غادرنا أمس الأول الفنّان التشكيليّ الفلسطينيّ سليمان منصور عن 79 عاماً. غادر دنيانا من القدس، والذين يغادروننا من القدس يعرّجون إلى السماء من دون وسيط أو وساطة. الطريق من القدس إلى السماء مفتوحة مذ عرّج النبيّ محمّد منها.
هي أسهل الطرق وأقربها، وقد اختارها سليمان منصور لينقل “المحامل” على ظهره إلى هناك، وكأن لا أذن تصغي للفلسطينيّ إلّا فوق، في السماء، السماء التي فوق القدس. ولا عين ترى الفلسطينيّ و”جمل المحامل” لوحته الأشهر، إلّا فوق. ولا يد تحنو عليه إلّا يد السماء.
من عمر النّكبة
وُلد سليمان منصور في بيرزيت عام 1947. عمره من عمر النكبة، ولا أدري أيّهما سبق الآخر بأشهر، النكبة أم هو.
على أيّ حال لا فرق، فقد شرب منصور النكبة حتّى الثمالة، ورسمها فلخّصها في لوحة، لوحات، ولوّنها علّ الألوان تُخرجنا جميعاً من النهر إلى البحر، ومن الخليج إلى المحيط، من تلك العتمة التي لم تفارقنا يوماً منذ عقود، منذ جرح، منذ نكبات.
قبل أن يخطو خطواته الأولى، نُكبت فلسطين. وقبل بلوغه الرابعة من عمره فقدَ والده وجدّه، فذاق طعم اليتم مبكراً. التحق بمدارس بريطانيّة داخليّة للأيتام في بيت لحم وبيت جالا، وهناك بدأت علاقته بالرسم.
عام 1967، وقعت النكسة، فحالت دون سفره إلى الولايات المتّحدة الأميركيّة للتخصّص في الفنّ. وبدلاً من أن يحفر اسمه على اللوحات، راح يحفر في الأرض لدفن شهداء النكسة، وبقي في القدس حيث التحق بأكاديميّة بتسلئيل للفنون والتصميم بين عامَي 1967 و1970. وهناك بدأ يرسم الحياة الفلسطينيّة ويوثّق تفاصيلها. باختصار قرّر أن يدافع عن فلسطين. قرّر أن يقاتل، لكن بريشة، ريشة ثبت لاحقاً أنّها أشدّ على العدوّ من الأسلحة الفتّاكة والرصاص والصواريخ.
عام 1973، أنجز لوحته الأشهر “جمل المحامل”. ومنذ ذلك الحين، وهي معلّقة على جدران كلّ بيت فلسطينيّ في فلسطين وخارجها. تصوّر اللوحة رجلاً فلسطينيّاً يمشي حافياً حاملاً على ظهره القدس والمسجد الأقصى وكنيسة القيامة والمنازل والمآذن والقباب. ويُذكر هنا أنّ هذه اللوحة التي رُسمت عام 1973، دُمّرت في ليبيا أو فُقدت هناك منتصف ثمانينيّات القرن الماضي بغارة أميركيّة، وأعاد منصور رسم نسخة ثانية منها عام 2014 مع بعض التعديلات.
درّس الفنون التشكيليّة، ونشط رسّاماً للكاريكاتور في صحيفة “الفجر” المقدسيّة ومجلّة “العودة”، وشارك في تأسيس رابطة الفنّانين التشكيليّين الفلسطينيّين ورأسها بين عامَي 1986 و1990. وساهم في تسعينيّات القرن الماضي في تأسيس مركز الواسطيّ للفنون في القدس الشرقيّة، وشارك عام 2004 في تأسيس الأكاديميّة الدوليّة للفنون في فلسطين، وهي أوّل أكاديمية دوليّة متخصّصة في الفنون الجميلة هناك.
إلى جانب أيقونته الشهيرة “جمل المحامل”، تبرز لوحات منصور الخالدة مثل “غزل العروق” و”الهويّة” و”فلسطين”، وقد أبدع فيها باستخدام الطين والحنّاء والتبن لتجسيد الأرض والقرية والفلّاح الفلسطينيّ.
رؤى جديدة
إبّان الانتفاضة الأولى سأل منصور: “كيف نرسم مقاومة الاحتلال بألوان نشتريها من إسرائيل؟”، وأسّس برفقة نبيل عناني، تيسير بركات، وفيرا تماري مجموعة أطلقوا عليها اسم “رؤى جديدة”، وقاطعوا الأدوات المستوردة من إسرائيل واستعاضوا عنها بموادّ أوّليّة فلسطينيّة صرفة مثل الطين، التبن، الحنّاء، القهوة، وشحم الحيوانات.
في لوحات منصور زيتون وبرتقال وأثواب فلسطينيّة مطرّزة. وفي لوحاته أيضاً بيوت وقرى ومدن وأحياء وشهداء وأطفال ورجال وكبار في السنّ ونساء وفلّاحون، وفيها القدس والأقصى. في لوحاته كلّها تحضر فلسطين. تحضر بشراً وحجراً وشجراً، حتّى غدت لوحاته وطناً كاملاً يرجع إليه الفلسطينيّون والزوّار كلّما حنّوا إلى فلسطين، إلى بيوتهم وقراهم ومسرى أرواحهم.
يُعدّ منصور أحد مؤسّسي الحركة الفنّيّة الفلسطينيّة المعاصرة. شكّلت تجربته الفنّيّة على مدى عقود “جزءاً من الذاكرة البصريّة والوطنيّة الفلسطينيّة”، حسب ما نعته وزارة الثقافة الفلسطينيّة.
وقد حظي خلال مسيرته بالعديد من التكريمات والجوائز، أبرزها:
ـ جائزة الصالون الأوّل للفنّ التجريديّ (1998): نالها في عُمان في الأردن.
ـ جائزة فلسطين الدوليّة للتميّز والإبداع (2008): كرّمته بها المؤسّسات الفلسطينيّة الرسميّة تقديراً لدوره وكونه أحد أعمدة الفنّ المقاوم.
ـ جائزة اليونسكو – الشارقة للثقافة العربيّة (2019): مُنِحت له تقديراً لدوره الاستثنائيّ في نشر الفنّ والثقافة العربيّة وتعزيز الحوار الثقافيّ على مستوى العالم.
ـ جائزة النيل للمبدعين العرب (2025): منحته إيّاها وزارة الثقافة المصريّة، وهي أرفع جائزة تمنحها الدولة للمبدعين العرب، تقديراً لبصمته التاريخيّة في الفنّ التشكيليّ المعاصر.
بالإضافة إلى لوحاته، شارك منصور في إعداد كتاب “دليل التطريز الفلسطينيّ” (1986)، و”الملابس الشعبيّة الفلسطينيّة” (1987)، و”على درب الغول” (2026) الذي يتضمّن مذكّراته التي كتبتها على هيئة سيرة غيريّة الكاتبة رنا عناني وصدرت قبيل وفاته بأشهر قليلة عن مؤسّسة الدراسات الفلسطينيّة.
اكتمل النّصاب
برحيله يفقد كلّ بيت فلسطينيّ عموداً فيه، ويفقد قطعةً من الحائط ترصّعها لوحة من لوحاته. برحيله يفقد كلّ فلسطينيّ شيئاً منه، شيئاً بحجم لوحة أو بحجم لون، شيئاً بحجم وطن أو ربّما أصغر بكثير، لكنّه على الرغم من صغره يحمل وطناً كاملاً وقضيّةً كبرى اسمها فلسطين.
برحيله تتحرّر فلسطين، التي هيهات أن تفنى أو تموت، من نير الاحتلال وممارساته الإجراميّة، فلسطين الحرف واللون والفكرة والكلمة والقصيدة والأغنية.
يكتمل النصاب اليوم في فلسطين السماويّة، فلسطين الخالدة، فلسطين العصيّة على الاحتلال والتهجير. فها هو ذا سليمان منصور يلتحق بناجي العليّ ومحمود درويش وإدوارد سعيد وإميل حبيبي وجبرا إبراهيم جبرا وغسّان كنفاني وغيرهم من الكبار الكبار… علّ حلّاً عادلاً ينزل من فوق وقد استعصت الحلول على الأرض.
