الذكاء الاصطناعي لا يهدد الإنسانية. الإنسانية نفسها جُوِّفت بفعل ثقافة تعامل كل لحظة كمهمة، وكل جسد كمشروع، وكل حياة كسلسلة أهداف يجب تحقيقها أو السقوط في فشلها. فالمشكلة ليست في المستقبل، بل في الحاضر الذي لم يعد يحتمل نفسه.
من التنبؤ إلى التبرير
الخطاب المعاصر حول الذكاء الاصطناعي مشبع بالمستقبلية: استعدوا، نظّموا، خافوا. لكن هذا الهوس مما سيأتي يتجنب سؤالًا أكثر إقلاقًا: لماذا نتلهف لتسليم الذكاء الاصطناعي مصائرنا وتكليفه باتخاذ القرار، وحتى الإبداع؟
الجواب ليس حتمية تكنولوجية، بل إنهاك وجودي. لقد أصبحنا عاجزين عن الوجود بلا غاية، والغاية نفسها تحولت إلى شكل من أشكال الاستبداد.
ماسك لا يعلن عن مستقبل مجهول؛ إنه يوفّر غطاءً أخلاقيًّا لحاضر منزوع الفسحة والغموض، ويتسم بتوفير الراحة. لكن الذكاء الاصطناعي يمكنه أن يكون هدنة، راية بيضاء ترفعها البشرية أمام إنهاك الغائية، وليس بالضرورة كقوة غازية تفرض نفسها من الخارج.
مدن “زووم” وانهيار الغائية
يقدّم فشل مدن زووم، التي ازدهرت خلال جائحة كورونا، مثالًا كاشفًا. فتلك المدن استندت إلى تخيّل أنظمة حضرية كاملة تدور حول الكفاءة والعمل عن بُعد والإنتاجية السلسة. وأُعلنت الجغرافيا غير ذات صلة، واختُزل الحضور في عرض النطاق الترددي، أي في الأثير الذي يحمل موجات الاتصال.
لكن ما انهار لم يكن البنية التحتية، بل المعنى. لقد ثبت أن الحياة بلا انقطاع جسدي، بلا مصادفات، أو تأخير، أو ضجر، أو احتكاك، غير صالحة لعيشها. هذا المثال ليس حالة تقنية، بل علامة على حقيقة أعمق: الوجود البشري لا يمكنه الصمود والبقاء كنظام موجّه نحو الأهداف المحضة، من دون خروقات. وهذا أوضح مثال على أن الذكاء الاصطناعي لم يكسر الحياة الحضرية؛ لقد كشف هشاشتها حين تُختزل في تحقيق الأهداف فقط.
في قلب هذه الأزمة يكمن سوء فهم للجسد. في الخيال الماسكي، الجسد عائق يجب ترقيته أو تجاوزه أو استبداله. التعب خطأ برمجي، الشيخوخة خلل، العاطفة ضجيج. لكن الجسد لا يُعرّف كعقبة أمام الذكاء؛ إنه موقع الانقطاع. وفي الانقطاع تكمن الإنسانية. الجسد السيد ليس الجسد الكفؤ أو المحسّن، بل الجسد القادر على التوقف، على التعثر، على الضحك. السيادة ليست سيطرة، بل انكشاف.
التنورة، والوقفة، والضحك
لنتخيّل مشهدًا بسيطًا: تنورة ترفعها الريح فجأة. حادثة لا تصنع قيمة، ولا تقدم دروسًا لنستخلصها، ولا أهدافًا لننجزها. مع ذلك، مع كل خلوها من أي غاية، ينفجر الضحك، ضحك المرأة التي ارتفعت تنورتها وضحك الذين صادفهم المشهد.
هذا الضحك ليس ترفيهًا، بل تعليق جماعي للغائية. لحظة يتوقف فيها الزمن، ويتحرر فيها الجسد من ضرورة التبرير. لا أحد يسأل: ما الفائدة؟ لا أحد يحسب المخرجات. الضحك يعيد تأسيس الروابط الاجتماعية، لكنه لا يعيد تأسيسها عبر المنفعة، بل عبر الهشاشة المشتركة. وفي هذه الهشاشة المشتركة يكمن عجز الخوارزمية عن التقدم والتطور، لا لأنها تفتقد الذكاء، بل لأنها تفتقد القدرة على إحداث الحدث من دون سبب.
لا ينبغي الخوف من الذكاء الاصطناعي كقوة سيادية، ولا عبادته كخلاص. إنه بنية تحتية قوية، ضرورية، وأداتية. قيمته ليست في جعلنا أذكى أو أسرع، بل في امتصاص المطالب المفرطة التي كلفنا أنفسنا بإنجازها. وعليه فهو قادر على أن يتولى مهمة التحسين لكي لا تضطر الحياة البشرية إلى القيام بذلك بدلًا منه. لهذا فإن الخطر ليس أن يهيمن الذكاء الاصطناعي علينا، بل يكمن الخطر الحقيقي في أن نسعى لتقليده. أن نصبح كائنات لا تتوقف، لا تتردد، لا تضحك، ولا تعرف كيف تكون بلا أهداف.
سياسات الانقطاع
لم تكن السيادة البشرية يومًا متجذرة في العمل أو الملكية أو الديمومة، بل في القدرة على مقاطعة تدفق الضرورة. أن تتوقف، أن تتردد، أن تنكشف، أن تضحك. والحال فإن ما يجدر بنا استخلاصه من مجاورة الذكاء الاصطناعي لنا، هو التقرير بأن المستقبل لا يحتاج إلى أن يكون أفضل. بل يحتاج إلى أن يكون أقل تطلبًا.
مهمة الذكاء الاصطناعي ليست إيصال البشرية إلى الكمال، بل جعل العالم قابلًا للاحتِمال بما يكفي لكي تنجو نقائصنا. وأعظم إنجاز له لن يحقق زيادة ذكائنا، بل قصاراه أن يسمح لنا بأن نكون حمقى بلا خوف.
ما نحتاجه ليس تنبؤات أدق، بل سياسة تحمي الحق في التوقف، في التسكع، في أن نكون غير منتجين. سياسة تثمن الانقطاع بوصفه مهدًا للتضامن…