
المصدر الراي
بسقوط نظام الأسدية المزلزل، تعرّى نصف قرن من تاريخ سورية سياسة واجتماعاً واقتصاداً وفكراً، وكشف لعورة تزييف ممنهج للهوية الوطنية، لُمِّعت بمساحيق مراوغة تحت مسمّى “دولة المؤسّسات”، ليتّضح للقاصي والداني أن تلك الكيانات لم تكن سوى أجهزة لإنتاج التوحّش، ومختبرات لبثّ الأحقاد المنظّمة، وتجذير الطائفية التي اتُّخذت درعاً لتركيع المجتمع واستمراراً للنهب والفساد وضمان أبديّة الكرسي.
ومع ارتدادات هذا السقوط المدوّي، سارعت قوى الثورة المضادة، ومعها فلول النظام البائد المنكفِئة، وبإسنادٍ من منصّات سوداء خارجية، إلى نبش قبور الفتنة وإعادة تدوير آليّاتها عبر محاولات مستميتة لإثارة النعرات القومية والدينية والطائفية ملْئاً للفراغ الأمني برعب بديل، مما أدّى إلى استعار خطاب التحريض بين السوريين، وتحوّل فضائهم محطاتٍ صاخبة للتخوين وساحات للتراشق الطائفي وتصفية الحسابات الهوياتية الضيقة على حساب المصلحة الوطنية.
هذا الاستقطاب الحادّ انعكس على القضايا الإنسانية المثقلة بالوجع، وفي طليعتها مأساة د. رانيا العباسي وزوجها وأطفالها الستّة، فهي ليست رقماً إضافياً في أرشيف الانتهاكات المظلم، بل النموذج لطبيعة نظامٍ مسخ، حوّل الدولة إلى مقصلة للقتل، وآلية للإخفاء القسري، وقانوناً للتعذيب حتى الموت. إن تفكيك خيوط هذه الجريمة المروّعة واختفاء الأطفال وأبويهما، ليس نبشاً في ماضٍ مات، بل هو برهان على أن حقوق السوريين عصيّة على الموت بالتقادم، وأن المحاسبة هي البوابة الشرعية والوحيدة للعبور نحو المستقبل، إذ لا غفران بلا حقيقة، ولا عدالة بلا اقتصاص، ومن هنا يجب ألا تُغلق القضية كصفحة عابرة، بل يجب أن تكون فاتحة لمحاكمات وطنية كبرى، تكشف مصير آلاف المفقودين وتضع حدّاً نهائياً لزمن الحصانة من العقاب للمجرمين.
وفي موازاة هذا الصخب، طفت على المنصات الرقمية حملة ” لست شجرة ” وغيرها، والتي لقيت رواجاً في التحريض على المقاطعة والتجييش الطائفي، إلا أن النزوع نحو “المقاطعة المجتمعية” على خلفيات طائفية أو سياسية يمثّل نمطاً خطيراً من العزل الاجتماعي الجماعي المتبادل، وهي ممارسة إقصائية مرفوضة، يصعب على مجتمع مثقل بندوب الحروب والمعاناة أن يتجرّع مرارتها أو يبرأ من آثارها النفسية والاجتماعية.
إن محاولات جرّ سورية إلى مستنقع الاحتراب الطائفي مقامرة صفرية، ومحرقة لن يخرج منها أحد ناجياً، فسورية التي تنفض عن كاهلها اليوم رماد الموت والقهر، لن تستقيم قيامتها الوطنية بنبرة ثأرية تستبدل جلاداً بجلاد، ولن تتأسّس على خطابات التقسيم والإقصاء والطائفية، بل ستغرق إن فعلت في أتون صراعات تحرق الأخضر واليابس، وإن ما يسوّقه المحرّضون بخطاب الكراهية والحقد تحت لافتة “العدالة”، ليس إلا دعوة للخراب التامّ.
لا بدّ من مواجهة هذه الارتدادات التي لن تتوقّف،إلا بتأصيل ثوابت وطنية لا تقبل التأويل؛ فالمستهدَفون مجرمون، لا الجماعة التي ينتمون إليها، والمسعى حماية المجتمع من القتلة عبر قصاص عادل ومؤسّساتي، والمنشود سورية جديدة تقوم على أن السلم الأهلي لا يُشترى بالعفو المجاني عن القتلة والجلادين، ولا بتدوير الشبّيحة المشاركين للنظام، ولا بتعويم أزلام ميليشيات إيران، ولا بالنسيان القسري للضحايا، ولا بتسكين الآلام العميقة بالشعارات الجوفاء.
العدالة الحقيقية تتطلّب فضحاً كاملاً لمنظومة القمع الأسدية، بكشف الحقيقة كاملة، وكشف مصير المفقودين، وتدوين شهادات الناجين، ومساءلة كل من أسّس أو حمى أو تستّر على المجرمين، ولا تتوقّف بإدانة بعض البيادق والرموز، فالتعافي لا يكون بدفن الجثث في ذاكرة مكلومة، بل بالمواجهة مع الماضي. وإذا كان دم السوري على السوري محرّم ديناً وأخلاقاً، فإن خطاب الكراهية يجب أن يُجرّم قانوناً ودستوراً؛ لتسود الطمأنينة ويزدهر الاستقرار.
إن أيّ تباطؤ أو غموض يكتنف مسار العدالة الانتقالية، هو بمثابة منح إكسير الحياة لفلول النظام وشبكات الجريمة والتشبيح والمخدرات وشركاء الميليشيات القسدية والإيرانية، ويدفع بالمقابل بأولياء الدم للارتماء في أحضان الثأر الفردي، فالإسراع في المحاسبة العلنية والشفافة ضرورة أمنيّة قصوى لصيانة السلم الأهلي ومنع الانزلاق نحو الفوضى، وليس ترفاً حقوقياً ولا مطلباً عاطفياً. بذلك يُمهّد طريق سورية الجديدة، دولة المواطنة والقانون والمستقبل الواعد.
- رئيس التحرير