استخدم بعض الغيورين على “فتح” تعبير “تمكّنت الحركة من تنظيم المؤتمر العامّ” بصفته إنجازاً بحدّ ذاته بغضّ النظر عن نتائجه. مرّت 10 سنوات منذ المؤتمر السابع الذي عُقد في رام الله عام 2016. كان الزمن زمناً آخر وكانت الحركة أكثر وحدة. كان ذلك قبل “الطوفان” في غزّة، وقبل أن ينتاب الفلسطينيّين شعورٌ بنكبة جديدة ليس أوّلها كارثة غزّة وليس آخرها حالة اللايقين التي تعيشها “القضيّة”.
ركودٌ وبرودة؟
“تمكّنت” حركة فتح من تنظيم مؤتمرها (14-16 أيّار الجاري) على نحو معقّد بسلاسة لافتة، موزّعةً أعماله بين مواقع أربعة تجمّع فيها أعضاء المؤتمر في رام الله وغزّة والقاهرة وبيروت. بلغت نسبة المشاركة الإجماليّة في الاقتراع حوالي 94 في المئة، بإجمالي 2,507 مقترعين من أصل نحو 2,600 عضو مؤتمر. تنافس 59 مرشّحاً على 18 مقعداً منتخباً في اللجنة المركزيّة (أعلى هيئة قياديّة تنفيذيّة)، بينما تنافس نحو 450 مرشّحاً على 80 مقعداً في المجلس الثوريّ (الهيئة التشريعيّة للحركة).
فشلت السلطة الفلسطينيّة في تنظيم انتخابات رئاسيّة وتشريعيّة عام 2021. ليس مهمّاً كون الأسباب جيوسياسيّة مرتبطة بفيتو إسرائيليّ خصوصاً (لا سيّما في ما يتعلّق بالقدس) أم أعذاراً اعتمدتها السلطة نفسها وقيادتها التي لم تكن متحمّسة للمغامرة في صناعة أقدار غير محمودة. بالمقابل نجحت “فتح” قبل أيّام في تنظيم مؤتمرها لأنّ الظرف الجيوسياسيّ يضغط لتجديد الشرعيّات القياديّة، ولأنّ قيادة الحركة وقائدها بالذات يريدان ذلك.
في الكلمة الافتتاحيّة للمؤتمر تعهّد الرئيس محمود عبّاس “بمواصلة العمل على تنفيذ جميع بنود الإصلاحات التي تعهّدنا بها لرئاسة المؤتمر الدوليّ للسلام وللدول التي اعترفت بدولة فلسطين”. كان أبو مازن تعهّد في اجتماع القمّة العربيّة الطارئ الذي عُقد في القاهرة، في آذار 2025، بـ”إعادة هيكلة الأطر القياديّة للدولة الفلسطينيّة، وضخّ دماء جديدة في منظّمة التحرير وحركة فتح وأجهزة الدولة”، معلناً إصدار عفو عامّ عن المفصولين من حركة فتح. قيل حينها إنّ في الإعلان أمام القمّة ترتيباً “عربيّاً” لإنهاء الخصومة مع تيّار القياديّ محمّد دحلان، لكنّ ذلك لم يحصل.
الواضح أنّ “فتح” تعاني ركوداً في إنتاج الأفكار وبرودةً في تباري التيّارات، تماماً كما تعاني الأجسام السياسيّة الفلسطينيّة جميعها “صدمةَ غزّة”، ّارتباكاً في تقويم أسبابها، وحيرةً في الاهتداء إلى الملاذات الناجعة.
تراجع العقل الفلسطينيّ عن اجتراح جهات البوصلة على النحو الذي كان يبدع به في “مرحلة بيروت” وحتّى في “مرحلة أوسلو”، على الرغم ممّا واكبها من جدل لم ينتهِ. من تأمَّل حدث المؤتمر ونتائجه، استنتج غياب النقاش الجذريّ واندثار تطاحن الأفكار، مقارنة بمؤتمرات سابقة ما تزال مرجعاً في وجوهها ومطالعاتهم ومناظراتها والسقف العالي الذي كانت تشهده.
جاء اقتراع المؤتمر شبيهاً بـ”فتح” بنسختها الراهنة. وجاء المؤتمر ليؤسّس مرحلة جديدة لا جديد فيها إلّا الوجوه التي بقيت وتلك التي صعدت. أكّد المؤتمر أنّه “حزب السلطة” ملتصق بخياراتها وقائدها الذي أُعيد انتخابه رئيساً للحركة بالإجماع وأُعيد بذلك تعزيز شرعيّة موقعه، من خلال “فتح”، على رأس “الدولة الفلسطينيّة” حتّى تأتي انتخابات رئاسيّة بغير ذلك.
إذا ما خرجت من اللجنة المركزيّة وجوه ربّما حان لبعضها أن تخرج، فإنّ قادة الجسم المركزيّ احتفظوا بمقاعدهم. حصد القياديّ الأسير في السجون الإسرائيليذة مروان البرغوثي أعلى الأصوات. حافظ مثلاً كلّ من حسين الشيخ (أمين سرّ اللجنة التنفيذيّة لمنظّمة التحرير)، محمود العالول (نائب رئيس الحركة السابق)، جبريل الرجوب (أمين سرّ اللجنة المركزيّة السابق)، وتوفيق الطيراوي على مقاعدهم القياديّة.
تحضير لمرحلة ما بعد الرّئيس؟
لكنّ وجوهاً جديدة صاعدة أعطت للمؤتمر طعم الخبر. يُعتبر انتخاب ياسر عبّاس، نجل الرئيس عبّاس، داخل اللجنة المركزيّة للحركة حدثاً متوقّعاً أثار جدل المعارضين، لكنّه يعدّ تحوّلاً بارزاً يعكس تبلور توازنات جديدة في هيكليّة الحكم والقرار داخل “المقاطعة”. يعزّز صعود ماجد فرج، مدير جهاز الاستخبارات العامّة، حضور البعد الأمنيّ والسياسيّ المباشر في قمّة الهرم الفتحاويّ. فيما يمثّل فوز زكريا الزبيدي، أحد أبرز قادة “كتائب شهداء الأقصى” في مخيّم جنين، الذي أفرج عنه العام الماضي ضمن صفقة تبادل للأسرى، صعوداً رمزيّاً للتيّار “الميدانيّ” المسلّح وحاجة إلى تثبيت هذا البعد في قيادة الحركة.
عبّر الرئيس الفلسطينيّ في المؤتمر عن “جاهزيّة لإجراء الانتخابات الرئاسيّة والتشريعيّة (..) بدءاً بإعداد الدستور، قانون الأحزاب السياسيّة، وقانون الانتخابات العامّة”. بدا في القول ما يبعث برسائل إلى الخارج أكثر من الداخل عن سلطة “تتجدّد”، وفق ما طُلب دوليّاً، لإعادة تعويم الجسم السياسيّ الرسميّ وتسريبه للدور المحتمل المأمول في غزّة.
انتهى المؤتمر إلى توافقات محسوبة وتسويات خلفيّة أنتجت الأجسام القياديّة الجديدة. ليس أمر التوافقات والصفقات جديداً، لكنّها بدت هذه المرّة أقلّ جهداً. في المشهد القياديّ الجديد ما يوحي بأنّ الأمر تحضير انسيابيّ مُحكم التوازنات لمرحلة “ما بعد” الرئيس في حكم “المقاطعة”، ربّما في تآلف مفترض أو مصطنع بين موازين القوى يمكن أن يشي أو يَعِد جدلاً بتناوب بأقلّ الخسائر.
غير أنّ الحدث لم يجِب على أسئلة داهمة، من الخارج قبل الداخل، بشأن مسألة انتهاء الانقسام الفلسطينيّ العامّ الذي بات أصلاً مركزيّاً في علّة التمثيل والتخاطب مع هذا الخارج وما يزال تحقيقه عصيّاً على الرغم من كارثة غزّة.
