في خيانات لم يرتكبها أحد، آخر روايات الكاتب السوري محمد ديبو، تتجلى جرأة لم تقتصر فقط على خيار ثيمتها وفي توقيت تبدو فيه الحرائق السورية على وشك التجدّد كلّ لحظة، وإنما تبدّت أيضاً في الخيار غير السهل، للغوص في طبقات التاريخ السوري القريب والبعيد، وما غُيب منها تحت السياق الرسمي، منذ الاحتلال العثماني. رصدت عملية التنقيب هذه في التاريخ حوادث مفصلية تراكمت عليها التطورات الاجتماعية والسياسية لفئات سورية مختلفة، في محاولة للإضاءة على جذور الأحداث، وتشظي الهوية السورية وآليات تعبيرها عن نفسها لدى فئات كل منها محكومة ببيئتها وتاريخها والندوب التي حملتها على مرّ الزمن.

يتداخل الحاضر بالماضي، فزمنُ الرواية مُركّب، من استرجاع يستَحضرهُ الراوي العليم، ينبش الماضي المُعتم مسلِّطاً عليه الضوء بموضوعية، محاولاً الحفاظ على مسافة متساوية من شخصياته، التي عُني برسم فضائها النفسي والاجتماعي، وصولاً إلى تداعيات ومقارنات وأحداث فرعية، وحاضر يمضي، لتنتهي الرواية إلى نهاية مفتوحة يستشرِفها القارئ عبر الأحداث.

الخوف لا يمنع من الموت، لكنه يمنع من الحياة

في الرواية – صادرة (2025) عن دار رياض الريس – يُفكّك ديبو العلاقة بين النظام والطائفة العلوية، التي سعى لاستلابها عبر خلق رابطة توحي بأنّ وجودها معتمد على وجوده، مستثمراً في الهويات الفرعية، مستغلاً ذلك الخوف والشعور بالتهديد المتوارث في اللاشعور الجمعي لدى أفرادها؛ الخوف الذي فرض سلطته لأجيال بعيدة زمنياً عن أسبابه.

تستعيد الرواية تلك الأحداث المُتناقلة، عن الفرار من القتل بتهمة الكفر والزندقة، والمذابح التي ارتكبها الاحتلال العثماني بحق الجماعة. وعلى الرغم من غياب هذه الأحداث عن التأريخ الرسمي، بقيت حيّة في الذاكرة المتناقلة، والمخيال الشعبي المتوارث، ولم تنجح ثورة الشيخ صالح العلي ولا رفضه دولة خاصة بالعلويين في ترميم علاقة الطائفة بالمجتمع، إذ ظلَّت تعاني إضافة إلى الخوف القديم، من النبذ والفوقية الاجتماعية والفقر في ظلِّ عبودية الإقطاع، مما جعلها ترتمي في أحضان حزب البعث المنادي بالتحرر والقضاء على الإقطاع لتُصبح فيما بعد خزاناً بشرياً للنظام، حافظ عليه بإفقارها المستمر وتغذية ذاكرتها المؤلمة.

يبحث ديبو، على المقلب الآخر، في أحداث الثمانينيات، وكيف عمّقت قسوة القمع الذي مارسه النظام أفكار التطرّف، متابعاً تحليل التاريخ السوري القريب، وإرهاصاته التي كانت تتخمّر على مهل لانفجارات جديدة وكأن التاريخ يُعيد نفسه. إذ كان النظام حريصاً على التلويح لطائفةٍ بخطر القتل، ولأُخرى بالقمعِ المُفرط. ولهذا لم يخرج السوريون على اختلافهم، من عباءة الهويات الفرعية إلى الثقة وشعور المواطنة.

تبدأ الرواية بموت الشاب حمزة، أحد عناصر ميليشيا الدفاع الوطني، والذي حُجِب عنه لقب الشهيد ونُعِتَ بالخائن لأسبابٍ لم تتضح لذويه، الذين يجدون أنفسهم تحت وطأة الوصم والعار. لتكون أولى الخيانات التي يُشير إليها العنوان ويتتبعها الكاتب بوصفها فعلاً تجاوز الحيّز الفردي الخاص إلى التأثير في المحيط العام، وهنا لم تكن الخيانة للنظام الذي اختزل الوطن بوجوده، بل أيضاً للطائفة العلوية التي ينتمي إليها حمزة.

غيَّر وصم الخيانة حياة العائلة وحَكَمها بالنبذ الاجتماعي والإقصاء، مما دفع مريم الطبيبة أخت حمزة للمضي برحلة البحث والتقصي عن حقيقة موت أخيها خاصة أن سبب الوفاة في الشهادة التي سُلِّمت لهم لم تقدم سوى تفسير مقتضب يعزو وفاته إلى «أزمة قلبية».

تتطور شخصية مريم ويتوسع أفقها، خلال مسيرة التقصي وتُعيد بناءها، وهو المسار الأول والرئيسي في الرواية، إذ تتعرّف على حقيقة الواقع السياسي والاجتماعي، خارج أفكار بيئتها الضيقة، والتضليل الذي مارسه النظام ليتلاعب بمكونات البلاد، على أعلى مستوى، حفاظاً على بقائه، كما تتعرف على مجموعة من المعارضة من خلال عمها محمود وابنه اللذين وقفا إلى جانب أسرتها، رغم النبذ العائلي القديم لهم، على خلفية مواقف عمها المعارضة واعتقاله منذ الثمانينيات لانتمائه إلى رابطة العمل الشيوعي.

كان كلّ من يُعارض النظام يعاني مرتين؛ السجن ثم النبذ الاجتماعي، ويُشير هنا إلى معاناة المعارضين العلويين سابقاً ولاحقاً: «كانوا في السجن أبطال وفي الخارج مشكوكاً بأمرهم».

وكما ينتقل حمزة من موقع الموالاة إلى رفض ممارسات ميليشيا الدفاع الوطني، تنتقل مريم إلى صف عمها ورفاقه في المعارضة، إذ يتفتح وعيها على الآخر بوصفه شريكاً لا خائناً، في مواجهة المفهوم الذي كرّسته السلطة منذ الثمانينيات.

تكتسب مريم، عبر تطورها ومقاطعة التجربة بالمعلومات، رؤية معرفية، تتجاوز قدرتها على الحدس بالأحداث قبل وقوعها؛ تلك القدرة التي قدّمها الكاتب في البداية، قبل أن يتبين القارئ أنها ليست سوى جزء من هيمنة الروحانية على الجو الاجتماعي المُغلق الذي تعيش فيه، حيث تترسب الأفكار التي تتفاعل داخلها إلى عالمها الخارجي، لم يسعَ الكاتب إلى استثمار هذه القدرة كخط غرائبي فني، بقدر ما انشغل بالحفر في التكوين النفسي للشخصية ضمن بيئتها، وهو ما فعله مع الآخرين كما في شخصية بكر الذي مرّر الواقع عبر مصفاة معاناته الذاتية والأفكار المُتشددة التي هيمنت في محيطه.

لم يكن حمزة الوحيد الذي رفض ما يجري لكنه بقي خوفاً من القتل ووصم العائلة بعار الخيانة، يُسلط الكاتب الضوء على السلوك المشين لميليشيا الدفاع الوطني، والتي ضمّت من لا عمل لهم، يقول: «صار زعران القرية يمارسون الزعرنة الوطنية»، مقارناً بينها وبين سرايا الدفاع سيئة الصيت، التي ارتكبت جرائم في كل من سوريا ولبنان.

تميّز السرد بالتشويق المُطعّم بحبكة بوليسية أحياناً، ومن حكاية إلى أخرى نقل الراوي العليم بالقارئ عبر الزمان والمكان في مستويات متعددة. ويتشابك مسار مريم مع التحولات السياسية والاجتماعية الممتدة منذ الثمانينيات وحتى الثورة السورية التي آلت إلى حرب تتنازع البلاد، كما يتقاطع مع المسار التاريخي وحياة أسرتها كنموذج واقعي لحياة الأسرة السورية، بما تحمله من تناقضات بين أبنائها وصداماتِهم، التي حملت في جوهرها التناقض بين وعي جديد مستقل عن الذهنية الشعبية متأثراً بالفكر السياسي وتطورات الواقع العام، وهو ما قاد إلى إنكار الروابط الاجتماعية بل ولرابطة الدم ذاتها وللاتهام بالخيانة. وبين الانغلاق على الماضي والخوف الموروث الذي يتغذى من الحاضر عبر ترسيخ شعور دائم بالاستهداف.

يقول غوستاف لوبون : «الجماهير لا تقتنع بالبراهين المنطقية بل بالصور الذهنية والقصص المؤثرة لذا من يُسيطر على خيال الجماهير يُسيطر عليها» كان النظام واعياً لذلك ولهذا حاول دسّ نبوءة تقديس حافظ الأسد ورفعه إلى مصافّ النورانية في بعض الأجواء الدينية، للحصول على شرعية مُقدّسة وتكريسها في الوعي العام. وقد تجلّى ذلك في شعارات مصيرية رُفعت علناً، ربطت بين الأبد وحكم الأسد الأب والابن، بل ساوت بين بقائه وحرق البلد. ومن خلال التكرار المستمر لهذه الشعارات، راهن النظام على ترسيخها في اللاوعي الجمعي لمختلف الطوائف، بما يكشف حجم سحق الهوية والحلم الإنساني بالتغيير، واختزال الوطن والوجود بشخص الرئيس.

كان ذلك بمساعدة مستويات عليا من الأجهزة المخابراتية، وهي الخيانة الثانية التي تحمّل وزرها العم محمود دون أن يرتكبها إذ كانت هذه الكتب في أمانته حين صادرها الأمن.

لا شيء يُولد من هباء، والتاريخ لا يعترف بالنسيان 

يفتح ديبو، في المسار الثالث من الرواية، ملفاً شائكاً يتتبّع التحولات السياسية للبلاد خلال فترة الثمانينيات بما حملته من إرهاصات الأحداث اللاحقة، بدءاً بنشاط حزب الإخوان المسلمين وتأسيس حركة الطليعة المقاتلة وصولاً إلى المواجهة المسلحة التي انتهت بالقمع العنيف في أحداث حماة. غير أن النظام لم يتوقف عند قمع الحركة بشراسة، بل قام باستثمار كل تفصيل لبناء منظومته الدفاعية باستحضار الخوف القديم من الآخر لدى الطائفة العلوية وتكريس صورة نمطية عن حماة كمدينة تتوعد بالانتقام في المخيال الجمعي، ووصم الآخر بالخيانة للمواثيق والعهود.

ترصد الرواية أيضاً حياة شخصيات قلقة خلال تاريخ طويل من الخوف والقمع والظلم، تاريخ عمل على تهشيم الذات وتقويض الشعور بالانتماء، كما ساهم في تغريب الناس بعضهم عن بعض عبر خطاب تخويني جاهز. وفي ظلِّ ظروف حافظت على البنية النفسية للإنسان المقهور، وقلبت المفاهيم والحقائق على طول البلاد وعرضها، كربط مفهوم الشهادة بالولاء للنظام والرئيس، وليس للوطن، وتقديم الخضوع على الشراكة.

تُقارب الرواية المفاهيم الجامدة كممارسة فاشلة، فالخيانة مفهوم مُضلِل نشأ بسبب فشل التواصل، فكل طرف يتمترس خلف قناعاته ويرى الخروج عنها خيانة. بينما قد لا تكون أكثر من خلاف في الرأي.

كانت الأثمان فادحة، فالتاريخ، خلافاً لما قاله ماركس، لم يكن يُعيد نفسه هنا كمهزلة، بل كحمام دم، وفي خضم هذا الخراب تختفي مريم في رحلة هروب إلى خارج البلد فيما يتولى بكر حمايتها.

إضاءة على تجربة رابطة العمل الشيوعي

يُفرِد الكاتب حيّزاً مهماً لتجربة اليسار السوري ممثلةً برابطة العمل الشيوعي، منذ تأسيسها، وتطور نشاطها، خلال فترة شديدة القسوة، وما اتسمت به من جرأة ميّزت عمل الحزب منذ السبعينيات، كما يرصد انتقال الراية إلى الجيل اللاحق الذي كان سباقاً للانخراط في الحراك السوري، يذكرنا هذا برواية ترانيم العتمة والضوء للكاتب علي الكردي التي تناولت تاريخ التجربة بشكل مُفصّل.

يتطرق السرد أيضاً لما يُعرف بالهوة بين الواقع والمثقف، والتي تجعل تأثير خطاب المثقف محدوداً أمام تأثير الفكر الغيبي والديني الذي يرتبط بتفاصيل الحياة اليومية للناس، وهو ما يُفسر سرعة التحولات في الشارع السوري، ومن هنا، ينتقل إلى الإشارة للأخطاء التي ارتُكِبت في بداية الثورة كالاستهانة بالشعارات التي طُرحت، والتحوّل إلى السلاح، الأمر الذي دفع الثورة إلى مآلات لم تكن بالحسبان إذ تحولت إلى ثأر وهو ما استغله النظام في التعبئة ضدها وتطييف الحراك.

على الرغم من وعورة القضايا التي تطرق إليها محمد ديبو، صاحب كتاب كمن يشهد موته ـ عن تجربته بوصفه أحد أوائل الناشطين المعتقلين في 2011 – فإن الرواية تحاول الإحاطة بهذه التشابكات، في مواجهة الرؤية الانتقائية للتاريخ التي تفرضها كل أنظمة القمع، بما فيها الاستعمار.

يكتب المنتصرون التاريخ، أمّا ما يسقط منه فحكايات تموت إن لم يوقظها راوٍ جريء كما فعلت إليف شافاق في روايتها لقيطة إسطنبول حين أعادت للذاكرة مذابح الأرمن التي رفضت تركيا حتى الآن الاعتراف بأنها إبادة متعمدة، فهل تقول الحكاية كل شيء؟