المشكلة ليست في أن رجل دين أو زعيمًا محليًا اختار موقفًا سياسيًا مثيرًا للجدل. فالمجتمعات، ومنها المجتمع الدرزي، ليست كتلة سياسية واحدة، ومن الطبيعي أن تتعدد فيها الآراء حول الدولة والسلطة والمستقبل. المشكلة تبدأ عندما يتحول موقف شخص أو تيار إلى ادعاء بأنه يمثل طائفة بأكملها.
وهنا تحديدًا ينبغي التمييز بين السويداء بوصفها مجتمعًا سوريًا متنوعًا في مواقفه، وبين مشروع سياسي يطرحه الشيخ حكمت الهجري وحلفاؤه. فالوقائع المتاحة لا تسمح بالقول إن الدروز في سوريا اتفقوا على الانضمام إلى إسرائيل، بل تشير بالعكس إلى وجود رفض واضح لهذا الطرح، وإلى تباين داخل البيئة الدرزية نفسها. في الواقع ما تؤكده المتابعات هو أن المزاج العام وأغلبية أهالي السويداء لا يريدون التخلي عن سوريتهم. وأن سكان المحافظة “ليس لهم إلا دولتهم” رغم خلافاتهم مع دمشق.
وهذا التفصيل مهم، لأن الخطأ الأكبر. السويداء ليست الهجري، كما أن الدروز ليسوا الهجري. والاختلاف مع دمشق لا يعني بالضرورة الرغبة في الانضمام إلى إسرائيل، كما أن المطالبة بضمانات أمنية أو حقوق سياسية أو إدارة محلية لا تعني تلقائيًا مشروع انفصال.
لقد شهدت السويداء بالفعل تحركات رفعت خلالها أعلام إسرائيل، ولا يمكن إنكار وجود مجموعات تتبنى خطابًا أكثر قربًا من إسرائيل وتطالب بتقرير المصير أو الانفصال. ففي يناير/كانون الثاني وأبريل/نيسان 2026، ظهرت مثل هذه المشاهد في تظاهرات مرتبطة بأتباع الهجري. لكن وجود هذه التظاهرات لا يعني وجود إجماع شعبي، تمامًا كما أن رفع علم في ساحة عامة لا يمنح صاحبه تفويضًا بالتحدث باسم مجتمع بأكمله.
بل إن غالبية الأصوات الدرزية التي ظهرت في سياقات أخرى قالت بوضوح إن دعوات الانفصال والتقسيم مرفوضة، وإن بوصلة أبناء المنطقة هي سوريا. وعبّروا عن رفضهم للتدخل الإسرائيلي.
هذه الأصوات لا ينبغي أن تُستخدم بدورها للقول إن جميع الدروز يؤيدون دمشق أو يرفضون أي شكل من أشكال الحكم المحلي. ذلك سيكون خطأً معاكسًا. الحقيقة الأكثر تعقيدًا هي أن داخل المجتمع الدرزي نقاشًا حقيقيًا حول الأمن والحقوق والعلاقة مع السلطة المركزية، لكن هذا النقاش لا يمكن اختزاله في خيار واحد.
تصريحات حكمت الهجري بالانضمام إلى إسرائيل تمثل موقفًا شخصيًا مثيرًا للجدل، لا إجماعًا درزيًا، إذ إن المظاهرات المؤيدة محدودة العدد والتأثير
ولعل أكثر ما يجعل خطاب الانضمام إلى إسرائيل صادمًا بالنسبة إلى الذاكرة السورية هو أنه يصطدم مع أحد أبرز فصول التاريخ الوطني الذي لعب فيه جبل العرب دورًا مركزيًا.
قبل قرن تقريبًا، خرج سلطان باشا الأطرش من جبل العرب ليقود الثورة السورية الكبرى ضد الانتداب الفرنسي. ولم تكن المسألة، في جوهرها، مشروعًا لبناء دولة درزية مستقلة، كما حاولت بعض القراءات الاستعمارية تقديمها، بل تحولت الثورة سريعًا إلى مشروع وطني سوري أوسع. وقد أظهر الأطرش، في خطابه السياسي، تمسكًا بوحدة سوريا وبناء دولة وطنية تقوم على السيادة والقانون والحرية والمساواة.
والأكثر دلالة أن شعار الثورة الذي ارتبط باسم سلطان الأطرش كان: “الدين لله والوطن للجميع”. وهو شعار يصعب تجاهل دلالته اليوم، لأن معناه يتجاوز حدود اللحظة التي ولد فيها. إنه يقول إن الانتماء الديني لا يلغي الانتماء الوطني، وإن الدفاع عن جماعة محلية لا يتطلب تحويلها إلى جزيرة منفصلة عن محيطها.
لقد انطلقت الثورة من جبل العرب، لكنها لم تبقَ فيه. امتدت إلى حماة ودمشق والغوطة ومناطق سورية أخرى، وشارك فيها سوريون من خلفيات متعددة، الأمر الذي جعلها واحدة من أهم محطات المقاومة الوطنية ضد الانتداب الفرنسي.
وهذا التاريخ لا يعني أن الدروز مطالبون بتبني موقف سياسي واحد إلى الأبد، ولا أن تجربة 1925 تمنعهم من نقد الدولة السورية أو المطالبة بإصلاحها. التاريخ ليس قيدًا على الحاضر. لكنه يصبح مهمًا عندما يحاول أحدهم إعادة تعريف هوية جماعة كاملة بطريقة تتناقض جذريًا مع جزء أساسي من ذاكرتها الوطنية.
المسألة الأكثر خطورة في خطاب الهجري ليست حتى فكرة الانضمام إلى إسرائيل في حد ذاتها، وإنما المنطق السياسي الذي يقف خلفها.
لقد قال الهجري في يناير/كانون الثاني إن إسرائيل هي الطرف المؤهل لضمان ترتيبات مستقبلية في المنطقة، وتحدث عن الاستقلال وعن دور إسرائيلي في حماية السويداء. وفي تصريحات أحدث، تجاوز الخطاب فكرة “الضمانة” إلى لغة أكثر جذرية، عندما تحدث عن الدروز بوصفهم جزءًا من إسرائيل.
لكن التاريخ السياسي للمنطقة يقدم درسًا قاسيًا: حين تدخل الطوائف في علاقة حماية مع قوة خارجية، فإنها نادرًا ما تبقى صاحبة القرار الكامل في تعريف مصالحها.
إسرائيل لا تتعامل مع الجنوب السوري من منظور عاطفي أو طائفي. إنها دولة لها حساباتها الأمنية والإستراتيجية. ومن الطبيعي أن تبحث عن ترتيبات تخدم أمن حدودها ونفوذها الإقليمي. ولذلك فإن تحويل العلاقة معها إلى مشروع هوية سياسية للطائفة الدرزية يحمل مخاطرة كبيرة: أن تتحول الجماعة من صاحب قضية إلى ورقة في لعبة أكبر منها.
وهنا يصبح السؤال الحقيقي ليس: هل تستطيع إسرائيل حماية السويداء؟ بل: ما الذي يحدث للسويداء إذا أصبحت حمايتها مرتبطة بإسرائيل؟
قد يبدو ذلك في لحظة الخوف خيارًا عمليًا، لكنه على المدى الطويل قد يخلق عزلة عربية وسورية، ويضع الدروز في مواجهة محيطهم، ويمنح خصومهم ذريعة لاتهامهم بالارتهان للخارج. والأخطر أنه قد يقسم المجتمع الدرزي نفسه بين من يرى إسرائيل ضمانة ومن يرى فيها قوة خارجية تستخدم القضية لخدمة مصالحها.
ثمة حقيقة أخرى ينبغي ألا تضيع وسط هذا الجدل: لا ينبغي تحويل الخلاف مع دمشق إلى خصومة مع سوريا.
الدروز في السويداء لديهم، مثل بقية السوريين، أسئلة مشروعة حول الأمن والتمثيل السياسي والحقوق والعدالة والمحاسبة ومستقبل الدولة. وهذه الأسئلة لا يمكن إسكاتها بشعار الوحدة الوطنية وحده. الدولة السورية الجديدة، إذا كانت تريد بناء شرعية مستدامة، مطالبة بأن تقدم للدروز ضمانات حقيقية للمواطنة والمساواة والأمن، وأن تتعامل مع السويداء باعتبارها شريكًا في الدولة.
لكن الفرق كبير بين أن تطالب بحقوقك داخل وطنك، وبين أن تبحث عن وطن بديل.
والفرق أكبر بين أن تطلب ضمانات دولية مؤقتة، وبين أن تجعل قوة أجنبية مرجعية لمستقبلك السياسي.
من هنا يمكن أن يكون رفض خطاب الهجري فرصة لإعادة صياغة النقاش حول السويداء بطريقة أكثر عقلانية: كيف نبني دولة سورية تحمي الدروز من دون أن تعزلهم؟ وكيف نضمن حقوقهم من دون تحويلهم إلى مشروع انفصال؟ وكيف يمكن أن تكون المواطنة أقوى من الخوف؟
ربما تكون المفارقة الأكثر إثارة للتأمل أن قوة الدروز التاريخية لم تأتِ يومًا من عزلتهم عن محيطهم، بل من قدرتهم على الحفاظ على خصوصيتهم وهم جزء من المجال الوطني الأوسع.
لقد أثبت تاريخ سلطان باشا الأطرش أن الهوية الدرزية لم تكن بحاجة إلى الانفصال لكي تحافظ على نفسها. بل إن أحد أهم رموزها السياسية الحديثة ارتبط اسمه بمشروع وطني سوري عابر للطوائف. وتشير مصادر تاريخية إلى أن الأطرش رفض أن يكون هدفه استقلال الدروز، وأكد أن غايته كانت استقلال سوريا كلها.
السويداء ليست الهجري والدروز ليسوا الهجري؛ أغلبية الشارع الدرزي متمسكة بسوريتها وتطالب بحقوقها داخل الوطن لا عبر ارتهان لإسرائيل أو الخارج
وهذا لا يعني أن السويداء يجب أن تعود إلى الماضي، بل يعني أن الماضي نفسه يقدم درسًا معاكسًا تمامًا لذلك الذي يحاول خطاب الانضمام إلى إسرائيل تقديمه.
فالهوية لا تحتاج إلى جدار لكي تحمي نفسها.
والأمن لا يحتاج إلى وصاية أجنبية.
والخصوصية الثقافية لا تتناقض مع الدولة الوطنية.
والحقوق لا تتطلب مغادرة الوطن.
لهذا ينبغي التعامل مع تصريحات الهجري باعتبارها موقفًا سياسيًا مثيرًا للجدل، لا تفويضًا شعبيًا. فحتى المسؤولون المحليون في السويداء وصفوا خطابه بأنه لا يمثل المحافظة.
في النهاية، قد يكون أكبر خطأ هو السماح لخطاب الهجري بأن يحول السؤال من “كيف نحمي الدروز؟” إلى “هل الدروز سوريون أم إسرائيليون؟”. فهذا السؤال الأخير يخدم منطق التقسيم أكثر مما يخدم أهل السويداء.
السويداء ليست بحاجة إلى أن تختار بين كرامتها وسوريتها. وسوريا ليست مطالبة بأن تختار بين وحدتها وحقوق مكوناتها. الطريق الأكثر عقلانية هو بناء دولة تستطيع أن تمنح الاثنين معًا.
أما إسرائيل، مهما كانت حساباتها في الجنوب السوري، فلا تستطيع أن تمنح الدروز ما يمنحه التاريخ والانتماء والمواطنة: بيتًا لا يحتاج إلى حماية خارجية كي يكون بيتًا.
قوة الدروز اليوم لا تكمن في الانضمام إلى دولة أخرى، ولا في تحويل السويداء إلى جزيرة سياسية محاطة بالحدود والمخاوف، وإنما في استعادة أفضل ما في تاريخهم: القدرة على الدفاع عن خصوصيتهم من داخل وطنهم، وعلى تحويل الاختلاف إلى شراكة، والخوف إلى مواطنة.
ذلك هو الدرس الذي تركه سلطان باشا الأطرش قبل قرن، وربما يكون اليوم أكثر راهنية من أي وقت مضى.