تخشى أوكرانيا من مفاعيل الهدنة الأميركيّة ـ الإيرانيّة، ومن أن تؤدّي إلى تشتيت تركيز الولايات المتّحدة عن المصالح والأولويّات الأوكرانيّة. في المقابل، تأمل كييف أن يساهم الحزم الأميركيّ تجاه إيران، الحليفة لروسيا، في الضغط على موسكو لإنجاح وقف إطلاق النار وتحويله إلى مدخل لمفاوضات حلّ نهائيّ مقبول.
الحاجات الإيرانيّة والأوكرانيّة
تفتقر أوكرانيا إلى قادة جدد يشبهون في الرؤية ونستون تشرشل الذي روّج لفكرة “الولايات المتّحدة الأوروبيّة” التي أصبحت لاحقاً واقعاً لضمان الاستقرار، لكنّه حرص في الوقت نفسه على استقلاليّة بريطانيا وعلاقتها الخاصّة مع الولايات المتّحدة. فضّل “بريطانيا البريطانيّة” من دون أن تكون جزءاً ذائباً في أوروبا الموحّدة.
لذلك تحتاج كييف إلى شخصيّة براغماتيّة شبيهة بتشرشل، شخصيّة تثبت أوروبيّة أوكرانيا من دون أن تذيب قوميّتها في الجيوبوليتيك الأوروبيّ الموحّد، وتحافظ في الوقت نفسه على علاقة واقعيّة مع روسيا. يعبّر هذا الطرح عن رؤية تحليليّة عميقة لمستقبل القيادة الأوكرانيّة تقوم على الجمع بين التوجّه الغربيّ الصارم والسيادة القوميّة المستقلّة.
في المقابل، تبدو طهران اليوم، أكثر من أيّ وقت مضى، بحاجة إلى “غورباتشوف إيرانيّ” يغيّر قواعد اللعبة، ويضع حدّاً لحالة الإنكار والتسيّد الوهميّ، ويكسر رتابة المتاهة الحاليّة وينقذ الشعوب، من دون الحاجة إلى استنساخ التجربة السوفيتيّة بحذافيرها.
تحتاج إيران إلى فريق حاكم يدرك أنّ استمرار هذا النمط القياديّ يقود تدريجاً نحو المحظور الداخليّ والانفجار الكبير. إلى ذلك تفتقر الساحة الإيرانيّة إلى “مترنيخ” إيرانيّ نفعيّ، واسع الحيلة والدهاء، متحرّر من العقيدة المغلقة، يعيد تنظيم “الإيكوسيستم” القوميّ الإيرانيّ بعد الحرب، ويرتّب علاقات طهران مع دول الجوار، ويقودها نحو سلوك الدولة الطبيعيّة والمتوازنة وفق منطق المواثيق الدوليّة، بعد عبثيّة حروب “ولاية الفقيه”.
أهداف موسكو وواشنطن
دخلت موسكو المعركة بثقة لوجستيّة وأهداف ضبابيّة غير واضحة بالكامل. سعت إلى إعادة تشكيل البيئة القوميّة الروسيّة انطلاقاً من الخاصرة الأمنيّة الأوروبيّة الضعيفة في أوكرانيا، عبر السيطرة السياسيّة على كييف.
في المقابل، بدت الأهداف الأميركيّة والإسرائيليّة من الحرب على إيران أكثر تحديداً ودقّة، وتمثّلت ظاهريّاً في تصفير العتبة النوويّة، تقليم القدرات البالستيّة، وتشذيب النفوذ العسكريّ للأذرع الإيرانيّة، فيما كان الهدف الأبعد يتمثّل في إسقاط النظام.
غير أنّ المحصّلة في الحالتين جاءت واهية: مكاسب جزئيّة غير حاسمة، أثمان باهظة، وغموض استراتيجيّ عميق.
ساهمت الحرب مع روسيا في ترسيخ الهويّة الوطنيّة الأوكرانيّة، وتعزيز النزعة الأكثر صلابة وعسكرةً تجاه موسكو. أنتجت الحرب الإيرانيّة ـ الأميركيّة في طهران مجموعة من القادة المتشدّدين، المحدودي الخبرة، المتطرّفين في الأداء والسياسة، المفتقرين إلى البراغماتيّة المفيدة وسلطة القرار النهائيّ، والمتخمين بالأيديولوجية العقائديّة الضارّة.
هذا ما يجعل أيّ محاولة مستقبليّة لإعادة الإخضاع أكثر صعوبة، ويُعدّ تأجيل الهزيمة السريعة، التي توقّعتها موسكو أو واشنطن وكثير من المراقبين في بدايات المعركتين، تحوّلاً جوهريّاً مهمّاً في ميزان الصراع.
تنظر كييف، على نقيض واشنطن، إلى الصراع في إيران باعتباره استكمالاً للحرب في أوكرانيا، إذ ترى فيهما معركتين مركّبتين وغير متكافئتين من نواحٍ عديدة أدخلتا النظام الدوليّ في حالة من الشلل والفوضى.
نجحت أوكرانيا سريعاً في تقليص فائض السطوة الاستراتيجيّة الروسيّة، فيما عطّلت إيران حركة الملاحة التجاريّة في مضيق هرمز عبر سياسة الابتزاز، وألحقت الأذى بمحيطها الإقليميّ.
تسعى الولايات المتّحدة إلى جعل المفاوضات أقلّ كلفة من استمرار الحرب، بينما ترغب إيران في نقل وزر الحرب إلى خارج حدودها، وتحويل أزمتها الداخليّة إلى أزمة إقليميّة وعالميّة، بما يسمح لها بخلق قواعد اشتباك جديدة.
إدارة الصّراعات بدل إنهائها
تحمل الاستدامة في حروب الاستنزاف خطورة شاملة على إيران وأميركا، وعلى أوكرانيا وروسيا وأوروبا والشرق الأوسط، وهي خطورة لا تبدأ عند حدود الارتباك الاقتصاديّ والتخثّر السياسيّ، ولا تنتهي عند احتمالات الضعف المجتمعيّ وارتفاع هامش الأخطاء العسكريّة.
نشأ بين طهران وكييف نوع من التلاصق السياسيّ والالتحام المصلحيّ، على الرغم من التباعد الجغرافيّ والانفصال العقائديّ، وربطت بينهما هدنة رخوة ومبادرات ارتجاليّة لوقف إطلاق النار.
انتقل العالم من نموذج حروب الاستنزاف الطويلة التي لا نظهر لها حلول، إلى آليّات “مسالمة ظرفيّة” استعراضيّة، وأوامر تراجيديّة وغير جدّيّة لوقف القتال. تحوّل عمليّاً من حالة الحرب المفتوحة إلى الإدارة الدائمة للصراعات، مع ما يتخلّلها من ترتيبات طويلة ومعقّدة، أقرب إلى مهادنات غير مكتملة وتسويات مرحليّة هشّة.
باتت هذه الترتيبات تقوم على “ربط النزاع” عبر تفاهمات جزئيّة، في ظلّ قصور القدرة العسكريّة وحدها عن تحقيق المكاسب السياسيّة. تسعى جميع الأطراف المنغمسة في الصراعات إلى تحقيق أقصى استفادة ممكنة منها، وتقديمها داخليّاً لشعوبها بوصفها “واقعيّة أفضل الممكن”.
يعيش العالم اليوم حالة من التوازن الهشّ. تسعى القوى الدوليّة إلى إدارة الأزمات عبر سلاسل من الهدن القصيرة، تتبعها حزم من المفاوضات المتناقضة في كواليس متفرّقة وغير موحّدة.
عاد تبادل القصف بين كييف وموسكو، فيما تستمرّ حالة وقف إطلاق النار الرخوة بين إيران وأميركا، وتتواصل في الخلفيّة مفاوضات مستنزفة على هرمز وملحقاته.
يبقى السؤال: من سيوقّع في إيران؟ هل يوجد من “يتجرّع السمّ” في عام 2026؟ من سيُقنع موسكو وكييف؟ هل يقبل ترامب مجدّداً بورقة باراك أوباما النوويّة؟
