ملتقى “أيام كردية”.. احتفالية تذكر بالثراء والتنوع الثقافي السوري

- المصدر. صحيفة الثورة السورية
همسة زغيب
استضاف اتحاد الكتّاب العرب اليوم في مبنى الاتحاد بدمشق ملتقى “أيام كردية” لأول مرة في تاريخه ليكون احتفالية ثقافية متكاملة تستمر على مدار يومين، جمعت نخبة من الشعراء والكتاب والباحثين الكرد السوريين في فضاء أدبي وفني وموسيقي يضيء على الهوية الكردية بوصفها جزءاً أصيلاً من النسيج الاجتماعي السوري ويعرّف المجتمع السوري بثراء هذه الثقافة وتنوعها.
و تضمن الملتقى مجموعة متنوعة من الفعاليات جمعت بين الأدب والفن والموسيقا ما يعكس ثراء الثقافة الكردية وتنوعها ويثبت أن الكرد يشكلون جزءاً أساسياً من النسيج الاجتماعي السوري، ويعكس التنوع الثقافي واللغوي في سوريا، ويسعى إلى تعزيز الفهم المتبادل والتعايش السلمي بين مختلف المكونات في المجتمع، مؤكداً على أهمية الحوار الثقافي والانفتاح كوسيلة لبناء مستقبل مشترك.
ألقى رئيس اتحاد الكتاب العرب الدكتور أحمد جاسم الحسين كلمة الافتتاح مؤكداً أنّ انعقاد مثل هذه الفعاليات كان قبل فترة قصيرة ضرباً من الخيال لكنه اليوم أصبح حقيقة تعبّر عن رسائل اجتماعية وسياسية عميقة، موضحاً أن التنوع السوري ليس عامل خلاف بل عامل بناء، وأن الحوار الثقافي هو السبيل الأمثل لبناء مستقبل مشترك، مشيراً إلى أن الاتحاد منذ تأسيسه ضم كُتاباً من مختلف البلدان العربية واليوم يفتح أبوابه ليعكس غنى المكونات السورية وتنوعها.
فعاليات أدبية وفنية
عرض الفيلم الوثائقي “على عتبة الطفولة” للمخرج ياسر حمزة علي، مسلطاً الضوء على مأساة عمالة الأطفال في القامشلي خلال سنوات الحرب، مقدّماً شهادة إنسانية مؤثرة عن جيل كامل يواجه الفقر والحرب، والفيلم الذي حصد أربع جوائز دولية قدّم سرداً واقعياً عن ثلاثة أطفال يعملون في ظروف قاسية بدل مقاعد الدراسة، وأضفت موسيقاه التصويرية بعداً عاطفياً عميقاً عزّز من قوة رسالته الإنسانية.
وتحدث المخرج ياسر حمزة علي لـ” الثورة السورية” أن الفيلم يعتبر توثيقاً لمعاناة الأطفال ومحاولة لإطلاق صرخة إنسانية تدعو إلى حماية الطفولة من الاستغلال وإلى تذكير المجتمع بأن هؤلاء الأطفال يستحقون مقاعد الدراسة لا أرصفة العمل، مؤكداً أنه أراد من خلال العرض أن ينقل صورة واقعية صادقة وأن يضع المشاهد أمام مسؤولية أخلاقية تجاه هذا الجيل.
محاضرات فكرية
ألقى الباحث معاذ يعقوب محاضرة بعنوان “اللغة الكردية أصالة واستمرار” شدّد فيها على أن اللغة الكردية تمثل جوهر الهوية الثقافية الكردية لأنها ذاكرة جمعية تحفظ تاريخ الشعب الكردي وتجاربه وليست مجرد وسيلة للتواصل، مؤكّداً أن الاعتراف بها ودعمها في المؤسسات الثقافية والتعليمية هو ضمان لاستمرارها كرافد أساسي للهوية الوطنية الجامعة.
أما الباحث التاريخي خالص مسور فقد تناول في محاضرته تاريخ الكرد موضحاً أن الثقافة الكردية هي مرآة لتاريخ طويل من التفاعل بين الشعوب الآسيوية والميدية، وأن الأكراد أحفاد الميديين حملوا عبر العصور روح الاستقلال والتمرد على الطغيان.
وأضاف موضحاً كيف تحوّل عيد النيروز من رمز أسطوري إلى مناسبة وطنية جامعة، إذ يعكس إرادة الحرية والتمرّد على الظلم منذ أسطورة كاوه الحداد ليصبح شعلة النيروز رمزاً لانتصار الشعب على الاستبداد و اعتمد رسمياً كعطلة في عدد من الدول تأكيداً على قيمه الجامعة التي تتجاوز الحدود القومية.
تراث وموسيقا
تحدث الباحث صلاح صوركجي عن التراث الكردي مبرزاً غنى الموروث الشعبي والفني الذي يشكّل ركيزة أساسية في الهوية الكردية السورية، فيما تخلّل الأمسية عزفٌ موسيقيٌ كرديٌ قدّمه الفنان شكري سوبار على آلة البزق، ليضيف حضوراً موسيقياً أصيلاً يعكس عمق الموسيقا الكردية وارتباطها بالذاكرة الجمعية.
اختُتمت الاحتفالية بأمسية شعرية شارك فيها كل من الشعراء رضوان يوسف وليلى رشو وحكيم أحمد وهوزان كركند، حيث جاءت النصوص متنوعة بين الغنائية والوجدانية والرمزية، عكست تجارب شخصية وجماعية في مواجهة الحرب والاغتراب، وأبرزت قدرة الشعر الكردي على التعبير عن الهمّ الإنساني المشترك. وقد تولى الشاعر جهاد الأحمدية ترجمة بعض النصوص إلى العربية، ما أتاح للحضور التفاعل مع جماليات القصيدة الكردية بلغتين وأضفى على الأمسية طابعاً إنسانياً جامعاً.
إنّ ملتقى “أيام كردية” تعتبر احتفالية ثقافية استثنائية أعادت التأكيد على أن الثقافة الكردية ليست هامشاً بل هي جزء أصيل من المشهد السوري، وأن الحوار الأدبي والفني هو الطريق الأجمل لتعزيز التعايش والتنوع في وطن واحد.