لم يعُد حلف شماليّ الأطلسيّ (الناتو)، الذي أُسّس في منتصف القرن العشرين ليكون تحالفاً واضح الوظيفة والخصومة، يتحرّك اليوم داخل التوازنات الكلاسيكيّة التي رسمت معالمه وحدّدت أهدافه قبل أكثر من سبعة عقود. ولم يعد من الممكن فصل الأمن عن السياسة، ولا قراءة بنية الحلف بالأدوات نفسها التي حكمت مرحلة الحرب الباردة لأنّ البيئة الدوليّة التي نشأ فيها تغيّرت جذريّاً، ولأنّ طبيعة الصراع الذي أُسّس لمواجهته لم تعد تحتفظ بأسبابها ودوافعها القديمة
كانت المهمّة في سنوات الحرب الباردة واضحة: ردع الاتّحاد السوفيتيّ ومنع تمدّده نحو أوروبا الغربيّة. وعلى الرغم من انهيار المنظومة السوفيتيّة في أواخر الثمانينيّات، لم تنتهِ مهمّة الحلف، بل انتهى وضوحها، فانتقل إلى مرحلة افتقدت العدوّ المركزيّ، ثمّ وسّع وظائفه خارج حدوده التقليديّة فتحوّل تدريجاً من تحالف يمنع الأزمات إلى إطار يديرها. ومع عودة روسيا إلى واجهة التهديدات الأمنيّة، وصعود الصين وتحوّلها إلى قوّة منافسة على المدى الطويل، وجد الناتو نفسه أمام بيئة استراتيجيّة لم تعد تقوم على خصم واحد، بل على شبكة متداخلة من التهديدات العسكريّة والتكنولوجيّة والاقتصاديّة والسيبرانيّة.
لم يعد السؤال داخل الحلف يتعلّق بما سيقرّره في قمّته المرتقبة في أنقرة، بقدر ما يتعلّق بقدرته على إعادة تعريف معنى القرار نفسه، في مرحلة تتغيّر فيها طبيعة التهديدات بوتيرة أسرع من قدرة المؤسّسات التقليديّة على التكيّف معها.
إنتاج مبرّرات الوجود؟
هنا تبدأ الإشكاليّة الحقيقيّة. فالناتو الذي اعتاد لعقود أن يبرّر وجوده بمنطق الردع، بات اليوم مطالَباً بإدارة حالة ممتدّة من عدم اليقين الاستراتيجيّ. لم يعد المطلوب هزيمة خصم محدّد، بل إدارة صراعات مفتوحة، ومنع اختلال التوازن، والحفاظ على الحدّ الأدنى من الاستقرار في بيئة تتغيّر باستمرار.
لهذا لا يقرع الحلف أبواب أنقرة باعتبارها محطّة بروتوكوليّة، بل بوصفها حلقة في مسار أعاد تعريف وظيفة الحلف داخل بيئة دوليّة تتغيّر بسرعة. فمع كلّ مرحلة تاريخيّة، لم يكن الناتو يضيف مهمّة جديدة فقط، بل كان يعيد صياغة مفهوم الأمن الجماعيّ نفسه.
لم يعد الناتو يُقاس فقط بقدرته على الردع العسكريّ، بل بقدرته على إعادة إنتاج مبرّرات وجوده داخل عالم لم يعد يمنحه عدوّاً ثابتاً ولا تهديداً واحداً يمكن بناء العقيدة عليه.
غير أنّ قدرة الحلف على التكيّف مع المتغيّرات لا تعني أنّه ما يزال يمتلك القدرة نفسها على تشكيل البيئة الدوليّة. فالناتو الذي كان أحد أبرز صانعي التوازنات، بات اليوم يتحرّك داخل معادلات إقليميّة ودوليّة تُصنع خارجه أيضاً. ولم يعُد السؤال فقط: كيف يدير الأزمات؟ بل أما يزال قادراً على التأثير في شكل النظام الدوليّ؟
هذا يعني أنّ استمراريّة الناتو لا تُفسَّر بثبات عقيدته، بل بمرونته في تعديلها كلّما تغيّر شكل النظام الدوليّ. إلّا أنّ هذه المرونة أفرزت مفارقة أساسيّة، فكلّما اتّسعت وظائف الحلف، ازدادت صعوبة تعريف هويّته، وكلّما ازداد تكيّفه، تعمّق الجدل في حدوده ودوره.
عند هذه النقطة تحديداً تكتسب قمّة أنقرة معناها الحقيقيّ. فهي لا تختبر قراراً جديداً فقط، بل تختبر موقع الناتو داخل نظام دوليّ لم يعد يمنح التحالفات التقليديّة هامش الحركة المعهود.
في ضوء هذه التحوّلات، لا يصبح السؤال: ماذا ستخرج به قمّة أنقرة، بل ماذا يكشف مسار الناتو منذ نهاية الحرب الباردة حتّى اليوم؟ وكيف انتقل من تحالف يقوم على ردع تهديد واضح إلى منظومة أمنيّة تدير طيفاً واسعاً من التهديدات غير المكتملة التعريف؟ وما الذي يفسّر قدرته على الاستمرار على الرغم من هذا التحوّل العميق في وظائفه وطبيعة بيئته الاستراتيجيّة؟ وهل تُفهم استمراريّة الناتو بوصفها نتيجة مرونة مؤسّسيّة تراكمت عبر الزمن أم بوصفها استجابة دائمة لحاجة أمنيّة تتجدّد بتجدّد النظام الدوليّ نفسه، في مسار لم تكتمل ملامحه النهائيّة بعد؟
لفهم طبيعة التحوّل الذي يعيشه حلف شماليّ الأطلسيّ اليوم، لا يكفي تتبّع مسار توسّعه الجغرافيّ أو محطّاته العسكريّة، بل ينبغي العودة إلى الطريقة التي أعاد بها تعريف وظيفته مع كلّ تحوّل في النظام الدوليّ.
نشأ الحلف عام 1949 بوصفه بنية ردع جماعيّ في الحرب الباردة، تقوم على مبدأ أنّ أمن أيّ عضو جزء من أمن الحلف. لكنّ نهاية الحرب الباردة لم تُنهِ الحاجة إليه، بل فتحت سؤالاً وجوديّاً: ماذا يفعل تحالف أُسّس لمواجهة خصم لم يعُد موجوداً؟
جاءت الإجابة عبر مسارين: إعادة تعريف الوظيفة، وتوسيع المجال الحيويّ للحلف.
من هنا لم تبدأ مرحلة التوسعة الأطلسيّة بوصفها تمدّداً جغرافيّاً فحسب، بل إعادة صياغة لوظيفة الناتو، عبر إدماج دول أوروبا الشرقيّة، وبناء شبكة واسعة من الشراكات مع دول خارج العضويّة الرسميّة، تسعى إلى الاستفادة من المظلّة الأمنيّة للحلف والانخراط في بيئته الاستراتيجيّة.
غير أنّ التحوّل الأعمق لم يكن جغرافيّاً بل مفاهيميّاً، إذ انتقل مفهوم الأمن من حدود الدولة التقليديّة إلى فضاءات أوسع تشمل الأمن السيبرانيّ، أمن الطاقة، التكنولوجيا، حماية البنى التحتيّة، ومواجهة التهديدات الهجينة.
بيئة متعدّدة المخاطر؟
منذ عام 2014، ثمّ بصورة أكثر حدّة بعد 2022، أصبحت التوسعة الأطلسيّة جزءاً من إعادة بناء منظومة الردع في الجبهة الشرقيّة، بالتوازي مع صعود الصين الذي جعلها عنصراً متزايد الحضور في التفكير الاستراتيجيّ الأطلسيّ.
لكنّ هذا الاتّساع حمل في داخله مفارقة واضحة، فكلّما توسّع الحلف في الجغرافيا والوظائف، ازداد تباين أولويّات أعضائه، واتّسعت مساحة الاختلاف في تعريف طبيعة الخطر ودرجته. وهنا تتبلور معادلة الناتو الحديثة: اتّساع في الدور يقابله تصاعد في التباينات الداخليّة.
على الرغم من التحوّلات العميقة في العقيدة والمهامّ، بقي عنصر ثابت منذ التأسيس: آليّة الإجماع. هذه الآليّة التي شكّلت مصدر قوّة في مرحلة الحرب الباردة تحوّلت تدريجاً إلى عنصر بطء في بيئة تتغيّر بسرعة.
بين تهديدات سريعة ومتعدّدة الاتّجاهات وقرار جماعيّ يتطلّب توافقاً كاملاً تتّسع الفجوة بين لحظة الخطر ولحظة القرار. ومع توسّع العضويّة وتعدّد مراكز القوّة داخل الحلف، لم يعُد الإجماع آليّة لاتّخاذ القرار، بل أصبح هدفاً سياسيّاً بحدّ ذاته يُستخدم للحفاظ على الحدّ الأدنى من تماسك الناتو. وهكذا لم تعُد أزمة القرار بطئاً مؤسّسيّاً، بل باتت تكشف حدود قدرة الحلف على المواءمة بين وحدة الإرادة وتعدّد المصالح.
في هذا السياق، يصبح العامل الأكثر تأثيراً في مسار الناتو هو طبيعة التهديد نفسه، من حيث تعريفه وكيفيّة التعامل معه. فالحلف لم يعد يواجه خصماً واحداً، بل بيئة أمنيّة متعدّدة الاتّجاهات: تهديد روسيّ مباشر على الجبهة الشرقيّة، وتحدٍّ صينيّ طويل المدى على مستوى النظام الدوليّ، إلى جانب استمرار التهديدات المرتبطة بالإرهاب في أكثر من ساحة جغرافيّة، واتّساع نطاق الاهتمام ليشمل حماية المصالح الاقتصاديّة والتجاريّة الاستراتيجيّة.
لا تبدو قمّة أنقرة محطّة إضافيّة عابرة في مسار الناتو، بل لحظة تتقاطع فيها التحوّلات التي راكمها الحلف منذ نهاية الحرب الباردة في: العقيدة، نطاق التوسّع، آليّة القرار، وطبيعة التهديدات التي يواجهها.
ما تكشفه هذه المسارات لا يقتصر على تطوّر في الوظائف، بل يتجاوز ذلك إلى تحوّل أعمق في طبيعة عمل وأسلوب الحلف نفسه، من منظومة كانت تدير توازنات واضحة نسبيّاً، إلى بنية أمنيّة تتحرّك داخل بيئة تتغيّر فيها طبيعة التهديد قبل أن تكتمل أدوات التعامل معه.
هكذا لا تُقرأ قمّة أنقرة بوصفها لحظة قرار بقدر ما تُقرأ بوصفها لحظة اختبار: اختبار لموقع الناتو داخل نظام دوليّ لم يعد يمنح التحالفات التقليديّة هامش الحركة ذاته الذي عرفته لعقود.
