بين محكمة الجنايات العليا في إسطنبول والمحكمة الجنائيّة الدوليّة في لاهاي، يتحرّك اسم رئيس الحكومة الإسرائيليّة بنيامين نتنياهو على مسارين قانونيَّين مختلفين، فيما تحاول أنقرة فتح مسار ثالث عبر طلب إصدار نشرة حمراء من الإنتربول بحقّه. والسؤال لم يعُد فقط: هل تستطيع تركيا ملاحقة نتنياهو عبر الإنتربول، بل إلى أيّ مدى تستطيع أن تجعل العالم أضيق أمامه؟ وماذا تريد أنقرة فعلاً؟
المسار القضائيّ التركيّ ضدّ نتنياهو سبق الضربة الإسرائيليّة على مطار أبو الظهور والتصعيد التركيّ ـ الإسرائيليّ في سوريا. لكنّ تحريك طلب أنقرة عبر الإنتربول جاء في لحظة بدأت فيها المواجهة بين تركيا وإسرائيل تنتقل من تبادل الات هامات إلى صراع على النفوذ والردع والقواعد التي تحكم الحركة في الإقليم.
قد لا تكون المعركة على من يضع الأصفاد في يدي نتنياهو، بل على عدد العواصم التي ستظلّ مستعدّة لاستقباله من دون أن تحسب كلفة ذلك.
تركيا توظّف ملفّ نتنياهو في صراع سوريا
لم تبدأ قصّة نتنياهو في الإنتربول بعد ضربة أبو الظهور، بل بدأت قبلها داخل القضاء التركيّ. ففي 14 تمّوز الماضي أصدرت محكمة الجنايات العليا في إسطنبول أوامر توقيف بحقّ نتنياهو، قبل أن تتحوّل القضيّة في 21 آب من الشهر الجاري إلى طلب رسميّ للتحرّك عبر الإنتربول.
هنا تكمن أهميّة التوقيت: لا تقدّم أنقرة ملفّاً قضائيّاً وُلد كردّ فعل مباشر على التصعيد الإسرائيليّ في سوريا، لكنّها اختارت تحريك ورقة الإنتربول في اللحظة التي انتقل فيها الخلاف التركيّ ـ الإسرائيليّ من سجال سياسيّ إلى صراع على النفوذ والتموضع والردع في سوريا.
هذا يمنح الخطوة التركيّة قراءتين متوازيتين:
ـ الأولى قانونيّة: هناك قضيّة قائمة، وأوامر توقيف صادرة عن القضاء التركيّ، وطلب جرى تحريكه عبر القنوات الرسميّة.
ـ الثانية سياسيّة: تعرف أنقرة أنّ اسم نتنياهو أصبح نقطة التقاء بين المواجهة من أجل غزّة والاتّهامات المرتبطة بخرق القوانين الدوليّة في أعالي البحار (أسطولا الحرّيّة والصمود)، والمواجهة المتصاعدة في سوريا.
هنا تتحرّك أنقرة في مساحة محسوبة: إذا نجحت في الوصول إلى النشرة الحمراء، فهي تحقّق مكسباً قانونيّاً وسياسيّاً واضحاً. وإذا تعثّر الطلب، فإنّها تكون قد نقلت ملفّ نتنياهو من مستوى الملاحقة الوطنيّة التركيّة إلى نقاش دوليّ فيه.
لم تبدأ قصّة نتنياهو في الإنتربول بعد ضربة أبو الظهور، بل بدأت قبلها داخل القضاء التركيّ
معركة نتنياهو القانونيّة تتجاوز تركيا
تحتاج أنقرة إلى أن تثبت أنّ قضيّتها ضدّ نتنياهو ليست قضيّة تركيا وإسرائيل، بل قضيّة جريمة واتّهام وقضاء. أمّا إسرائيل فستحاول إقناع العالم بأنّ الخطوة التركيّة ليست سوى امتداد للصراع السياسيّ بين البلدين. وبين الروايتين سيجد الإنتربول نفسه أمام المعادلة التالية: وجود سياق سياسيّ لا يعني تلقائيّاً أنّ الطلب نفسه سياسيّ، فأنقرة تستند إلى أوامر توقيف صادرة عن محكمة تركيّة في قضيّة جنائيّة محدّدة.
لا تحتاج أنقرة إلى أن تنتصر في كلّ المسارات. يكفيها أن تتراكم المسارات. ذلك أنّ مذكّرة توقيف من القضاء التركيّ، وطلباً عبر الإنتربول، ومذكّرة توقيف من المحكمة الجنائيّة الدولية في لاهاي، هي مسارات قانونيّة مستقلّة لا تنتج الأثر نفسه، لكنّها تلتقي عند اسم واحد: بنيامين نتنياهو.
هنا لا يبرز السؤال: من يستطيع اعتقال نتنياهو؟ بل كم دولة ستظلّ مستعدّة لاستقباله من دون أن تتحوّل زيارته إلى قضيّة قانونيّة وسياسيّة؟
حتّى النشرة الحمراء، إذا صدرت، ليست في حدّ ذاتها مذكّرة اعتقال دوليّة ملزمة. فهي طلب لتحديد مكان الشخص وتوقيفه مؤقّتاً، بينما يبقى قرار التوقيف خاضعاً لقوانين الدولة التي يوجد فيها.
أنقرة تراكم المسارات القانونيّة بوجه نتنياهو
لكنّ القيمة السياسيّة قد تبدأ قبل الأثر التنفيذيّ. فانتقال الطلب التركيّ إلى الإنتربول يضيف طبقة جديدة إلى ملفّ نتنياهو، ويضع الدول أمام سؤال لم يعد بالإمكان تجاهله بسهولة: ماذا تفعل عندما يدخل مسؤول أجنبيّ مطلوب أمام أكثر من مسار قضائيّ إلى أراضيها؟
هنا تكمن أهمّيّة الربط مع لاهاي. لا تعمل أنقرة في فراغ قانونيّ دوليّ، فهي تضيف مساراً تركيّاً إلى مسار قائم أصلاً أمام المحكمة الجنائيّة الدوليّة. ولذلك لا ينبغي قياس نجاحها فقط بقدرتها على الوصول إلى نتنياهو، بل بما يمكن أن تتركه هذه المسارات مجتمعة على هامش حركته.
هنا قد تكون أنقرة بصدد محاولة نقل نتنياهو من موقع رئيس حكومة يواجه خصماً سياسيّاً إلى موقع مسؤول تتراكم حوله أدوات الملاحقة القانونيّة الدوليّة.
قد يكون الفارق هنا بين النجاح القانونيّ والنجاح السياسيّ. فقد لا تصل النشرة الحمراء إلى لحظة توقيف، وقد لا تنتهي القضيّة بتسليم نتنياهو، لكنّ انتقال اسمه بين أكثر من مسار قضائيّ يمكن أن يغيّر طريقة تعامل بعض الدول معه، ويجعل قرار استقباله أكثر حساسيّة من السابق.
أنقرة تستهدف هامش حركة نتنياهو لا اعتقاله
إذا كان الوصول إلى نتنياهو صعباً، فإنّ الوصول إلى هامش حركته قد يكون أسهل. فأنقرة لا تحتاج بالضرورة إلى أن تضعه في طائرة متّجهة إلى إسطنبول كي تقول إنّها نجحت. يكفي أن تجعل السفر مخاطرة، والزيارة موضع حساب، والاستقبال الدبلوماسيّ سؤالاً، وأن يتحوّل اسمه في بعض العواصم من اسم رئيس حكومة إلى اسم مطلوب يستوجب التفكير قبل استقباله.
ربّما لن يعتقل الإنتربول نتنياهو، وربّما لن تطأ قدماه إسطنبول مكبّلاً. لكنّ هذا ليس بالضرورة معيار نجاح أنقرة. فالمعركة التي فتحتها تركيا قد تكون أوسع من مسألة اعتقال شخص: إنّها محاولة لاختبار ما إذا كان بالإمكان توظيف أدوات القانون الدوليّ في الملاحقة والمحاسبة.
إذا كان الوصول إلى نتنياهو على درجة من الصعوبة، فإنّ تغيير كلفة حركته قد يكون أكثر واقعيّة. عندها لا يصبح السؤال فقط: أين يمكن اعتقاله؟ بل أين يستطيع أن يسافر؟ ومن يستطيع استقباله؟ وكيف ستتعامل العواصم مع مسؤول تتقاطع حوله مسارات قضائيّة متعددة؟
هنا تكمن المفارقة: قد لا تصل النشرة الحمراء إلى نتنياهو، لكنّها قد تصل إلى ما هو أبعد منه: إلى حسابات الدول التي تستقبله.
