بعد شهر على اقتحام المقهى من قبل «ناشط ثوري» كان يُسجّل مقطعاً مصوَّراً تشهيرياً بحق الزبائن والمكان نفسه، أعلنت «كافيه 24» في حمص إغلاق أبوابها فجأة ودون تفسير. الشاب الحمصي الذي أراد فضح «المفطرين»، وكذلك أصحاب المقهى بسبب استمرار تقديم خدماته في رمضان الماضي، تستّرَ بذريعة «تطبيق القانون»، ما أطلق ترنداً جديداً في بلد باتت فيه منصات التواصل الاجتماعي ساحة اشتباك سياسي أكثر منها مساحة للحوار. وهكذا بدت عصا السيلفي أعلى شأناً من ميزان القضاء، وصوت الفرد العالي بديلاً عن حكم القانون، في مشهد يختلط فيه التشهير بالمحاسبة وتختلطُ الدعوة بممارسة السلطة.

ما حصل لم يكن معزولاً، بل حلقة أخرى من سلسلة الأحداث التي بدأت مع سقوط نظام الأسد. الفراغ الذي خلّفه سقوط النظام، فتح المجال أمام أفراد وجماعات للتحرُّك والنشاط دون رقيب، خاصة في الفترة الأولى، والأمثلة كثيرة: تجوال سيارة دعوة في منطقة مسيحية لمرّات عدّة، خلاف سلفي صوفي على إدارة مساجد هنا وهناك، ظهور شبّان ملتحين صغار السن في مقابلات مخاطبين المسلمين للالتزام بشعائر الدين. مؤخراً تنظّمت «الهبّة السلفية» وازدادت مظاهرها الجماعية، وأهمها الطابور الطويل من الشبان رافعي السبابة والمكبّرين بانتظار الحصول على كتب «ابن تيمية»، وحملات توزيع النقاب على النساء من قبل حملة الشيخ الذهبي، والدعوات الإعلامية المتزايدة لحضور دروس شرعية في مساجد مُحدّدة على يد مشايخ سلفيين معروفين.

بدت هذه الحالة كتحصيل حاصل في سياق التحوّل الذي أعقب سقوط النظام، وتسلّم السلطة من قبل جماعة جديدة ذات خلفية جهادية، وبدا كلُّ ذلك مفهوماً في ظلِّ صراع سياسي أخذ شكلاً دينياً في أحد أبعاده طوال 14 عاماً من الثورة.

صعود الدُّعاة الجُدد 

لكن بمرور الوقت، بدا الأمر أشدَّ ارتباطاً ببُنى اجتماعية وثقافية ودينية بدأ بعض نجومها بالصعود إلى السطح بعد انكماش كبير طيلة حكم الأسدين. خلال السنة الماضية، برزت فئة من الفاعلين الدينيين الشباب، بملامح مُتشابهة شكلاً وخطاباً وأسلوباً، تعاملت مع لحظة 8 كانون الأول (ديسمبر) باعتبارها أكثر من إنجاز عسكري، وقدمتها باعتبارها أشبه بـ«الفتح الإسلامي للبلاد». الترويج لنصرٍ إلهيٍّ تعدَّى كونه مجازاً عاطفياً، إذ انطلق هؤلاء الدعاة المؤثرون بمسار دعوة «مُحدَّث» يُعيد تعريف الناس بالإسلام، ويرسم شكلاً أُحادياً للمسلم «الصحيح». عبر تقديم محتوى ديني، غالباً من منظور سلفي، أسَّسَ هؤلاء الدعاة جمهورهم الخاص، من فئة عمرية شابة في الغالب، مُتلهّفة لسدِّ الفراغ من خلال إجابات سهلة ونهائية حول مواضيع دينية مركّبة. وإذا كنّا نرى عملاً مُنظَّماً أو جماعياً لبعض الجماعات الدعوية والمشايخ، إلا أننا نلحظُ أيضاً بوضوح جيلاً من الدُّعاة المنفردين الذين لا ينشطون في أيِّ جماعة.

لا يُعرَف عن جيل الدعاة المؤثرين هذا ارتباطٌ بمؤسسة دينية رسمية، ولا تلقِّيهم علماً شرعياً متخصصاً، كما أنهم ليسوا من خطباء المساجد وأئمتها، حسب المعلومات المُتاحة على الإنترنت. هم أقرب إلى الشباب المتحمس للدين، الذي يرى نفسه من خلال العمل الدعوي عبر نشر مقاطع فيديو تثقيفية، تحوي معلومات دينية بسيطة. القيام بدور الرسول، كوسيط بين المعرفة الدينية وجمهور المسلمين، فتح الباب لهؤلاء للوصول إلى شريحة واسعة من الشباب صغار السن والتجربة، والمهتمين بتلقي بضعة «لقيمات» صغيرة، تكفي كزوّادة لخوض الجدال في عالم السوشال ميديا.

خوارزميات مقابل منابر

هكذا يُصبح امتلاكُ هاتف محمول، ومعرفة دينية أوليّة، بالإضافة إلى قدرة تقنية لإنتاج المحتوى مع فهم معقولٍ لآليات الوصول، بديلاً عن سنوات من الدراسة الدينية المنهجية. في زمن باتت فيه خوارزميات وسائل التواصل، التي تزيد نسبة وصول الجمهور إلى المحتوى الإشكالي والمُتشدد، كفيلة بحرق المسافات، وتحويل الفرد إلى منصة قائمة بذاتها. في هذا العالم، يُصبح يسيراً خلقُ جمهور شبه مغلق يدعم بعضه بعضاً في حملات مؤازرة لإعادة النشر والتفاعل والتوجيه، دون أن يأبه لانتقادات وشتائم المخالفين، بل إنه يعتاش عليها لتحقيق مزيد من التفاعل. والدلائل على ذلك تفوق الحصر، فمثلاً، بلغت مشاهدات ثلاثة مقاطع فيديو، لأحد هؤلاء المؤثرين – تحمل عناوين «الكريسماس» و«اللباس الشرعي» و«الدعاء عند القبور» – قرابة مليون مشاهدة إلى جانب آلاف التعليقات والمشاركات، حتى الآن. محتوى لا يتضمن سوى فكرة بسيطة لكنها تتناول قضية حسّاسة، يكون كفيلاً بنقل الفرد من شخص مجهول إلى أحد مشاهير السوشيال ميديا.

بالمحصلة، قد يتجاوز الانتشار الواسع لمحتوى داعية إنفلونسر معروف تأثير عشرات الدعاة التقليديين، وتغدو منصةٌ واحدةٌ مشهورة أكثرَ قدرة على الوصول إلى الجمهور من أصوات منابر مُتعدّدة. بالمقابل، تعاني الأصوات المضادة، الأقل حدّة وتطرفاً، في سبيل الحصول على مشاهدة واحدة إضافية، في ظلّ اكتساح ترندات المحتوى الإشكالي والتحريضي لمنصات التواصل. أمام هذا المشهد، تصبحُ وسائل الإعلام التقليدية أقلَّ قدرة على مواكبة التسارُع الهائل في إنتاج المحتوى الجدليّ، وأقل فاعلية في مواجهة الاحتقان الذي تُثيره الترندات الولّادة بشكل يومي، وهذا ما يُمكن ملاحظته من خلال حجم التفاعل المحدود على منصات التواصل الاجتماعي لمحطات تلفزيونية معروفة، رغم ما تملكه من برامج حوارية قيّمة وقدرات مالية وتقنية كبيرة.

من دُعاة الكاسيت إلى الخوارزميات

إذن، ما نحن أمامه اليوم هو نسخة جديدة وخاصة من أنماط دعوية غير رسمية/مؤسساتية تأرجحت في منهجيّتها وأسلوبها والوسيط الإعلامي المُستخدَم طيلة عقود. بدءاً من سبعينيات القرن الماضي، ظهر دُعاة «الكاسيت» وعلى رأسهم الشيخ عبد الحميد كشك، تلاهم «الدعاة الجُدد» عبر المحطات التلفزيونية مثل عمرو خالد، ثم انتهى الحال إلى الاعتماد الكبير على المنتديات والمواقع الإلكترونية من قبل دُعاة الجهاد، قبل أن نصل أخيراً في عصر وسائل التواصل إلى ظاهرة الدعاة الإنفلونسرز الشباب.

وفيما كانت لمكانة وعِلم رجل الدين، أو الخلفية الأيديولوجية، أو المشروع السياسي، أو حتى الشخصية الكاريزماتية، الدورُ الأبرزُ في استقطاب ودعوة الناس سابقاً، صارَ للخوارزميات اليوم اليد الطولى. إذ تقوم التجارة الرابحة في مواقع التواصل على «اقتصاد الانتباه»، الذي يتمثّلُ في قدرة المحتوى على الاستحواذ لأطول مدة ممكنة على المتابع، وحثّه على التفاعل. من هنا يتحول الدين إلى محتوى محكومٍ باعتبارات الخوارزمية، ويُصبح المُنتَجُ الإعلامي الأكثر قابلية للانتشار والوصول مُقدَّماً على المعرفة الدينية المنهجية. بالمختصر، يُصبح إنتاج المحتوى عملية مطاردة مستمرة للأرقام ونسب الوصول، بهدف تحقيق ثراء رمزي وقدرة أعلى على التأثير.

ذئاب الدعوة المنفردة

وإذ تبدو الرغبة في نشر تعاليم الدين و«الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» مجرّد مدخل كلاسيكيّ لنشاط هذه الفئة، تُظهِرُ الخطوات التالية أبعاداً سياسية وهويّاتية. مع اقتحام هؤلاء المؤثرين مضمار السياسة، والانخراط المتصاعد في الشأن العام، يُوظَّفُ الدين بأشكال مختلفة ليمنح صاحبه سلطة رمزية حمائية وتفوقاً أخلاقياً في المجادلات العامة. وفي الحالات الأكثر تَشدُّداً، يتبنى البعض مقاربة «فسطاطية» تُصنّف الناس بين مؤمنين وكفار، مسلمين أصليين ومرتدين، ما يُساهم في خلق بيئة خطابية متطرفة ومناخ عدائي قد يُساهم في تبرير العنف تجاه المختلفين.

هنا يتحوّلُ أكثرهم تطرفاً من مجرد أفراد يملكون أصواتاً عالية وجمهوراً واسعاً إلى «ذئاب دعوة منفردة»، يكرّسون جهودهم ليس في التبشير الديني فقط، بل في حملات التعبئة ضد الأغيار، باعتبارها مُساهمتَهُم الذاتية في «الفتح». في هذا السياق، لعبت تلك الفئة أدواراً عديدة في أحداث سياسية وأمنية كبرى في البلاد، أخطرها شنُّ «غزوات» افتراضية على المغايرين، سواء من الأقليات الدينية أو السُّنة «الكيوت». وفي مشهد يُحيَّدُ فيه العقل لصالح نَفَس فاشيّ، عملت بعض تلك المنصّات على إسناد وتبرير عمليات القتل المذهبية والإثنية، سواء خلال مجازر الساحل والسويداء أو في أحداث أخرى أصغرَ حجماً. وهكذا، تَحوَّلَ الداعية المؤثر «أ د» من صانع محتوى إلى قائد عسكري في تموز (يوليو) الماضي، مع نشره مقطع فيديو بعنوان «7 نصائح عسكرية لمجاهدي العشائر ضد عصابات الهجري»، يُقدّم فيه مجموعة من الإرشادات العسكرية للمشاركين في العملية العسكرية على محافظة السويداء. في حادثة سابقة ذات صلة، دعا «ع ك» لتحريك «الجيوش» بعد تسريب التسجيل الصوتي المزعوم الذي يُسيء للنبي محمد، معتبراً أن التقاعس من قبل الحكومة عن هذه الخطوة سيُؤدي إلى «تمادي كل الأقليات على ديننا».

خلال عامي 2014-2015، برز مصطلح «الذئاب المنفردة» بشكل كبير، مع تبنّي تنظيم داعش لسياسة أمنية جديدة تقوم على دعوة أفراد غير مُنظَّمين للقيام بعمليات أمنية ضد مصالح الغرب. المفهوم المهاجِر من سياق أميركي إلى أدبيات الحركات الجهادية خلال تسعينيات القرن الماضي، تطوّرَ بشكل عميق مع إسهامات أبو مصعب السوري أحد رموز الجهاد الأفغاني وتنظيم القاعدة. تتلخّصُ رؤية السوري في ضرورة تجاوز مركزية القرار الشديدة داخل القاعدة، وتبنّي رؤية أكثر مرونة في آليات العمل الجهادي. مُتحرِّراً من تراتبية القرار في الهيكلية التنظيمية الصارمة، يدعو السوري لتحويل كل مسلم إلى «جيش» من رجل واحد. وهكذا يُصبح الفرد قادراً على بناء خطته الخاصة بالعمل الأمني، بالاستفادة مما يُتاح من أدوات الإيذاء الجسدي المباشر. والأمثلةُ كثيرةٌ على عمليات من هذا النوع مثل هجوم نيس 2016 في فرنسا، وهجوم أورلاندو في الولايات المتحدة في العام ذاته، وهجمات لندن عام 2017.

ذئاب الدعوة وذئاب الجهاد: حدود المقارنة

قد تبدو استعارةُ مفهوم مرتبط بالعمل الأمني المباشر، لإطلاقه على شريحة من الدُّعاة المؤثرين، مبالغة تتجاوز الواقع بالنسبة للبعض، لكن بالنظر إلى القواسم المشتركة بين النمطين يبدو القياس معقولاً. في الحالتين، تغيب الهيكلية التنظيمية والمرجعية المُؤسَّساتية القادرة على ضبط وتوجيه الفرد ضمن رؤية استراتيجية وعمل مُنظَّم. تلعب الإيديولوجية والموقف السياسي الشخصي الدورَ الأبرز في تهيئة الأرضية ودفع الفرد للتحرك والفاعلية، كما يحصل في التفاعل وإبداء الرأي على آخر التطورات المحلية. يقوم العمود الفقري لهذا الشكل من النشاط على الفرد لا على مجموعة أو مؤسسة، دون أن يُلغي ذلك دور المحيط ومؤثراته، وأطواق «الحماية» والدعم من الأقران.

وبين السياق الأمني/الغربي للمفهوم، حيث العنف المادي، والسياق الإعلامي/المحلي، حيث العنف الخطابي، تُصبح النزعة الإقصائية مُحدِّداً عضوياً مُشترَكاً. أمام هذه الظاهرة، لا تصمد مفاهيم المواطنة والتساوي أمام القانون وقتاً طويلاً في نظر الذئاب الدعوية، بل يتحول الآخر من شريك في بلد واحد إلى هدف. وهذا ما يبدو موضوعاً سهل الرواج والانتشار في ظلِّ حالة الاستقطاب الطائفي في سوريا، إذ صار مألوفاً انعكاسُ المحتوى الإعلامي الرافض لقيم المواطنة والحقوق المتساوية والعيش المشترك على أرض الواقع.

أظهرت مقاطع مصوّرة لمظاهرة في ساحة الأمويين في تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي، كيف رفض متظاهرون ترديد شعار «الشعب السوري واحد»، مرددين هتاف «الشعب السني واحد»، وذلك على خلفية احتجاجات أبناء الطائفة العلوية حينها. سبقها حوادث أكثر حدّة، مع عشرات المظاهرات التي تضمّنت هتافات تحريضية ضد الأقليات الدينية، في السكن الجامعي بحمص، وفي الساحل السوري ومدن سورية أخرى. هذا التناغم بين العالم الافتراضي والواقعي يدفع بأولئك المؤثرين إلى موقع يفوق إنتاج المحتوى، إلى ما هو شديد الصلة بردود الأفعال والتحركات الميدانية على الأرض.

وفيما تبدو ظاهرةُ الذئاب المنفردة نافرة في السياق الغربي، تظهر في الواقع السوري أكثر عضوية وتماهياً مع الظروف السياسية والاجتماعية والثقافية الجديدة. إذ مثّلَ سقوط النظام لحظة فاصلة، مع صعود ثقافة «غالبة» جديدة، إسلامية الخلفية، «نيو أموية» المنشأ التاريخي، بدأت في محاولة إعادة ترسيم الحدود والعلاقات، سواء في الفضاء العام أو الافتراضي، بين الأفراد مع بعضهم وأيضاً مع السلطة. مثّلت هذه الثقافة رافعة طبيعية لدور الداعية الإنفلونسر، وأتاحت له الفرصة للوصول إلى جمهور عريض، والأكثر خطورة أنها أمّنت له حماية تلقائية من قبل أوساط اجتماعية واسعة في البلاد.

نحو «تطهير» المجتمع 

من هنا، تَحوَّلَ بعض هؤلاء المؤثرين إلى ممثلين لشريحة اجتماعية غير قليلة، خاصة في البيئات الإسلامية المحافظة، ولعبت أفكارهم وطروحاتهم دور المؤشر على تصاعد مستوى التنازع الاجتماعي. إلّا أن الأخطر في طبيعة هذه الظاهرة يرجع إلى ملمح أساسيّ يجدر الالتفات إليه. على عكس هدف الذئب المنفرد في الغرب، الطامح عبر ضرب الناس إلى تغيير السياسات الخارجية تجاه قضايا إسلامية، تنقلب الآية في واقعنا السوري. إذ، تتجاوز هجمات ذئاب الدعوة فكرة إحداث تغيير سياسي، لتتركّز على استهداف مجتمع الأغيار نفسه، في مسعى للنيل من هويته، رموزه، تاريخه، وإبقائه في حالة من الانكماش والانعزال.

خلال أكثر من خمسة عشر شهراً مضت، برّرت أصوات عديدة عمليات اغتيال المدنيين العلويين في حمص، باعتبارها ردَّ فعل طبيعي على الجرائم المرتكبة بحق سنّة المدينة من قبل شبيحة النظام السابق المنحدرين من الطائفة العلوية. كما ذهبت شريحة من المؤثرين الإعلاميين للاستثمار في تلك الجرائم، داعين أبناء الطائفة العلوية لمغادرة المدينة والعودة إلى الجبال موطنهم «الأصلي»، ما ارتدَّ كالمعتاد عبر بعض الهتافات مثل «حمص للسنة العلوية اطلعوا منا» في عدد من المظاهرات. في مثال حمص، نلحظُ تلاقي مصالح طرفين متماهيَين: مسلحون متطرفون يمتهنون القتل الطائفي والتصفية الجسدية المباشرة على الأرض، ومؤثرون على وسائل التواصل يشتركون معهم في الغاية؛ إرهابُ الأغيار، العلويين تحديداً، وتهديد وجودهم في المدينة.

أمام هذا الواقع، يبدو نهج السلطة السياسية من جهة والمؤسسة الدينية الرسمية مُتمثّلة بوزارة الأوقاف من جهة ثانية، محطَّ شك واستياء شديدين، خاصة من قبل المكونات المستهدفة وأصحاب المصلحة. في الوقت الذي تشهد فيه البلاد سلسلة من القرارات الإجرائية والتنظيمية لضبط المساحات العامة والأنشطة المختلفة، وتنظيم عمل المنصات ووسائل الإعلام، تُتَرك أصوات أولئك المؤثرين خارج الحسابات. وهكذا تظهر المؤسسات الحكومية الرسمية، أمام قطاعات واسعة من مجتمعات متأثرة سلباً بغزوات السوشال ميديا، بمظهر المُتواطئة المتماشية مع خطاب أولئك المؤثرين، بذريعة التوافق الإيديولوجي. يُصبح الأمر أشد خطورة عند الوصول إلى مدى تأثير تلك الحملات والمنصات على عناصر الجهاز الأمني وقوات الجيش، وما يترتب على ذلك من زيادة الاحتقان في بؤر الاختلاط الطائفي، واحتمالات الانفجار المستقبلي. بالمقابل، ألقت السلطات السعودية القبض على أحد أشهر هؤلاء الدعاة الإنفلونسرز خلال أدائه مناسك العمرة قبل عدة أشهر، ورجَّحت منصة «مراقب سوري» أن سبب التوقيف قد يكون نشره لمقطع فيديو يدعو فيه معتمرين لعدم الصلاة في موقع غار حراء، مُشيراً إلى أنها بدعة، داعياً إياهم لعدم الاختلاط في الموقع، ما قد يُسلط الضوء على موقف السلطات السعودية من هكذا محتوى إعلامي وأسلوب التعامل والنشر.

إذن، صعود الداعية الإنفلونسر باعتباره ذئباً منفرداً، يشنّ الغزوات الإلكترونية عبر منصته الشخصية، لا يُحيل فقط إلى ظاهرة إعلامية دعوية، بقدر ما يعكس تحولات بنيوية تمسّ المجتمع والدولة معاً. ومع صعود ثقافة غالبة جديدة تتماهى مع خلفية الجماعة الحاكمة وبيئات محافظة واسعة، يُصبح الدور الذي يلعبه ذلك المؤثر أبعد من مجال الدعوة ونشر تعاليم الدين إلى ما هو سياسي وهويّاتي.

ويزداد الأمر تعقيداً مع ما يبدو أنه غضُّ طرفٍ عن الخطاب الشعبوي المتطرّف من قبل السلطة الحاكمة، الأمر الذي يُساهم في تدفق هذا المحتوى دون مخافة «المحاسبة»، ما يمنح المؤثر رصيداً رمزياً واقياً، وإحساساً بالتفوّق والأفضلية. سرعان ما يرتدّ المنطق الإقصائي حتى على بعض رموز الحكم الجديد رغم تاريخهم الجهادي، لتغدو تهنئة المسيحيين في عيد الفصح من قبل الرئيس الشرع، في نظر بعض الأصوات، «مَفسدة» ستفتح الباب أمام كثيرين «لاستساغة معايدة النصارى».

ورغم الرأي القائل بآنيةِ هذه الظاهرة ومحدودية تأثيرها، يذهب البعض الآخر إلى اعتبارها مؤشراً على اختلال التوازن الاجتماعي اليوم، في ظلِّ إعادة توزيع تركة القوة على المنتصرين. وهكذا تُصبح كاميرا السيلفي أقرب لمنصة إعدام، وتغدو أعداد المتابعين شكلاً من أشكال الشرعية الرمزية، فيما يصبح الآخر المختلف عُرضة لحملاتِ شيطنة تتكاثر بشكل يومي. ومع مضيّ البلد في مواجهة تحديات سياسية واقتصادية وأمنية، تزداد لحى هؤلاء الدعاة المؤثرين طولاً، وألسنتهم شحذاً، ومُحتواهم انتشاراً، بينما يبدو أن غاية «الدعوة» لإدخال الناس «أفواجاً» في الإسلام لا تتعثر فحسب، بل تدفعُ «الآخرين» إلى مزيد من التمايز عنه.