يُعدّ تلقّي النقد محطة أساسية في مسيرة الأدباء، ولا سيّما عند استعادة المقال النقدي الأول الذي تناول منجزهم الإبداعي. ففي تلك المرحلة المبكرة يكون وقع النقد شديد التأثير، إذ ينتظر الكاتب من يلتفت إلى تجربته ويعترف بإنجازه، كما يترقّب قراءة تكشف له موقع عمله في المشهد الثقافي. ومن هنا يغدو النقد بمنزلة بوصلة توجيهية تساعده على بناء تصوّر جديد للسبل التي يمكن أن تقود إلى تطوّر تجربته واستمرارية مشروعه الإبداعي.
وقد شهد النقد تحوّلات عديدة عبر الزمن، حتى إن بعضهم يرى أنه فقد شيئًا من صرامته ودخل غرفة العناية المركّزة، خصوصًا في ظلّ انتشار كتابات المجاملة التي تدفع إلى قراءة كتب لا تضيف كثيرًا إلى المشهد الأدبي. فبدلًا من أن يكون النقد كاشفًا لمواطن الضعف، وموجّهًا للكاتب، ومضيئًا لدربه الإبداعي، بات في أحيان كثيرة أقرب إلى العرض الاحتفائي. ولعلّ هذا الواقع يبدو طبيعيًّا عندما لا يجري التمييز بين النقد الأكاديمي، والنقد الثقافي، أو الانطباعي، والعروض الصحافية، فلكلّ من هذه الأجناس أهدافه وأدواته ووظائفه المختلفة. وفي المقابل، لم يعد القارئ متلقّيًا سلبيًّا للنص، بل أصبح قادرًا على إعادة إنتاجه عبر التأويل، واكتشاف معانٍ جديدة تتجاوز أحيانًا ما قصده الكاتب نفسه.
من هنا يأتي هذا التحقيق بوصفه محاولة للفت الأنظار إلى تجارب متنوّعة لنقّاد وأدباء يستعيدون تجربة المقال النقدي الأول الذي تناول مُنجزاتهم الإبداعية، ويروون ما اختبروه من أثره من خلال مجموعة من الأسئلة المطروحة في هذا المجال.
وقد حرصنا على تنويع التجارب الأدبية والجغرافية، فوقع الاختيار على مشاركين من بلدان متجاورة وبعيدة، من إسبانيا: خوسيه ساريا، ومن الجزائر: ربيعة جلطي، ومن لبنان: جميلة حسين، ومن نيوزيلندا: كريستين شين، ومن مصر: سامح قاسم، ومن المغرب: فدوى الزياني، ومن اليونان: خريستوس كوكيس.
خوسيه ساريا (شاعر من إسبانيا)
المراجعة الأولى باعتبارها لحظة ذات كثافة عاطفية خاصة
| خوسيه ساريا |
أتذكر تلك المراجعة الأولى باعتبارها لحظة ذات كثافة عاطفية خاصة. فإلى جانب الشعور بالرضى لأن عملي وجد قرّاءه، مثّلت تلك المراجعة نوعًا من الاستنارة؛ إذ أدركت أن الكلمة المكتوبة قد غادرت الحيز الحميمي للإبداع، ودخلت الفضاء المشترك للقراءة والحوار. وفوق كل شيء، شعرت بالامتنان؛ امتنانًا للشخص الذي كرّس وقته واهتمامه وجهده الفكري لقراءة عملي والتأمل فيه. وعلى مر السنين، أصبحت أؤمن بأن كل مراجعة أدبية تولد من فعل كريم، لأن الناقد يساعد على إيصال صوت شخص آخر وتوسيعه من دون أن ينتظر مقابلًا، فيصبح وسيطًا أساسيًا بين العمل الأدبي ومجتمع القرّاء.
من جهة أخرى، لم تكن تلك المراجعة الأولى عاملًا حاسمًا في تشكيل الاتجاه اللاحق لعملي، لأنني كنت أمتلك بالفعل تصورًا واضحًا إلى حد كبير للمسار الأدبي الذي أردت أن أسلكه. ومع ذلك، فقد كانت مصدر تشجيع مهم، ونوعًا من التأكيد الذي عزز عزيمتي على مواصلة ذلك الطريق. لم تغيّر وجهتي بقدر ما رسّخت قناعة كانت موجودة بالفعل. وبشكل عام، أعتقد أن المراجعات المبكرة يمكن أن تؤدي دورًا مهمًا في تطوّر الكاتب، خاصة عندما يكون لا يزال في طور بناء هويته الأدبية. فهي أحيانًا تقدم التوجيه، وأحيانًا توفر التصحيح، وفي أحيان أخرى تمنح ببساطة الثقة اللازمة للاستمرار في الكتابة.
لقد حاولت دائمًا استقبال النقد بانفتاح واحترام. فأنا أؤمن بأن كل قراءة متأنية تضيف إلى فهمنا، حتى عندما لا تتوافق مع التصور الذي نحمله نحن عن أعمالنا. فالمراجعات التي تؤكد بعض حدوسنا قد تكون مطمئنة، أما تلك التي تشير إلى مواطن القصور، أو المجالات التي تحتاج إلى تطوير، فقد تكون بالقدر نفسه من الأهمية والقيمة. لم أنظر إلى النقد يومًا على أنه تهديد، بل رأيته فرصة للحوار. فالأدب، في جوهره، هو محادثة مستمرة بين الكتّاب والنقاد والقرّاء. ومن هذا المنظور، لا يُعدّ النقد حكمًا نهائيًا، بل شكلًا من أشكال الرفقة الفكرية التي تسهم في إثراء العملية الإبداعية وصقلها.
ربيعة جلطي (شاعرة وروائية من الجزائر)
ما كتب عن كتابي الشعري الأول عمّق قلقي الإبداعي
| ربيعة جلطي |
كان ذلك عام 1981، حين صدر كتابي الشعري الأول “تضاريس لوجه غير باريسي” في دمشق، في طبعة أنيقة عن دار الكرمل للنشر والتوزيع. وما إن نزل إلى القراء خجولًا في مكتبات دمشق التي كانت تعجُّ بالأسماء اللامعة، حتى أثار اهتمامًا ومتابعة نقدية لافتة، وإقامة ندوات عنه، وحوارات في البرامج الإذاعية التي تعنى بالأدب. كما تطرقت إلى جانبه الموضوعاتي والجمالي (الإستطيقي) مقالات على الصفحات الثقافية السورية والبيروتية، تناولت انفتاحه على آفاق الحداثة الشعرية وتجريبه الخاص.
وبعد عام فقط، صدرت الطبعة الثانية في الجزائر عن المؤسسة الوطنية للنشر والتوزيع في 1982، مما عزَّز انتشاره في الوطن العربي.
أسعدني استقباله من طرف ألمع الشعراء الذين كنت أقرأ لهم وعنهم، فأصبحت أقرأ إلى جانبهم في الأمسيات الشعرية التي كان ينظمها اتحاد الكتاب العرب، واتحاد الكتاب الفلسطينيين، ومن أبرزهم الشاعر خالد أبو خالد، والشاعر ممدوح عدوان. كانت تلك الأمسيات فضاءً حيويًا يلتقي فيه الشعراء من مختلف الأجيال والتوجهات، في جوٍّ من الحوار الإبداعي الحميم.
حقًا كان حظ كتاب “تضاريس لوجه غير باريسي” كبيرًا، وذلك ما علَّق به الشاعر حسان عزت في حوار مطول على صفحات جريدة “تشرين”، وهو يشيد بتجديده وجرأته في رسم تضاريس وجهٍ شعري مختلف، كما كتب عنه الناقد والإعلامي محمد دامو، الذي كان يوقع باسم محمد بوخروبة مقالًا مميزًا في مجلة “الهدف” الفلسطينية.
لا أنفي أن ما كُتب عن “تضاريس لوجه غير باريسي” عمَّق قلقي الإبداعي، وجعلني أشعر بمسؤولية التجديد، والحرص على أن يأتي كل ديوان جديد لي بجديد. كنت أعيش آنذاك في قلب عواصف التغيير التي هبّت على حقل الشعرية العربية، خاصة في دمشق وبيروت، حيث كانت قصيدة التفعيلة وقصيدة النثر تمثلان ثورتين متداخلتين.
فقد كانت قصيدة التفعيلة ــ التي أسَّس لها رواد مثل بدر شاكر السياب، ونازك الملائكة في العراق، ثم تطورت بشكل أعمق على أيدي أدونيس، ويوسف الخال ــ تفتح أبوابًا لإيقاع مرن يحرر الشعر من قيود البحور التقليدية من دون أن يفقده وزنه الداخلي. أما قصيدة النثر، فكانت تمثل تحريرًا أعمق، حيث تخلت عن الإيقاع العروضي والقافية لتغوص في الصورة والرؤيا والتدفق النثري الشعري. كنت أتابع بحماس أعمال محمد الماغوط، الذي فجَّر قصيدة النثر بجرأته الساخرة والموجعة، وأنسي الحاج الذي منحها عمقًا فلسفيًا وتجريبيًا في لبنان، وجبرا إبراهيم جبرا الذي أغناها برؤيته السردية الشعرية.
كما خلقت لي جلسات النقاش الدمشقية أصدقاء من شعراء مثل رياض الصالح الحسين، وبندر عبد الحميد، وغيرهما، الذين جسَّدوا في سورية روح هذا التيار الجديد بكل ما يحمله من تمرد وتجديد.
توالت إصداراتي الشعرية عبر السنين مثل “التهمة”، و”شجر الكلام”، و”كيف الحال”، و”حديث في السر”، و”النبية تتجلى في وضح الليل”، و”ترتيب العدم” وغيرها…وما زلت لا أرضى إلا أن يكون لكل واحد منها الحق في تحقيق البهجة لدى القراء والمتابعين والنقاد وعشاق التجديد في الشعر العربي الحديث والمعاصر. كان هذا القلق الإبداعي مصدر قوة يدفعني لأن أحاور هؤلاء الرواد من دون تقليد، بل بتجديد يحمل بصمتي الخاصة.
لكن كل هذا لم يسعد والدي إلا قليلًا، والدي الذي تربيت بين رفوف مكتبته الثرية، فقد كان مثقفًا شغوفًا بالشعر العربي والعالمي الكلاسيكي. كان يطرب لشعر أبي تمام والبحتري، ويستمتع بألفريد دي موسيه، وفيكتور هيغو، ومالارميه. وأنا أحدثه بحماس، كان ينظر إليَّ وينصت إليَّ بصمت وبابتسامة حنونة، كنت أتحدث بحرارة عن عواصف التغيير في حقل الشعرية العربية: عن محمد الماغوط، ويوسف الخال، وأدونيس، وعن محمود درويش، ونزار قباني، وعن أنسي الحاج، ونازك الملائكة، وبدر شاكر السياب، وعبد الوهاب البياتي، وأمل دنقل، وصلاح عبد الصبور، وغيرهم ممن جسَّدوا روح العصر وأحلامه وجراحه وثورته على الأشكال القديمة. كان يبتسم ابتسامة فيها شيء من الحيرة المُحبة، كأنه يرى في حماسي هذا امتدادًا لشغفه بالشعر، لكنه يخشى عليَّ من حدة هذه العواصف.
أخبرتني زوجة أبي أنها كانت ترى الدموع تغشى عينيه وهو يعيد قراءة كتابي “تضاريس لوجه باريس” بعد 14 عامًا على صدوره، كنت آنذاك في باريس عندما اضطررت للهجرة إلى نورماندي خلال العشرية القاتمة الدموية.
جميلة حسين (شاعرة وروائية من لبنان)
النقد عملية إبداعية موازية تُثري العمل الأدبي
| جميلة حسين |
إذا كان الكاتب يبدع النص ثمّ يُطلقه إلى العلن، فالنّاقد الجيّد هو من يعيد اكتشافه، يُفسّره ويضيء على أفكاره، ما يُشجع القراء على الاطّلاع عليه، والاهتمام به، ويساعدهم على فهمه وتقدير قيمته.
من هنا، يُصبح النقد عملية إبداعية موازية تُثري العمل الأدبي، تمنحه حياة أوسع في أذهان المتلقين.
عندما أطلقت عملي الأوّل، وهو ديوان شعري، لجأتُ حينها إلى شاعر معروف، أطلعته على العمل وطلبتُ منه كتابة تقديم له، مُعتقدة أن مُجرّد التّقديم يُثري النّصوص ويزيدُ من قيمتها، وهذا غير دقيق، فالنصّ الأدبي الجيّد لا يحتاج إلى تقديم من أحد. بل يأخذ حقّه من انتشاره وتقييمه من قبل النقاد، واطلاع القرّاء عليه. وهذا ما أثبتته تجارب كثيرة.
أقول ذلك لأنّ ديواني الأوّل لم يَنلْ اهتماما كافيًا من قِبل النّقاد، وذلك ما انعكس على القرّاء أيضًا.
أذكر أنني عندما قرأت مقالة نقدية لاذعة عنه طاولتني وطاولت الشّخص المُقدّم للعمل، أصابني الإحباط، وعدم الثّقة بالنّفس، وترددت في أن أتابع كتابة الشّعر لاحقًا. لم أستجب حينها إلى بعض الأمسيات الشّعرية التي دُعيت إلى المشاركة فيها.
وبما أنّنا نحن البشر ميزتنا النّسيان، ومع مرور الوقت ننسى ما حدث، أو تقلّ أهميته لدينا، تخطيت ذلك الناقد، عادةً أن قيمة العمل الأدبي لا تُحسم بمقالة واحدة، ولا برأيٍ واحد. عُدتُ إلى كتابة الشّعر، وأصدرت ديواني الثّاني وديواني الثالث. وتابعت مسيرتي الأدبية، فكانت لي إصدارات متنوعة: في القصة القصيرة، ودراسة بحثية عن الرّواية اللبنانية خلال مائة عام، لاقت رواجًا ونجاحًا لافتًا، ما جعلها مرجعًا أدبيًا. وأخيرًا رواية صدرت منذ أشهر، أخذت حقّها من قبل الإعلام المكتوب والمُشاهَد ووسائل التواصل.
تعلّمت من تجربتي السّابقة، حتّى لو كان بعضها قاسيًا، أن أتخطّى، وأن أتفهّم، أنّ للنّاقد رأيه، وربّما رأى في نصّي ما لم أره. ومن خلال بعض ملاحظاته فتح لي بابًا خفيًّا لم أعرفه من قبل، وأن نقده لم يستطع أن يُقرّر مصير نتاجي لاحقًا.
والعكس صحيح، فهناك بعض النقاد الذين يعتمدون التّبجيل والتّبخير للعمل من دون مُسوّغ. فهذا ليس نقدًا. النّقد منهج يعتمد التحليل والتفسير والإضاءة على العمل بموضوعية، ومن دون مُواربة.
أخيرًا، إنّ التاريخ الأدبي مليء بأعمال لاقت نقدًا لاذعًا عند صدورها، ثم أصبحت لاحقًا موضع تقدير واسع. كما أن بعض النقاد أخطأوا في تقييم أعمال أثبت الزمن أهميتها، والعكس صحيح.
كريستين شين (شاعرة وناقدة من نيوزيلندا)
النقد مصدر تشجيع منحني القوة للاستمرار في الكتابة
| كريستين شين |
نُشرت أول مراجعة نقدية مهمة لأعمالي في الجريدة الأدبية الوطنية في كازاخستان، وكانت تلك تجربة قوية ولا تُنسى بالنسبة إلي. فقد لفتت تلك المراجعة اهتمامًا كبيرًا إلى شعري، وساعدت أعمالي على نيل التقدير والاعتراف في الأوساط الشعرية الدولية.
لم يكن ذلك مجرد أول اعتراف بجهودي، بل كان أيضًا مصدر تشجيع منحني القوة للاستمرار في الكتابة. ومن نواحٍ كثيرة، كان الأمر أشبه بإضافة الوقود إلى سيارة؛ إذ منحني الزخم والثقة للمضي قدمًا في رحلتي الأدبية.
معظم المراجعات العلنية تكون في الغالب إيجابية، وتركّز على نقاط القوة في أعمال الكاتب. ويمكن لهذا النوع من التقدير أن يكون مشجعًا للغاية. فالثناء يؤكد ما نقوم به بشكل جيد، ويحفزنا على مواصلة الإبداع. ومع ذلك، فإن أوجه القصور الحقيقية غالبًا ما تُكتشف من خلال التأمل الذاتي. لذلك يجب على الكاتب أن يتعلم فحص نفسه بعناية، وأن يستخلص الدروس من تجاربه، وأن يواصل تطوير ذاته من خلال الوعي الداخلي والنمو المستمر.
سامح قاسم (شاعر وصحافي من مصر)
المقال النقدي الأول لحظة مواجهة مع الذات من خلال عين أخرى
| سامح قاسم |
بعد أول مقال نقدي كُتب عن كتابي الأول، لم يكن الأمر بالنسبة إليّ مجرد نصٍّ يُنشر في صحيفة، أو يُدرج في زاوية ثقافية عابرة، لقد كان أشبه بلحظة مواجهة هادئة مع نفسي، ولكن من خلال عين أخرى. كنت أعرف النص الذي كتبته، أعرفه جيدًا حدّ القلق، لكنني لم أكن أعرف كيف سيبدو حين يخرج من يدي ليقف أمام قارئ لا يعرفني، ولا يعرف ما وراء الكلمات من نوايا وارتباكات.
في البداية، بدا لي المقال مرآة موضوعة في مكان غير متوقع من الطريق. تمشي مطمئنًا إلى نصك، ثم تفاجأ بأن هناك من قرأه بطريقة أخرى، من أمسك به من زاوية لم تخطر لك، ومن أضاء عليه ضوءًا لم تكن تراه أنت في أثناء الكتابة. كان ذلك الإحساس مزدوجًا: شيء من الدهشة، وشيء من التوتر الذي يسبق الفهم.
لم أتعامل مع النقد الأول كمن تلقى حكمًا، لكنه كان مفاجأة. مفاجأة لأن النص حين يغادر صاحبه يتغير مصيره، لينتمي إلى القراءات التي ستعيد تشكيله. ومع ذلك، كان هنالك شعور خفي بأن هذا النقد، على الرغم من اختلافه أو اتفاقه، أعادني إلى النص ذاته بطريقة مختلفة. جعلني أراه لا كما أردت له أن يكون، بل كما أصبح فعلًا.
في تلك اللحظة، أدركت أن المقال النقدي الأول لا يمرّ بلا أثر. حتى إن بدا عابرًا، أو بسيطًا، فإنه يترك في وعينا حركة صغيرة تغيّر طريقة النظر إلى الكتابة نفسها. لم أعد أرى النص مكتملًا عند لحظة النشر. فقط، وُهبت له بداية لحياة أخرى لا أتحكم فيها وحدي. النص الذي يخرج إلى العلن يدخل في حياة القرّاء، وفي قراءات النقد، وفي احتمالات متعددة لم تكن في الحسبان.
كان في النقد الأول ما أراحني، وكان فيه ما أربكني أيضًا. أراحني لأنه كشف لي أن النص يمكن أن يُقرأ بجدية، وأنه يمكن أن يخرج من دائرة التجربة الشخصية إلى فضاء أوسع من التلقي. وأربكني لأنه أشار إلى مناطق لم أكن أراها، أو لم أكن أريد رؤيتها، في النص نفسه. لكن هذا الإرباك، مع الوقت، لم يعد مزعجًا، لكنه صار جزءًا من فهم أعمق للكتابة.
تعلمت شيئًا بسيطًا من تلك التجربة الأولى: أن الكاتب حين يكتب يظن أنه يمسك بالنص، لكنه في الحقيقة يضعه في يد الآخرين، وأن النقد ليس قطيعة مع النص، بل إعادة قراءته من موقع مختلف قد يكون أكثر قسوة أحيانًا، لكنه أكثر اتساعًا أيضًا. فالمبدع لا يرى نصه كاملًا، مهما ظن ذلك، بينما الناقد يراه من الخارج، من تلك المسافة التي تسمح أحيانًا برؤية ما لا يراه الكاتب من الداخل.
ومع مرور الوقت، لم يعد النقد حدثًا منفصلًا، لقد صار بداية لسلسلة من الأسئلة التي لم تكن مطروحة من قبل. كيف أكتب الآن؟ لمن أكتب؟ وهل أكتب من جهة اليقين، أم من جهة الاحتمال؟ هذه الأسئلة لم يخلقها النقد وحده، لكنه أيقظها في اللحظة الأولى التي جعلني أرى فيها نصي خارج نفسي.
اليوم، حين أعود إلى ذلك المقال النقدي الأول، لا أقرأه كحكم على نص مضى، ولكن كأثر أول في علاقة طويلة مع القراءة والكتابة. كان بداية إدراكي أن النصوص لا تعيش وحدها، وأنها حين تُنشر تبدأ حياة ثانية لا يتحكم فيها الكاتب، حياة يتقاطع فيها القارئ والناقد والتجربة والزمن. ومن تلك اللحظة الأولى، بدأت أفهم أن الكتابة ليست ما أضعه على الورق فقط، بل أيضًا ما يعود إليّ منه عبر عيون الآخرين.
فدوى الزياني (شاعرة من المغرب)
إنه أثرٌ ما يزال يحفر مجراه عميقًا في كتابتي
| فدوى الزياني |
أن تكتب نصَّك الأول ببوحك الفطري وصدقك المطلق، معتقدًا أنه لغة خالصة لا تحتمل التأويل، هو إحساس جميل. لكنه يتلاشى تمامًا حين يقع عليك ضوء النقد لأول مرة، يصبح الأمر وكأنَّ عينًا غريبة تتجوَّل في غرفتك وتفتش في أغراضك الخاصة، هذه اللحظة لا تُنسى، ليس لأن النَّاقد كان على حق بالضرورة، بل لأنها اللحظة الفارقة التي يكتشف فيها الكاتب أن نصه لم يعد ملكًا خالصًا له، بل غدا كائنًا مستقلًا، وأن الكلمة، بمجرد أن تُكتب، تُفلت يدَ صاحبها.
في المقال النقدي الأول الذي كتبه الصديق العزيز سعيد منتسب، بصفته الأدبية كإعلامي وشاعر وناقد، كان الأمر شبيهًا بالكشف من جهته عن جوانب حسَّاسة لم أنتبه إلى أنها ستكون واضحة أمامه إلى هذا الحدّ. لم يكن ذلك لأنه صديق مقرب فحسب، بل لأنه أصبح شخصًا قادرًا على تعرية نصِّك والدخول إلى أدق جزئياته. بدا كشخصٍ يحمل مصباحًا ويتعمَّق في زوايا كنتُ أظنها مظلمة ومخفيّة تمامًا عن الجميع.
استعادة هذه المشاعر هو استعادة للحظة الوعي بالشَّعرة الفاصلة بين الكتابة الذاتية والكتابة الواعية بوجود الآخر، إنها اللحظة التي تتضح فيها رؤيتك حول همومك ورؤياك الشخصية التي تحوَّلت فجأة إلى وثيقة إنسانية قابلة للفحص والتأويل.
إذا أردتُ التحدث عن أثر تلك التجربة، فهو أثرٌ ما يزال يحفر مجراه عميقًا في كتابتي، ويبقى تأثيره حاضرًا بطرق خفيّة. قد أكون تجاوزتُ كلمات الناقد وتفاصيل تحليله مع مرور الوقت، لكنني لا أنسى أبدًا تلك الصدمة الأولى التي علمتني درسًا جوهريًا، أن الكتابة في جوهرها هي فعل انكشاف تام سيظهر أثره لاحقًا في كل نص سأكتبه مستقبلًا.
قد يحضر هذا الأثر كطيف، أو كملاك حارس، ليس ليُمليَ عليّ ما أكتُب، أو ليُقيّد حريتي، بل ليذكرني بالمسؤولية تجاه اللغة، وبوجود وعي موازٍ يتربَّص بكتابتك ويفكِّك شيفراتها، يذكرني دائمًا بأنَّ تلك الكلمة التي أفلتت من يدي أصبحت الآن مِلكًا لعينِ ومشرطِ القارئ.
النقد في جوهره زلزال، وفي بداياته هو مُربك بلا شك. هذا الارتباك يأتيك من كون النَّقد يفكِّك ما بنيتَه أنت بعاطفة وشغف، ليعيد تركيب الكلمات وفق هندسة عقلانية صارمة لا تعترف بقدسية اللحظة الشعورية الأولى، هو صدام حتمي بين حرية الإبداع وصرامة التلقي. ولكن ما يحدث يحدث بعد أن يهدأ غبار هذه الصدمة وبالنسبة إلي هو الأهم، حين يتحول النقد إلى بوصلة لدى المبدع الحقيقي، النقد العميق لا يقيد خيال الشاعر، بل يصقل أدواته، ويمتحن قوة بناء النصوص، ويدفع الكاتب إلى الحفر في مناطق أعمق وأكثر تعقيدًا في تجربته وذاته.
في الوعي الإبداعي المتجدد، لا أحد منا يُنكر محاولاته المستمرة للانفلات من قيود الملاحظات النقدية، ليُحوّلها من قيود تُكبّله إلى وعيٍ جماليٍّ يعبر به نحو إبداع أرحب وأكثر نضجًا. إنها محاولة دائمة لحماية الحساسية الذاتية، تمامًا كما قال جان كوكتو: “عليك أن تحمي الشّق المظلم فيك، ذلك الجزء الذي لا يستطيع النقد أن يصل إليه، لأن هذا الجزء تحديدًا هو ما يجعلك شاعرًا”.
خريستوس كوكيس (شاعر وكاتب من اليونان)
أصداء المراجعة الأولى ما زالت تتردّد في قصائدي
| خريستوس كوكيس |
مرّ 15 عامًا على ذلك، ومع ذلك ما زلت أتذكرها بوضوح يفوق جميع المراجعات التي جاءت بعدها. والحقيقة أنها كانت مراجعة جيدة جدًا، لكنها تضمنت بين سطورها بعض الملاحظات والتحفظات الدقيقة المتعلقة بأسلوب شعري، وكثافة اللغة التي كنت أستخدمها.
أتذكر جيدًا أنه بعد أسابيع من صدور تلك المراجعة الأولى، وفي إحدى الأمسيات الشعرية، قام شاعر كبير وموقر بقراءة تلك الملاحظات والتحفظات فقط على مسامعي. وكان ذلك من أفضل الأمور التي حدثت لي في حياتي. لقد هزّني ذلك بعمق، ومنح شعري وحياتي اليومية معًا قدرًا أكبر من التواضع.
ما زالت أصداء تلك المراجعة الأولى تتردّد في قصائدي، لكن ليس بدرجة كبيرة، ولا تؤدي دورًا حاسمًا. لا أعتقد أن مراجعتنا الأولى هي التي تشكّلنا، أو أنها تمدّ أعمالنا المستقبلية بالطاقة إلى الحد الذي يجعلنا نعود إليها باستمرار، أو نعتمد عليها.
صحيح أن بعض موضوعات شعرنا، وبعض الاتجاهات التي قد يسلكها، تظهر منذ البداية، وتأتي تلك المراجعة لتكشف عنها، أو تبرزها للنظر فيها عن قرب. لكن تطور أعمالنا مع مرور الزمن لا يستمد حركته أو حيويته من تلك المراجعة الأولى.
اليوم، هنالك مشكلة حقيقية في بلدي تتعلق بجودة النقد الشعري، وبالدوافع الكامنة وراءه. أنا لا أتأثر بكل نص أقرأه، لأن بعض النصوص تُكتب لمجرد الكتابة، أو لخدمة أغراض أخرى. ونحن الشعراء يجب أن نكون حذرين قبل أن نسمح لأي نقد لأعمالنا بأن يؤثر فينا، أو يسهم في تشكيلنا، سواء بشكل إيجابي، أو سلبي. أما النقد الصادق، القائم على تحليل عميق، فينبغي أن نأخذه على محمل الجد، وأن نتفاعل معه، سواء كان في صالحنا، أو لا. فهذا النوع من النقد يشكل قوة بنّاءة تساعد على تحسين كتابتنا.
أما أنا، شخصيًا، فأرحب بالنقد الموجه إلى أعمالي، وأراه تحديًا صحيًا. وأتقبل كل نقد بهدوء، ومن دون شكوى. فأن يصبح المرء أفضل هو اختبار صعب.