أنقرة – تفتح العمليات الأمنية المتلاحقة التي تستهدف جماعات دينية ذات نفوذ في تركيا سؤالاً يتجاوز الاتهامات المالية والقضائية المعلنة، ليصل إلى طبيعة التحولات التي تشهدها منظومة الحكم في عهد الرئيس رجب طيب أردوغان. فاستهداف جماعات إسلامية معروفة بمعارضتها للرئيس يوحي بأن أنقرة لا تعيد فقط ترتيب علاقتها بالمعارضة السياسية، وإنما تعمل أيضاً على إعادة ضبط مراكز النفوذ داخل البيئة المحافظة التي شكلت لسنوات جزءاً مهماً من قاعدة حزب العدالة والتنمية.
وخلال أغسطس/آب، استهدفت السلطات جماعة «سليمانجي» في عمليات شملت توقيف عشرات الأشخاص، بينهم زعيم الجماعة عليهان كوريش، على خلفية اتهامات تتعلق بغسل الأموال والاحتيال وتشكيل منظمة إجرامية. كما طالت الإجراءات شركات مرتبطة بالجماعة. وفي 25 أغسطس، أعلنت النيابة في أنقرة موجة ثالثة من التحقيقات، مع إصدار أوامر بتوقيف 54 شخصاً وتعيين أوصياء على 11 شركة وثلاث جمعيات مرتبطة بالجماعة.
وتكمن حساسية هذه التطورات في أن الجماعات الدينية ليست مجرد كيانات دينية واجتماعية، بل تمتلك في تركيا تاريخاً طويلاً من النفوذ السياسي وشبكات واسعة من الأتباع والمؤسسات الاقتصادية والتعليمية.
وقد استفاد حزب العدالة والتنمية خلال سنوات صعوده من التحالف الواسع داخل التيار المحافظ، لكن العلاقة بين السلطة وبعض الجماعات الإسلامية لم تكن مستقرة دائماً. ومع تحول أردوغان إلى مركز الثقل شبه الوحيد داخل المعسكر المحافظ، أصبحت الجماعات التي تحتفظ بهامش مستقل من التنظيم والتأثير السياسي أكثر عرضة للاحتكاك مع السلطة.
وتشير تحليلات حديثة إلى أن جماعة «سليمانجي» ظلت خارج المدار السياسي لأردوغان، وأن الخلاف بين الطرفين يعود إلى سنوات طويلة. ولذلك ينظر بعض المراقبين إلى توقيت الحملة باعتباره مؤشراً إلى رغبة السلطة في إخضاع مراكز النفوذ المحافظة المستقلة، وليس فقط معالجة مخالفات مالية.
لكن الحكومة التركية تقدم رواية مختلفة تماماً. فقد أكد وزير العدل أكين غورليك أن العملية ضد «سليمانجي» ليست موجهة ضد جماعة دينية بسبب أفكارها، وإنما تستهدف بنية مالية يُشتبه في ارتكابها جرائم غسل أموال واحتيال ومخالفات ضريبية.
وهذا التباين بين الروايتين هو جوهر القضية: هل تستخدم الدولة أدواتها القانونية لتفكيك شبكات مالية غير قانونية، أم أن القضاء والأمن أصبحا جزءاً من عملية أوسع لإعادة توزيع النفوذ داخل المجتمع المحافظ؟
ولم تتوقف التحركات عند «سليمانجي». ففي وقت سابق من أغسطس، استهدفت السلطات «مؤسسة فوركان»، وهي جماعة إسلامية أخرى معروفة بمواقفها المعارضة لأردوغان.
وشملت العملية توقيف 32 شخصاً، بينهم مؤسس الجماعة ألبارسلان كويتول وزوجته، إلى جانب حجب الوصول إلى مئات الحسابات على وسائل التواصل الاجتماعي وتعيين أوصياء على شركات مرتبطة بأعضاء الجماعة، وفق تقارير تركية. ووجهت السلطات اتهامات تتعلق بتشكيل وإدارة منظمة إجرامية وغسل الأموال وتزوير وثائق والاحتيال المشدد.
الجماعات الدينية ليست مجرد كيانات دينية واجتماعية، بل تمتلك تاريخاً طويلاً من النفوذ السياسي وشبكات واسعة من الأتباع والمؤسسات
ويعطي تزامن العمليتين انطباعاً بأن المسألة قد تكون أوسع من قضية واحدة، خصوصاً أن الجماعتين تنتميان إلى بيئة إسلامية محافظة، لكنهما احتفظتا بمسافة سياسية عن أردوغان.
ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة التحركات باعتبارها إعادة رسم للحدود داخل المعسكر المحافظ نفسه: من ينسجم مع الدولة يمكن أن يستمر في العمل، أما من يمتلك شبكة اجتماعية أو مالية أو سياسية مستقلة وقابلة للتحول إلى قوة منافسة، فقد يجد نفسه أمام رقابة أشد.
وتأتي هذه التحركات بالتزامن مع مسعى أردوغان لتثبيت مرحلة سياسية جديدة، خصوصاً مع دفعه باتجاه مشروع «تركيا خالية من الإرهاب» وإنهاء الصراع المسلح مع حزب العمال الكردستاني.
وفي خطابه الأخير بمناسبة الذكرى الـ955 لمعركة ملاذكرد، ربط أردوغان بين إنهاء الإرهاب وتعزيز قوة الدولة والاقتصاد، مؤكداً أن المرحلة المقبلة ستفتح الطريق أمام تركيا أقوى وأكثر استقراراً.
وهذا السياق مهم لفهم تشديد قبضة السلطة. فكلما اقتربت تركيا من إعادة ترتيب ملفها الكردي والأمني، يصبح توحيد مراكز القرار الداخلي أكثر أهمية بالنسبة إلى الرئاسة.
لكن الوجه الآخر لهذه العملية هو تنامي المخاوف بشأن تركّز السلطة. فقد وثقت منظمات حقوقية دولية خلال السنوات الأخيرة تراجع مساحة المعارضة السياسية واستقلال القضاء، فيما ربطت بين تضييق الخناق على المعارضة وبين استمرار مركزية القرار في مؤسسة الرئاسة.
وإذا كانت مواجهة المعارضة السياسية قد أصبحت جزءاً معروفاً من المشهد التركي، فإن استهداف جماعات دينية محافظة يضيف بعداً جديداً إلى عملية إعادة ترتيب الداخل.
فالمسألة لم تعد فقط من يحكم الدولة، وإنما من يملك القدرة على التأثير في المجتمع خارج الدولة والحزب الحاكم.
وهنا تبدو أهمية الجماعات الدينية التي تمتلك مدارس وشبكات اجتماعية ومؤسسات اقتصادية وقاعدة من الأتباع. فالسلطة التي نجحت في بناء تحالف واسع مع المحافظين خلال العقود الماضية قد تكون الآن بصدد الانتقال إلى مرحلة مختلفة: تقليص استقلال مكونات هذا المعسكر وإبقاؤها ضمن المجال الذي تحدده الدولة.
ولا يعني ذلك بالضرورة أن جميع الجماعات الدينية المستقلة ستتعرض للملاحقة، لكن الرسالة التي يمكن أن تصل إلى بقية التنظيمات واضحة: النفوذ الاجتماعي والاقتصادي المستقل لم يعد بعيداً عن رقابة الدولة عندما يتحول إلى قوة سياسية محتملة.
وفي المحصلة، تبدو تركيا أمام مرحلة جديدة من إعادة هندسة مراكز النفوذ. فأردوغان لا يواجه فقط خصومه التقليديين، وإنما يعيد ترتيب المجال الذي نشأ داخله حزب العدالة والتنمية نفسه.