
علمت “المدن” من مصادر مطلعة أن الإعلان عن قائمة الرئيس السوري أحمد الشرع لأعضاء مجلس الشعب سيتم الإعلان عنها، اليوم الأربعاء، خلال مؤتمر صحافي، وبذلك يكتمل أول برلمان بعد سقوط نظام الرئيس المخلوع بشار الأسد.
وأكدت المصادر أن من ضمن القائمة كل من عبد الرحمن مصطفى، وبدر جاموس، وأنس العبدة، ومنذر سراس، وأحمد نواف الجربا، وعبد المنعم ناصيف، ومحمد ياسين، وحسن دغيم، ورولا قديد، وعبد الوهاب دعاس، وجمال سليمان، ونصر الحريري، وروزينا لاذقاني.
وأشارت إلى أن القائمة خضعت لعدة تعديلات خلال الساعات الماضية، بسبب اعتذار عدة أشخاص عن العضوية وإضافة أشخاص آخرين بدلاً عنهم.
وتتجه الأنظار إلى الملامح التشريعية التي سيرسمها مجلس الشعب الجديد في سوريا، إذ يُنتظر منه الكثير لصياغة عقد قانوني وسياسي يُثبّت من خلاله شرعية المرحلة الانتقالية، ذلكَ عبر إقرار قوانين جديدة مؤجلة، وتعديل وربما إلغاء تركة ثقيلة من التشريعات التي أُقرت خلال حقبة نظام الأسدين على مدى أكثر من 60 عاماً.
صلاحيات المجلس
ويتألف مجلس الشعب السوري من 210 أعضاء، وفق أحكام المرسوم 143 لعام 2025 الذي أصدره الرئيس السوري أحمد الشرع في 20 آب/ أغسطس من العام الماضي. وجرى انتخاب ثُلثي الأعضاء (140 عضواً، ما عدا ثلاثة مقاعد مخصصة لمحافظة السويداء لا تزال شاغرة) عن طريق الهيئات الناخبة في المحافظات بموجب المرسوم الرئاسي رقم 66 لعام 2025، على أن يُعيّن الرئيس السوري أحمد الشرع الثلث المتبقي (70 عضواً) وفقاً للمادة 24 من الإعلان الدستوري.
وقال مصدر مطلع لـِ “المدن”، إن أول جلسة للبرلمان السوري ستلتئم خلال الأسبوع المقبل “على الأرجح”، مؤكداً أن المجلس الجديد أمام إرث ثقيل من القوانين التي بحاجة إلى تعديل وربما نسف من حقبة النظام المخلوع، إضافة إلى سن وإقرار قوانين جديدة تتناسب مع سوريا الجديدة والمرحلة الانتقالية، بحيث يتحوّل البرلمان من أداة صورية للبصم على القوانين الرئاسية كما كان الحال عليه خلال عدة عقود ماضية، إلى سلطة تشريعية حقيقية.
وبحسب وثيقة الإعلان الدستوري الذي أصدره الشرع في آذار/ مارس 2025، فإن للبرلمان الصلاحية الكاملة في سن القوانين وإقرارها، إلى جانب “تعديل أو إلغاء القوانين السابقة” التي خلّفتها الحقبة الماضية، إضافة إلى إقرار الموازنة العامة للدولة والمصادقة على المعاهدات الدولية، وبالتالي منح البرلمان صلاحيات واسعة في رسم ملامح الاقتصاد وشكل العلاقات الخارجية للدولة.
إلى جانب ذلك، يملك المجلس الحق في عقد جلسات استماع علنية للوزراء لمساءلتهم ومراقبة أدائهم، وإقرار العفو العام، على أن يتخذ المجلس قراراته بالأغلبية العادية، فيما لا يجوز له عزل أي عضو إلا بموافقة ثلثي النواب. ووفق المادة (26) من الإعلان الدستوري، فإن مدة ولاية المجلس 30 شهراً قابلة للتجديد، ويتولى مهامه حتى اعتماد دستور دائم وإجراء انتخابات تشريعية جديدة في البلاد.
حقل ألغام تشريعي
وواقع الحال، أن المجلس الجديد يقف أمام ترسانة من القوانين والمراسيم التشريعية الخطيرة التي فُصّلت على مقاس نظام الأسد، وفي مقدمتها القانون رقم (10) لعام 2018 الذي أتاح إحداث مناطق تنظيمية عقارية ومصادرة أملاك الغائبين والنازحين واللاجئين الذين لم يتمكنوا من إثبات ملكياتهم في مهل زمنية قصيرة، مروراً بقانون الجرائم المعلوماتية، الذي استُخدم كأداة لقمع حرية التعبير تحت مسميات فضفاضة مثل “النيل من هيبة الدولة”، حيث ينتظر الشارع السوري تعديله لضمان حرية الصحافة والنقد السياسي العام، إضافة إلى قوانين مكافحة الإرهاب التي استخدمت كمقصلة لمعاقبة المعارضين.
فيما يُنتظر من البرلمان إقرار قوانين هامة مثل إنهاء هيمنة وزير العدل على السلطة القضائية، وأخرى لضمان الشفافية المالية وعدم تسييس القوانين الاقتصادية ومنع الاحتكار، وبالتالي فتح الباب واسعاً أمام الاستثمارات الأجنبية الشفافة.
تفكيك إرث “الأسدية”
وحول ما ينتظر المجلس من استحقاقات، يؤكد المحلل والباحث السياسي السوري درويش خليفة أن مجلس الشعب تنتظره مروحة واسعة من القوانين الواجب إقرارها، خصوصاً تلك المتعلقة بملف العدالة الانتقالية، ومحاكمة رموز نظام الأسد، وتجريم الأسدية، إلى جانب سن تشريعات تضمن مساحة واسعة من الحريات السياسية للمنظمات والنقابات، وتمنع تفرد أي سلطة بالقرارات وحصرها في مؤسسة واحدة أو بيد رئيس الجمهورية، بما يحقق التشاركية السياسية في البلاد.
ويضيف خليفة في تصريحات لـِ “المدن”، أن انتقال النظام الاقتصادي في البلاد من الهوية الاشتراكية إلى الليبرالية ونظام السوق المفتوح يتطلب سن قوانين وتشريعات تضبط العملية بشكل دستوري لمنع التشوهات المالية وتوطين الشفافية.
إلى جانب ذلك، يشير المحلل السوري إلى وجود قوانين موروثة من عهد نظام الأسدين وما قبله بحاجة إلى تعديل مالي وإداري لتتناسب مع سوريا ما بعد ثورتها الشعبية، وفي مقدمتها قانون الإدارة المحلية بحيث يتم توسيع اللامركزية الإدارية الموسعة لأهميتها البالغة في استقرار هذه المرحلة.
ويتابع خليفة في قراءته لأولويات البرلمان الجديد، بالتأكيد على أن سن قانون أحزاب سياسية عصري وجديد يمثل ضرورة وطنية قصوى في المرحلة الانتقالية الحالية، إلى جانب تشريعات صارمة تضمن الحريات العامة والفردية وتكفل منع الحصانة القضائية والأمنية، بما يتيح ملاحقة ومحاسبة الضباط المتورطين بانتهاكات.
ويختم درويش خليفة حديثه لـِ “المدن” بالإشارة إلى التحولات الميدانية والعسكرية التي باتت تفرض واقعاً قانونياً وهييكلياً جديداً في البلاد قائلاً: “اليوم الخدمة العسكرية في سوريا أصبحت تطوعية وليست إجبارية، وهناك قوانين موازية ترتبط بالخدمة الجامعية والعديد من الأطر القانونية الواجب العمل عليها فوراً لمواكبة هذه التحولات الجذرية”.