أشار قرقاش إلى زيارة الرئيس الأميركي إلى الصين وما قد تحمله من تأثيرات على المسار الإقليمي.
إن التأكيد على أن العلاقات العربية الإيرانية لا يمكن أن تُبنى على الصراعات يعكس إدراكاً عميقاً بأن الجغرافيا والتاريخ يفرضان منطقاً مختلفاً. فشعوب المنطقة تتشارك روابط متجذرة، ولا يمكن أن تستمر في دفع أثمان المواجهات المتكررة التي تستنزف الموارد وتؤخر التنمية. الإمارات، من خلال هذا الخطاب، تضع نفسها في موقع من يسعى إلى إعادة تعريف العلاقة مع إيران، ليس عبر التنازل عن السيادة أو التغاضي عن التهديدات، بل عبر الإصرار على أن الدفاع عن الوطن واجب مقدس، وفي الوقت نفسه أن تغليب الحلول السياسية هو السبيل لتحقيق السلام والاستقرار والازدهار. هذا التوازن بين القوة والاعتدال هو ما يمنح الموقف الإماراتي مصداقية، ويجعله جديراً بالاهتمام من صناع الرأي في المنطقة وخارجها.
هذه الرؤية تستحق أن تُقرأ بعمق لأنها تقدم نموذجاً مختلفاً في مقاربة الأزمات يقوم على التوازن بين الدفاع والسياسة وعلى السعي إلى تجنّب الحرب قبل وقوعها
من زاوية أوسع، يمكن قراءة هذا الموقف في سياق التحولات العالمية. فالعالم يشهد إعادة رسم لمعادلات القوة، مع صعود الصين كلاعب دولي مؤثر، وتراجع الأحادية الأميركية، وتزايد الحاجة إلى مقاربات متعددة الأطراف. في هذا السياق، يصبح منطق الحوار أكثر إلحاحاً، لأن البديل هو الانزلاق إلى صراعات لا يمكن لأي طرف أن يخرج منها منتصراً بشكل كامل. الإمارات، عبر تمسكها بالمسار التفاوضي، تقدم نموذجاً لدولة صغيرة نسبياً من حيث الحجم، لكنها كبيرة من حيث المكانة والتأثير، لأنها تدرك أن القوة الناعمة والدبلوماسية الوقائية يمكن أن تكون أدوات فعالة لحماية المصالح الوطنية وتعزيز الاستقرار الإقليمي. هذا النموذج يختلف عن المقاربات التقليدية التي ترى في القوة العسكرية الحل الوحيد، ويعكس وعياً بأن التنمية والازدهار لا يمكن أن يتحققا في ظل أجواء المواجهة المستمرة.
إن ما يميز هذا الخطاب أيضاً هو أنه لا يكتفي بالدعوة إلى الحوار، بل يربطه بمفهوم السيادة والدفاع الوطني. فقرقاش يؤكد أن الإمارات ستحمي سيادتها بقوة وكفاءة وثبات، لكنه في الوقت نفسه يشدد على أن الأولوية ستبقى للحلول السياسية. هذا الربط بين الدفاع والسياسة يعكس إدراكاً بأن الأمن لا يمكن أن يكون عسكرياً فقط، بل يجب أن يكون شاملاً، يشمل البعد السياسي والاقتصادي والاجتماعي. وهو ما يجعل من هذا الموقف رسالة مزدوجة: رسالة طمأنة للداخل بأن السيادة مصونة، ورسالة انفتاح للخارج بأن الإمارات مستعدة للحوار والتفاوض. هذه الرسالة المزدوجة هي ما تحتاجه المنطقة اليوم، لأنها تتيح بناء جسور مع الأطراف المختلفة، دون أن تُفهم على أنها ضعف أو تنازل.
من منظور صناع الرأي، يمكن النظر إلى هذا الموقف باعتباره دعوة إلى إعادة التفكير في مفهوم الأمن الإقليمي. فبدلاً من أن يُعرّف الأمن على أنه غياب التهديد العسكري فقط، يمكن أن يُعرّف على أنه القدرة على بناء علاقات مستقرة قائمة على الحوار والمصالح المشتركة. هذا التعريف الجديد للأمن يتطلب شجاعة سياسية، لأن الحوار مع الخصوم ليس سهلاً، لكنه في النهاية أكثر جدوى من الاستمرار في دوامة المواجهات. الإمارات، عبر هذا الخطاب، تقدم نفسها كدولة مستعدة لتحمل هذه الشجاعة، وهو ما يجعل من موقفها نموذجاً يمكن أن يُحتذى به في المنطقة.
الجغرافيا والتاريخ يفرضان منطقاً مختلفاً فشعوب المنطقة تتشارك روابط متجذرة ولا يمكن أن تستمر في دفع أثمان المواجهات المتكررة التي تستنزف الموارد وتؤخر التنمية
كما أن هذا الموقف يفتح الباب أمام التفكير في دور الخليج في النظام الدولي الجديد. فبدلاً من أن يكون الخليج مجرد ساحة لتنافس القوى الكبرى، يمكن أن يكون منصة للتعاون الدولي، إذا ما تبنت دوله مقاربات تقوم على الحوار والتفاوض. الإمارات، عبر تمسكها بالحل السياسي، تقدم إشارة إلى أن هذا التحول ممكن، وأنه ليس مجرد شعار، بل خيار استراتيجي. وهذا الخيار يمكن أن يكون له تأثيرات بعيدة المدى، لأنه يتيح للمنطقة أن تتحول من ساحة صراع إلى فضاء استقرار وازدهار، وهو ما تحتاجه شعوبها التي دفعت أثماناً باهظة للصراعات المتكررة.
في النهاية، يمكن القول إن تصريح أنور قرقاش يعكس رؤية إماراتية تقوم على الدبلوماسية الوقائية كخيار استراتيجي. هذه الرؤية هي جزء من سياسة إماراتية أوسع تسعى إلى تجنّب الحرب قبل وقوعها، عبر بناء مسارات تفاوضية تتيح تحويل التوترات إلى فرص للتفاهم. وهي رؤية تستحق أن تُقرأ بعمق من قبل صناع الرأي، لأنها تقدم نموذجاً مختلفاً في مقاربة الأزمات، نموذجاً يقوم على التوازن بين الدفاع والسياسة، بين القوة والاعتدال، بين السيادة والانفتاح. هذا النموذج يمكن أن يكون أساساً لبناء علاقات عربية إيرانية جديدة، قائمة على الحوار لا المواجهة، وعلى المصالح المشتركة لا التوترات. وهو ما يجعل من الموقف الإماراتي رسالة إيجابية في لحظة إقليمية ودولية تحتاج إلى مثل هذه الرسائل، لتجنب الانزلاق إلى صراعات جديدة، ولإعطاء شعوب المنطقة فرصة للعيش في سلام واستقرار وازدهار.