-
نور أبو فرّاج…. الجمهورية .نت
-
-
-
تبدو اليوم الاستعارات حول مشفى الأمراض العقلية أو «الحِكَم التي تؤخذ من أفواه المجانين» مُكررة، لكنها لم تكن كذلك حين ابتُدعت أول مرة، بل بدت حينها جديدة وصادمة.
يحاول هذا المقال استكشاف سياقات هذه الاستعارة في الرواية والقصة القصيرة والمسرح، بدءاً من داخل العنبر رقم ستة في نوفيلا أنطون تشيخوف الشهيرة (1892)، مروراً بقصة الكاتب الباكستاني حسن سعدات مانتو توبا تيك سينغ (1954)، ومن ثم رواية أحدهم طار فوق عش الوقواق للكاتب كين كيسي (1962) والتي تحوّلت لاحقاً إلى فيلم سينمائي عام (1975)، ووصولاً أخيراً إلى مسرحية زياد الرحباني الشهيرة فيلم أميركي طويل (1979).
ورغم أن موقع الحدث واحد، لكن دلالات مشفى الأمراض النفسية ووظيفته ضمن كل عمل أدبي تختلف من مكان إلى الآخر، كما أن السياق السياسي والتاريخي والجغرافي يختلف أيضاً. إذ ما القاسم المشترك بين مريض نفسي من باكستان وآخر روسي وثالث أميركي؟ وكيف اختلفت صورة مُنشآت العلاج النفسي بين العامين 1892 و1979؟ في الحقيقة إن دراسة هذه الأعمال الأدبية تسمح بطرح أسئلة أكثر عُمقاً عن الحدود بين العقل والجنون ومن يرسمها، وعن مستشفيات الأمراض العقلية بوصفها أدوات للسيطرة الاجتماعية وأحياناً امتداداً للإرث الاستعماري في بلدان محددة كباكستان ولبنان.
العنبر رقم ستة: المريض في مواجهة الطبيب
تمتلك قصة أنطون تشيخوف الشهيرة أهمية خاصة كأولى الأعمال التي ظهر فيها مستشفى الأمراض العقلية بوصفه مسرحاً للحدث. فإذا كان كُتاب القصة القصيرة «خرجوا من تحت معطف غوغول» فإن استعارة مستشفى الأمراض العقلية خرجت بلا شك من «عنبر» تشيخوف.
تنطلق شرارة الحكاية من شائعة سرت في أحد المستشفيات الروسية بأن الطبيب مدير المشفى أندريه يفيميتش بات يتردد على العنبر السادس المُخصص للمرضى النفسيين لزيارة المريض إيفان دميتريتش. والأخير شاب مُتعلم من طبقة النبلاء سبب له تدهور أوضاع أسرته المالية أزمة نفسية عميقة أودت به إلى العنبر.
ورغم أن تشيخوف يرسم صورة عامة عن المشفى الكئيب المُظلم وظروف المقيمين فيه، لكن تركيزه ينصب على الثنائية التي يخلقها بين الطبيب ومريضه. مقابل الأحاديث الباهتة والسطحية مع الناس خارج المشفى، يجد أندريه يفيميتش متعة خاصة في الحديث إلى الشاب إيفان. الطبيب السلبي وضعيف الشخصية كان قد أهمل مستشفاه حينما شعر بلا جدوى الإصلاح إذ يقول: «لماذا نمنع الناس من أن يموتوا طالما أن الموت هو النهاية الطبيعية المشروعة لكل إنسان». وكي يُبرِّر الطبيب لنفسه سلبيته وعجزه عن إصلاح مستشفاه وتحسين حياة مرضاه، يُقنع نفسه بأن الألم يُفضي بالناس إلى الكمال.
ورغم أن العمل كُتب في العام 1893، لكننا نرى فيه نقداً وتوصيفاً لخطاب الطبيب المُمثل لطبقة المثقفين والنبلاء الروس في تلك الفترة، والذي يُشبه كثيراً تعاليم التنمية البشرية وتطوير الذات التي سادت في عالمنا في السنوات الأخيرة.
ففي حين يُحاول الطبيب إقناع مريضه ألا فرق بين غرفة مكتب دافئة وعنبر المستشفى القذر لأن «سَكينة الإنسان ورضاه تنبعان من داخله»، يرد المريض: «أنا أرد على الألم بالصراخ والدموع، وعلى الخسة بالسخط، وعلى الدناءة بالتقزز. وأعتقد أن ذلك هو ما يسمى بالحياة». في حين يواجه طبيبه في موضع آخر قائلاً: «إنك تحتقر الألم، لكن لو أن إصبعك انحشرت في الباب فربما صرخت بأعلى صوتك».
سرعان ما يُنظر إلى الطبيب الذي بات يمضي ساعات غارقاً في حديث محموم مع مريضه بوصفه خَرِفَاً، ما يُفضي لاحقاً إلى استقالته وتدهور وضعه النفسي جراء الكرب الذي أحسّه. تنتهي الحكاية حينما يتم اقتياد أندريه يفيميتش عن طريق الخدعة إلى داخل العنبر، ليُحتجز هناك بوصفه مختل العقل، حيث يختبر لأول مرة جدوى تعاليمه عن معنى الألم والرضا النابع من الداخل. إلا أن شعوره المُتجذر بالظلم جراء حرمانه من الحرية ووصمه بالجنون لأنه استمتع بصحبة إيفان، تفضي به بعد ساعات إلى الموت.
عند قراءة العنبر رقم ستة لا يمكن إغفال حقيقة أن مؤلفها كان بدوره طبيباً، وبالتالي فالحوار بين المريض والطبيب يُمكن قراءته كصراع داخلي عاشه تشيخوف حول التبلد العاطفي الذي تخلقه مهنة الطب، وما يولده ذلك من ذنب لدى الطبيب الذي يجد نفسه عاجزاً عن مواجهة الموت ومساعدة مرضاه سواء أحسن عمله أم أهمله. وبالتالي فتشيخوف وضع هنا خدر مشاعر الطبيب مقابل الحساسية المُفرطة للمريض. ينتهي الصراع بأن يتخلى الطبيب عن دفاعاته النفسية ويبدأ للمرة الأولى بالتعبير عما يُحسّه بحيث يُوصم بالجنون وتُنتزع حريته منه.
مشفى أمراض عقلية في لاهور: أين تبدأ الهند وتنتهي باكستان؟
ستمر بضعة أعوام قبل أن تظهر استعارة مستشفى الأمراض العقلية مرة أخرى في حكاية «توبا تيك سينغ». كاتبها سعادت حسن مانتو ولد عام (1912) في إقليم البنجاب، وتوفي عام (1955) في لاهور، باكستان، نتيجة فشل كبدي ناجم عن إدمان الكحول، الذي أفضى به سابقاً إلى دخول مصح للعلاج النفسي.
في عام (1947)، وكحالِ كثيرٍ من معاصريه، اضطرب عالم مانتو بأكمله بفعل تقسيم الهند، حيث اضطر إلى مغادرة بومباي منتقلاً إلى باكستان عام (1948)، ما ترك أثراً عميقاً عليه. وكما يُشير بعض كُتّاب سيرته: «تأمل هو أن يجد في باكستان الأرض الموعودة، لكن وبدلاً من أنهر الحليب والعسل وجد نفسه مغترباً بصورة تامة».
أمّا قصته موضع الدراسة فتدور في مشفى للأمراض العقلية في مدينة لاهور في باكستان بعد سنتين من إعلان تقسيم الهند وباكستان إلى دولتين منفصلتين. قررت السلطات الرسمية في البلدين فصل مرضى الأمراض العقلية بحيث يجري إرسال السيخ والهندوس إلى الهند والإبقاء على المسلمين في باكستان. بمجرد انتشار الأخبار، يبدأ المرضى بتقمص أدوار السياسيين ورجال الدين الهندوس والمسلمين، كما يناقشون البديهيات محاولين استيعاب كيف يُمكن لمكان واحد أن يُصبح مكانين وأين تبدأ حدود أحدهما وفي أي نقطة تنتهي.
بطل القصة هو سيخي مالك أرض سابق مولع بقطعة أرض كان يمتلكها في منطقة توبا تك سينغ ضمن باكستان بحيث باتت لقبه، لكن حالته العقلية تتدهور نتيجة الارتباك الذي أحدثه التقسيم وما نتج عنه من تداخل الحدود، وزعزعة للجغرافيا. بالنسبة له يتحول تحديد موقع بلدته «توبا تيك سينغ» على الخريطة إلى هاجس، لكن أحداً لا يُقدم إجابات شافية. وفي ليلة «تبادل المجانين» المقررة، يستسلم بطل القصة – الذي أمضى سنوات في المستشفى صاحياً دون نوم – للرقاد أخيراً، ليموت على الحد الفاصل تماماً بين البلدين؛ الهند عن يمينه وباكستان عن يساره، في «نقطة حدودية لا اسم لها».
ورغم أن مقولة القصة وخاتمتها قد تبدو اليوم مباشرة ومُغرِقة في الدرامية، لكنها قد تكتسب بعض الأبعاد الإضافية حينما يتم التوقف عند رمزية مستشفى الأمراض العقلية في سياق الهند بوصفها مستعمرة بريطانية.
ففي كتابها «مصحات المجانين في بومباي الاستعمارية: أجساد مُقيَّدة، وعقول فُكَّت قيودها» (2018) تتحدث سارة آن بينتو عن أشكال من العنف الرمزي والمعرفي التي مارستها المصحات النفسية التي أنشأتها بريطانيا في الهند. إذ يكشف الكتاب عن معاناة مُتعدّدة الطبقات تبدأ من صراع بين القيم المجتمعية وتنتهي بالواقع المُزري والفساد داخل المؤسسات نفسها. حيث نُظِر مثلاً إلى معارف وممارسات المعالجين التقليديين كخرافات مُتخلفة، في مقابل المعرفة الغربية التي اعتُبرت حديثة وعلمية، رغم أن الطب النفسي في تلك الفترة لم يكن قد تطور بعد، كما هو اليوم، حيث اعتمد على أساليب علاجية شديدة القسوة مثل الصعق بالكهرباء وفرض ارتداء سترة التقييد القسرية إلى جانب الربط بالأغلال الحديدية والضرب.
ورغم أن الكاتبة لا تُدافع عن ممارسات العلاج القديمة، لكنها تُضيء على خلفيتها الفلسفية القائمة على فهم خاص لفكرة «الروح الإنسانية» وكيفية علاج جروحها، لتُظهر أن طرق العلاج الغربي عجزت عن فهم خصوصية هذه المجتمعات وتعاملت معها بكثير من القسوة. فمُقابل طابع الاحتضان الاجتماعي القائم على علاج المريض ضمن أسرته بدلاً من عزله، انطلقت مؤسسات الطب النفسي من قيم الفردية لتَفصل المريض عن محيطه.
تذكر بينتو أيضاً أن المعتقدات الشعبية امتلكت مُخيلة أوسع ورأت أن بعض أنواع الجنون، وخصوصاً المرتبطة بالآلهة أو الكائنات السماوية، قد تحمل سمات إيجابية، مثل الميل الشديد إلى العبادة أو الموسيقى أو الرقص، مقابل الجنون المرتبط بالشياطين أو الأرواح الشريرة والذي يُفضي غالباً إلى سلوك عنيف أو تدميري للذات ويتطلب حذراً أكبر.
ولهذا اعتمد المعالج الهندوسي على التعاويذ، والبخور، والرماد المبارك، والأعشاب العلاجية، والتمائم، والأوراق التي تحمل أسماء الآلهة. أمّا المعالج المسلم فكان يستخدم التمائم، وتلاوة أسماء الله، والتبخير. لكن المؤسسات الاستعمارية، كما تقول الكاتبة، رفضت بالكامل هذه الممارسات، رغم كونها درستها ووثقتها بالتفصيل في كتب ومذكرات الرحالة والأطباء الغربيين.
من جانب آخر يفتح الكتاب سؤالاً أعمق حول معنى الجنون أساساً وكيف جرى تحديده في تلك المرحلة، إذ يذكر حوادث جرى فيها مثلاً سوق شخص إلى مشفى الأمراض العقلية لأنه كان يصوم ممتنعاً عن الطعام، ما عُدّ في نظر القضاة والأطباء محاولة انتحار تستوجب التدخل الطبي. أخيراً تتحدث الكاتبة عن الموقف الحكومي من إدارة «الجنون» حيث لم تتلقَ جميع المصحات النفسية ذات الاهتمام والتمويل الحكومي، إذ شهدت الكثير من ظروف الاحتجاز القاسية وتراجع مستويات النظافة والفساد داخل المؤسسة نفسها. كما أنها مثّلت بصورة أو أخرى الهيكل الاقتصادي والطبقي للمجتمع الهندي نفسه بما فيه من فصل قائم على العرق والطبقة حيث تُرك بعض المرضى مثلاً حفاة في حين مُنح آخرون من طبقات اجتماعية أعلى ثياباً وأحذية وغذاء كافياً.
أحدهم طار فوق عش الوقواق: ثورة داخل مشفى الأمراض العقلية
في أحدهم طار فوق عش الوقواق نجد أنفسنا أمام دلالات جديدة لمستشفى الأمراض العقلية. فبخلاف المتوقع عن المصح كمكان تعمُه الفوضى، نرى أنفسنا أمام منظومة مضبوطة بدقة، تُديرها كبيرة الممرضات «الآنسة راتشدت» المهووسة بالسيطرة وفرض النظام التي يكاد يتردد صوتها في جناح المشفى: «اشهقوا وأزفروا بنظامٍ تام، لتنبض القلوب جميعها حسب الأوامر التي تحملها بطاقة الأمر اليومي».
منذ الفصول الأولى للكتاب يجد القارئ نفسه داخل مكان خانق، أشبه بمختبر تجارب للسيطرة على الروح البشرية وتكميمها. رائحة البول، إبر المهدئات، صوت الأدوية وهي توزّع على كؤوس بلاستيكية، الأقفال وإغلاق الأبواب، كل التفاصيل بما فيها من مؤثرات بصرية ترسم صورة مُوحِشة ورتيبة للمستشفى من الداخل. لكن أكثر التفاصيل إثارة للفزع تبقى تلك المُتعلقة بفكرة السيطرة على الزمن؛ فكبيرة الممرضات لا تكتفي بضبط الزمن وتقديسه، لكنها تتلاعب به وفق هواها بحيث تُبطئه أو تسرّعه عابثة بعقارب ساعة الحائط كي تتسلى بمشاهدة المرضى وهم «يندفعون كالمجانين للحاق بزمنها المزيف».
لكن كين كيسي يُعقّد مقولته حول مستشفى المجانين، بوصفها مُسنن صغير في آلة السيطرة الكبرى، بإضافة طبقة جديدة من الرموز؛ فهناك عصابة رجال الأمن السود المسؤولة عن تنفيذ أوامر الممرضة والتي ترمز إلى الفئات المُهمّشة في المجتمع الأميركي، والتي يجري توظيف حنقها لتُصبح أداة في السيطرة. وهناك أيضاً راوي الحكاية برودمدن الهندي الأحمر، الذي سلبه المجتمع صوته ووسمه بالخرس. مقابل هؤلاء يظهر بطل الحكاية ماكمورفي، الإيرلندي الثائر، بوصفه رمزاً لرجل الشارع العادي، المؤمن بقيم الرأسمالية والربح والفردية والتحرّر، قبل أن تُحاول السلطة ممثلة بإدارة المستشفى سلب ذلك منه. كذلك يتضمن الفيلم نقداً للديمقراطية الأميركية الكاذبة ممثلة بجلسات النقاش الجماعي التي تعقدها إدارة المستشفى والتي تُمارس فيها الممرضة راتشدت أساليبها في التلاعب النفسي والسيطرة.
سرعان ما يجد القارئ نفسه أمام قطبين اثنين: (ماكمورفي، الآنسة راتشدت)، (الجنون، العقل)، (الخير، الشر). تُشكّل هذه الثنائية العُقدة الأساسية في العمل الأدبي. فكبيرة الممرضات تبدأ بمحاولات ترويض غريمها ماكمورفي؛ الرجل الذي يضحك ويغني، ويُفكر بغسل أسنانه خارج المواعيد المُحددة، ويُطالب بحضور مباريات البيسبول. بالنسبة لماكمورفي الجنون ليس فشلاً أو ضعفاً، بل هو نقطة قوة وفرصة ليكون المرء كما يريد وليتحدى «السيستم» ويسخر منه في كل مناسبة.
في أحد أكثر مقاطع الكتاب تأثيراً، نرى ماكمورفي بعدما فشلت مساعيه في حضور مباراة البيسبول يُحدق في تلفاز مُطفئ ويستغرق في متابعة مباراة بيسبول مُتخيلة، حتى يتجمع حوله المرضى الذين جلسوا لمتابعة المباراة بدورهم كشكل من أشكال المقاومة.
لكن حفلة الجنون هذه، بما فيها من احتفاء بحرية الإنسان وإطلاقٍ لحواسه، سرعان ما تنتهي. إذ لا تكتفي المستشفى، مُمثلة بالممرضة، بصعق ماكمورفي بالكهرباء لإخضاعه، بل تُقرر في الجولة الأخيرة من المعركة استئصال جزء من دماغه. بهذا يُصبح جسده الهامد وروحه المُطفئة لوحة تحذير متنقلة لكل من يُفكر بتقويض النظام، حتى وإن تم ذلك، من داخل مكان معزول ومنسي مِثل مشفى الأمراض العقلية.
في المشهد الأخير من الرواية، يقوم الهندي برودمان، بعدما استعاد صوته، بقتل صديقه لكي يُبقيه في ذاكرة المرضى كرمزٍ مُخلِّص ويُفشِل مساعي المؤسسة التي أرادت تحويله إلى عِبرة.
فيلم أميركي طويل: المحلية العصية على الترجمة
ننتقل الآن زمانياً ومكانياً إلى بيروت في بداية الثمانينيات حيث يذكر عدد من الكتّاب والنقاد بأن زياد الرحباني كتب مسرحيته فيلم أميركي طويل متأثراً بفيلم أحدهم طار فوق عش الوقواق. لكن وبالرغم من وحدة «التيمة» فإن زياد الرحباني ينجح في تجذير الاستعارة وتغيير سياقها التاريخي والاجتماعي، بحيث يُمكن المجادلة اليوم بأن قيمة المسرحية الحقيقية تتجلى في محليتها المُفرطة العصية على الترجمة.
تدور أحداث المسرحية في مصحة عقلية بضواحي بيروت الجنوبية خلال الحرب الأهلية اللبنانية (أيلول ‘سبتمبر’ 1980)، وأبطالها سبعة مرضى نفسيين ومدمنَين يُمثّل كل منهم «نمطاً» أو شريحة من شرائح المجتمع اللبناني خلال الحرب. فهناك مدمن المخدرات، والمثقف المهووس بنظريات المؤامرة، والأرمني العاجز عن فهم هويته المُركبة، والمريض المهووس بالانفجارات، ورجل الشارع العنيف، واليساري المضطرب، إلى جانب شخصيات تُعاني من رُهاب الإسلام والخوف الدائم من الآخر.
في مسرحية الرحباني لا وجود لبطل أساسي يقود الأحداث أو يوجهها مثل ماكمورفي. حيث اعتماد زياد حبكة قصصية بسيطة، فالكادر الطبي في المستشفى يُجرِّب طرقاً علاجية مُختلفة بهدف تهجين المرضى ومساعدتهم على قبول الواقع اللبناني كما هو. تتضمن العلاجات تغيير الأدوية والعقاقير الطبية، ومن ثم عقد جلسات علاج جماعية، تليها لقاءات فردية بين الطبيب وكل مريض، وصولاً إلى لحظة الذروة.
فحينما يشعر الكادر الطبي بالخطر لأن منطق المرضى ورؤيتهم لواقع بلادهم، بما فيه من عبثية وفوضى، بدأ يتفشى بين الممرضين والأطباء أنفسهم، يأتي علاج الصعق بالكهرباء كخطوة أخيرة لتدجين المرضى وإسكاتهم نهائياً. هذا الشكل من أشكال «الإدارة الحكومية للجنون» وفق تعبير سارة آن بينتو يُعزز الرسالة السياسية المباشرة لمسرحية الرحباني، فالكادر الطبي يظهر بوصفه امتداداً للمنظومة الطائفية والسياسية في لبنان التي تسعى للتطبيع مع جنون الحرب الأهلية وإسكات كل من يستنكره. وبالتالي يظهر الجنون كحق أخير أو صرخة احتجاج نسمعها على لسان أحد المرضى في آخر المسرحية مُعلناً بأن محاولات التدجين وكتم الصوت ستبقى مؤقتة.
وعلى اعتبار أن الموضوعة لم تحمل هنا تجديداً حقيقياً، يُمكِن القول بأن الحوار هو القيمة المُضافة الحقيقية لهذا العمل. إذ بنى الرحباني حواراتِ أبطالِه بالكامل عبر إعادة صياغة لغة الشارع اليومية بأسلوبٍ ساخرٍ ومتقن على شكل حوارات مطوّلة بين المرضى أنفسهم أو مع الكادر الطبي، مما يُتيح لكل شخصية التعبير عن مخاوفها وانهياراتها وتاريخها الشخصي. وبالتالي فبراعة الحوار هنا لم تأتِ من كونه جديداً وغير متوقع، بل على العكس في كونه مُكرّساً ومُكرراً في الحياة اليومية رغم عبثيته التي تتكشَّف فقط حينما يستنكره المَوصُومون بالجنون في مشفى الأمراض العقلية.
بخلاف كين كيسي، لا يُشَيطين زياد الرحباني الكادر الطبي ولا يحمله آثام المجتمع. بل يجعل مشفى الأمراض العقلية مرآةً يُوجّهها المجتمع إلى نفسه كي يعترف بمسؤوليته الفردية والجماعية عن الجنون الجمعي الذي أفضى أخيراً إلى الحرب الأهلية اللبنانية. بهذا يبقى المُتلقي بعد انتهاء المسرحية مشغولاً بالعالم الخارجي المحيط بالمشفى أكثر من قلقه على ما يحصل داخله.
من جانب آخر وبالنظر إلى سياق الحرب الأهلية اللبنانية وبيروت المُقسمة بين شرقية وغربية، يُمسي عمل الرحباني الذي يُركز على رمزية الموقع الجغرافي للمستشفى نفسه، أقرب في سياقه إلى عمل سعدات مانتو الذي جاء تعبيراً عن الكرب الناجم عن الانقسامات الجغرافية والاقتتالات الطائفية والعرقية. كما أن واقع مؤسسات العلاج النفسي في لبنان تُشبه أيضاً سياق نشأتها في الهند. فكتاب «أرواح مُضطربة: المرض النفسي، الصدمات النفسية، والعلاج في سوريا ولبنان المعاصرتين» للمؤلفته بيفرلي أ. تساكويانز (2021) يتحدث أيضاً عن مستشفيات الطب النفسي الأولى كمنشآت استعمارية أنشأتها فرنسا في البلدين. لكن تساكويانز تُجادل بضرورة بناء تصوّر أكثر واقعية حول المرض النفسي وكيفية التعامل معه، إذ ترى أن «التوتر بين الأطباء النفسيين والمعالجين الشعبيين قد نشأ في الوقت الذي أدت فيه التحولات السياسية منذ أواخر القرن التاسع عشر إلى تدمير النفس الجماعية والفردية وزعزعة النظام الاجتماعي». لكنها تُضيف بأنه لا يجب المغالاة بإضفاء الطابع الرومانسي على فكرة المرض النفسي بوصفه استعارة عن الصدمة المجتمعية أو تعبيراً عن الروح المُتحررة، لأن هناك عدداً كبيراً من الأشخاص الذين يكافحون يومياً في وجه صعوبات وأمراض نفسية حرِجة ومُعقدة تُعيقهم عن النمو أو التواصل مع الآخرين وتُشكّل تهديداً لحياتهم. من جانب آخر تُذكِّر الكاتبة أيضاً بأن الممارسات الشعبية المُتمثلة بطرد الجن أو الإيمان بمسِّ الشيطان سبَّبت في كثير من الأحيان صدمات شديدة للأفراد الذين يُعانون من صعوبات نفسية. فالمُعالج الشعبي أباح لنفسه تحديد السويّ مِن غير السويّ، وفرضَ علاجاتٍ بالغةً في العنف إزاءَ الأشخاص من ذوي الإعاقة مثلاً لأن أجسادهم لم تتطابق مع معايير الجسم الطبيعي أو المثالي.
ورغم أن الكاتبة تعترف بأن قصة تطور العلاج النفسي في الشرق الأوسط رُوِيت إلى حدٍّ كبيرٍ من خلال الأدوار الفرنسية أو البريطانية أو الأميركية في إنشاء المصحّات والمستشفيات والمدارس، لكنها تُشير رغم ذلك إلى ضرورة تفكيك ثنائية الصراع بين الطبيب النفسي والمعالج الشعبي بوصفها إعادةَ تمثيلٍ للصراعِ بين المستعمِر والمستعمَر، والتقليدي والحديث، والعلم والمُعتَقد. فهي تقترح ضرورة عدم الفصل بين فضاءات المعرفة والممارسة الأجنبية والمحلية. وتُذكّر بأن بلدان مثل سوريا ولبنان عانت بالفعل من ديكتاتوريات مُتجذّرة وصدمات متتالية تجعل الناس إلى اليوم في حاجة متزايدة إلى علاج نفسيٍّ آمنٍ وفعّال يأخذ بيدهم ويُساعدهم على التأقلم وتجاوز أثر الصدمات.
مشفى الأمراض العقلية كموشور زجاجي لكل مجتمع
انطلقت الأعمال الأربعة التي جرى نقاشها من مقولات تتشابه في الظاهر حول مشفى الأمراض العقلية كأداة للسيطرة الاجتماعية تُكبِل حرية الفرد وتفرض معاييرها للحكم على الأصحاء والمرضى النفسيين. لكن وحدة المقولة لم تجعل هذه الأعمال نسخاً متطابقة، من حيث تقنيات الكتابة، أو الرسالة النهائية، أو الجرعة الانفعالية. رغم التأثر والتأثير المُتبادل، بقيت الأعمال أصيلة بحيث قدّمت صورة مُكثّفة عن واقع الحياة في هذا البلد أو ذاك. فتأثير العنبر رقم ستة يتجاوز حدود روسيا، أمّا «توبا تيك سينغ» فتُعدُّ اليوم واحدة من أشهر القصص القصيرة الباكستانية وما تزال تُستَعاد باعتبارها وثيقة صادقة عن الكرب النفسي الذي خلّفته مرحلة تقسيم الهند. وبالتوازي، يكتب النقاد عن مشفى كين كيسي بوصفه «صورة مُصغرة عن المجتمع الأميركي الكبير» وكذلك الأمر فيما يتعلق بمسرحية زياد رحباني التي يقتبس الناس من حواراتها يومياً في سوريا ولبنان للتعبير عن سخطهم وتهكمهم من واقعهم الذي يُكرّر نفسه حدَّ المللِ كفيلم أميركي طويل.
من جانب آخر يُمثِّل كل عمل من الأعمال المذكورة مرحلة مختلفة من مراحل تكريس الطب النفسي الحديث ممثلاً بالمستشفى. ففي حين يعكس عمل تشيخوف أولى مراحل التحوّل من العلاج الشعبي الروسي إلى الطب الحديث، يظهر المشفى الأميركي كنموذج للمؤسسات الحكومية والطبية ما بعد الحرب العالمية الثانية. في حين يرمز المشفى في كل من باكستان ولبنان كإرث ما بعد استعماري أو أداة مقحمة على نسيج المجتمع الأصلي.
كذلك تختلف الأعمال الأربعة في موقفها من القائمين على المؤسسة الطبية، ففي حين يمحو تشيخوف الحدود بين المريض والطبيب مُركّزاً على الصراعات التي يعيشها الأخير أيضاً، يُقدِّم مانتو توجهاً حيادياً تجاه الأطباء الذين كانوا يُنفِّذون أوامر السلطات في باكستان والهند دون زيادة أو نقصان. أمّا في عمل كين كيسي فالموقف من الكادر الطبي أشدُّ شراسة، حتى أن بعض النقاد جادلوا بأن الرواية مُعادِية للنساء لحصرها السلطة القمعية بالممرضة التي تُمارِس التلاعب النفسي وأساليب العلاج السادية مُقابل بطل الرواية المُمثّل لقيم الذكورة الفوضوية. في حين أن زياد الرحباني ورغم كونه يُصوّر الأطباء كأداة عنفٍ تستخدم الصعق الكهربائي، لكنه سرعان ما يُوجِّه الانتباه إلى ما يحدث خارج حدود المؤسسة بحيث يبدو الجنون بين جدرانها «نقطة في بحر» جنون الحرب الأهلية.
من جانب آخر تكتسب هذه التمثيلات الأدبية أهميتها بالنظر إلى حساسية قضية المرض النفسي في كلِّ بقاع العالم والنقاش المطروح حول معالجتها في الأعمال الأدبية والدرامية والسينمائية. ولهذا مثلاً وُجِّه نقد إلى كتاب أحدهم طار فوق عش الوقواق والفيلم المُقتبس عنه، باعتبارهما يُصوّران المصحّ النفسي كمكان قمعي أشبه بالسجن، ويصوّران العلاج النفسي بوصفه أداة للسيطرة بدلاً من للعلاج. حيث رأى النقاد أن هذا النوع من التمثيلات أثّر على الثقافة الشعبية وزاد من حالة الوصم التي ترتبط بالمرض النفسي.
في الحقيقة فإن هذا النقد يحمل وجهاً من الصحة، لأننا لا نرى مثلاً في الأعمال الأدبية ما يكفي من التمثيلات حول الممارسات الشعبية في روسيا أو باكستان أو لبنان أو أميركيا قبل ظهور الطب النفسي الحديث، حينما كان الناس يُكبلون ويُضربون ويخضعون للممارسات مُفرِطة في عنفها بحجة طرد الأرواح والجن والشياطين. ولهذا فالحجة التي تُقدِّمها بيفرلي أ. تساكويانز في كتابها، حول ضرورة محو الحدود بين العلاج الشعبي والطب الغربي تكتسب أهمية خاصة هنا، لأن الطب النفسي يجب أن يُراعي الخصوصيات الثقافية بحيث يستفيد من القيم الإيجابية في الموروث الشعبي في حين يتجاوز الممارسات العنيفة والرجعية التي أثبت العلم فشلها ولا إنسانيتها.
واليوم في ظلِّ ارتفاع معدلات المشكلات النفسية بأطيافها المختلفة، تزداد الحاجة إلى إيجاد حلول حانية وإنسانية تُضمّد ما أسمته سارة آن بينتو بـ«جروح الروح». فاليوم يُجادِل بعض الأخصائيين النفسيين بأن العالم لم يَعُد ينقسم إلى سليمين ومرضى عقليين بل يجب تقسيمه إلى أشخاص مُشخَّصين وآخرين لما تُشخَّص مشكلاتهم بعد.
ويبدو هذا الفهم الأخير أكثر واقعية لأن النجاة النفسية المُطلقة تبدو مستحيلة اليوم في الواقع الذي نعيشه. وهذا يُكسب دلالةً خاصةً للعبارة التي صرخ بها إيفان دميتريتش من قلب العنبر السادس عام 1892 حينما قال لطبيبه ساخطاً: «مئات المجانين ينعمون بالحرية لأن جهلك غير قادر على تمييزهم عن الأصحاء، فلماذا ينبغي عليّ أنا وهؤلاء التعساء البقاء هنا بدلاً من الجميع ككبش فداء؟».
-