طهران- يتابع الإيرانيون بأمل يخالطه القلق الجهود الهادفة لوقف نهائي للحرب بين بلدهم وكل من إسرائيل والولايات المتحدة.
وبقدر ما يشوّقون إلى استعادة الهدوء والتخلص من شبح الدمار والموت الذي ظل متربصا بهم على مدى حوالي أربعين يوما، فإنّهم في نفس الوقت يعلمون جيدا المصاعب المعيشية والخدمية التي سيواجهونها بعد الحرب التي زادت من تعقيد أوضاع الاقتصاد الإيراني المنهك وأتت على جزء كبير من البنى التحتية، تماما كما يعلمون مدى شدّة القبضة الحديدية التي ستواجه بها السلطات المجتمع الذي ستكون شرائح واسعة منه موضع شك وارتياب في تواطئها مع العدو إلى أن تثبُت براءتُها أو يحُل بها العقاب الشديد.
وعلى الرغم من هذا المشهد السوداوي يسعى الإيرانيون إلى الحفاظ على لمحة من مظاهر الحياة الطبيعية بعد أسابيع شهدت قصفا أميركيا وإسرائيليا وحملة قمع ضد المتظاهرين أسقطت قتلى في يناير الماضي، ولا يزالون يشعرون بالقلق إزاء المستقبل في ظل الآثار السلبية الناجمة عن الغارات الجوية وانقطاع خدمة الإنترنت.
ومع توقع إجراء محادثات بشأن تمديد وقف إطلاق النار والاتفاق على إنهاء الصراع، فتحت المتاجر والمطاعم والمكاتب الحكومية أبوابها. وفي أيام الربيع المشمسة، تزدحم حدائق المدينة بأسر خرجت للتنزه وشبان يمارسون الرياضة، بينما يتجمع آخرون في المقاهي على جوانب الشوارع.
لكن وراء هذه المشاهد الهادئة، يتداعى الاقتصاد الإيراني ويخشى الناس من حملة قمع جديدة من الحكومة ويشعرون بالغضب إزاء الغارات الجوية المدمرة.
ويبدو أن الصعوبات التي أذكت اضطرابات واحتجاجات حاشدة في يناير ستزداد تفاقما.
لم ينس الشعب جرائم النظام ولم ينس النظام أن الناس لا يريدونه.. إنه يكبح نفسه الآن لأنه لا يريد القتال على الجبهة الداخلية أيضا
وقال وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي الجمعة إن مضيق هرمز مفتوح عقب اتفاق وقف إطلاق النار في لبنان، وقال الرئيس الأميركي دونالد ترامب إنه يعتقد أن اتفاقا لإنهاء الحرب مع إيران سيتحقق قريبا.
قالت فاريبا (37 عاما) التي شاركت في مظاهرات يناير لوكالة رويترز عبر الهاتف من إيران “ستنتهي الحرب، لكن عندها ستبدأ مشاكلنا الحقيقية مع النظام. أخشى جدا من أن يزيد الضغط على الناس العاديين إذا توصل النظام إلى اتفاق مع الولايات المتحدة”.
وأضافت “لم ينس الشعب جرائم النظام ولم ينس النظام أن الناس لا يريدونه. إنه يكبح نفسه الآن لأنه لا يريد القتال على الجبهة الداخلية أيضا”.
وتشير الإحصاءات الرسمية إلى أن القصف أودى بحياة الآلاف من الإيرانيين، منهم عشرات التلميذات في مدرسة للبنات في اليوم الأول من الحرب.
ودمر القصف أيضا البنى التحتية في أنحاء البلاد مما زاد من احتمالات حدوث تسريح جماعي للعمال.
ويبدو أن النظام الإيراني راسخ كما كان في الماضي بعد أن نجا من القصف المكثف على مدى أسابيع وعرقل إمدادات النفط العالمية.
وقال أوميد ميماريان محلل الشأن الإيراني لدى مركز الأبحاث المستقل “دون” في الولايات المتحدة “أدرك الإيرانيون أن هذه الحرب لن تؤدي إلى إسقاط النظام، لكنها في الوقت نفسه ستجعل حياتهم أسوأ بكثير من الناحية الاقتصادية”.
وأضاف “لن يضع الجيش أسلحته. سيبقى أساطين النظام، وسيكون الوضع دمويا. سيكون مكلفا دون أي أمل في مستقبل أفضل”.
وفي شمال طهران، أجرت وكالة رويترز مقابلات بالفيديو مع شبان إيرانيين تحدثوا عن الحرب ومخاوفهم. وتعمل وسائل الإعلام الأجنبية في إيران بموجب المبادئ التوجيهية التي تضعها وزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي التي تنظم نشاط الصحافة والتراخيص.
وقالت مهتاب الموظفة في شركة خاصة، وطلبت عدم ذكر اسم عائلتها، إن الأمور يمكن أن تكون أسوأ بالنسبة للإيرانيين بالنظر إلى تأثير الحرب والعقوبات والعزلة على مدى سنوات.
وأضافت “لا أريد أن أقول إن الوضع طبيعي، لكن كإيرانية عايشت كل هذا، فإنه ليس سيئا للغاية. يمكننا التعايش معه”.
ولم يكن لدى الإيرانيين الذين تواصلت معهم رويترز عبر الهاتف هذا الرأي، إذ أبدوا قلقا أكبر بكثير خلال حديثهم بشرط عدم الكشف عن هوياتهم خوفا من التعرض للانتقام.
وراء الهدوء الذي أشاعدته الهدنة يتداعى الاقتصاد الإيراني ويخشى الناس من حملة قمع جديدة من الحكومة ويشعرون بالغضب إزاء الغارات الجوية المدمرة.
وقالت سارة (27 عاما) وهي مدرّسة خاصة طلبت عدم الكشف عن اسم عائلتها أو مكان إقامتها “نعم، الناس يستمتعون بوقف إطلاق النار في الوقت الحالي .. لكن ماذا سيحدث بعد ذلك، ماذا يفترض بنا أن نفعل مع نظام أصبح أكثر قوة؟”.
وقُتل الآلاف عندما قمعت السلطات احتجاجات استمرت أسابيع في يناير الماضي وقال حينها ترامب إنه سيأتي لمساعدة الإيرانيين.
وذكر الرئيس الأميركي ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في بداية الحرب إنهما يريدان الإطاحة بالحكام من رجال الدين، لكن هذا الهدف تلاشى مع استمرار القصف.
وقال ميماريان إن الغضب من القمع جعل الكثير من الإيرانيين يأملون في تولي حكام جدد السلطة، لكن سرعان ما تحولت مشاعر الغضب إلى الحرب ضد بلادهم.
وأضاف “أعتقد أنه أصبح أكثر وضوحا للعديد من الإيرانيين أن هذه الحرب ليست مصممة ولا تهدف إلى مساعدة الشعب الإيراني”.
ولم تكن مهتاب ولا النساء الأخريات الجالسات في مقهى شمال طهران يرتدين الحجاب، الإلزامي منذ عقود في إيران. وصارت قواعد الزي العامة أكثر مرونة عقب الاحتجاجات الشعبية في عام 2022، ومنها مظاهرات رفعت مطالب تتعلق بحقوق المرأة، التي قمعتها السلطات وخففت بعدها ضمنيا تطبيق بعض قواعد الزي.
وقال المحلل السياسي الإيراني المستقل المقيم في بريطانيا حسين رسام إنه أصبح واضحا منذ يناير أن السلطات لن تتراجع بسهولة مجددا، وأنها لن تنهار في مواجهة الهجوم العسكري.
وجعلت الحرب الإيرانيين أكثر انقساما من ذي قبل، لكن مع خيارات قليلة. وقال رسام “هذه لحظة حاسمة للإيرانيين لأنهم في النهاية، وخاصة الإيرانيين داخل البلاد، يدركون أنهم بحاجة إلى العيش معا. لا مكان يذهبون إليه”.
ويخشى الكثيرون من تفاقم القمع الآن. وقال أرجانج، وهو أب لطفلين يبلغ من العمر 43 عاما “في الشوارع، تتجول النساء دون حجاب، لكن ليس واضحا ما إذا كانت هذه الحريات ستستمر بعد التوصل إلى اتفاق مع الولايات المتحدة. سيزداد الضغط 100 بالمئة لأنه بمجرد التوصل لسلام مع واشنطن، لن يواجه النظام الضغط الخارجي نفسه”.
ولم تحدث احتجاجات بداية العام أي تغيير ملموس في حياة الناس، بل دفعت السلطات إلى فرض قيود صارمة على استخدام الإنترنت وهو ما أثر كثيرا على الشركات والمواطنين العاديين الذين كانوا في حاجة ماسة إلى المعلومات في أثناء الحرب.
وقالت فائزة (47 عاما) وهي تلعب الكرة الطائرة مع أصدقائها في حديقة شمال طهران “حتى أصغر الأمور، مثل التواصل مع أفراد عائلتنا الذين يعيشون خارج البلاد، باتت مستحيلة”.
وقال ميماريان إن الاستياء الشعبي قد يتصاعد بعد انتهاء الحرب وإن الناس أصبحوا أقل خوفا حيال اتهامهم بالخيانة. وأضاف “هناك الكثير من النار تحت الرماد”.