منذ أكثر من قرن ونصف القرن صدم كارل ماركس العالم بسؤال بسيط في شكله، عنيف في جوهره: كيف لثروة تنمو بهذه السرعة، أن تظل حكرًا على قلة من الناس بينما الأغلبية تعمل حتى الإرهاق؟ كان ماركس يرى في النظام الرأسمالي فيلمًا طويلًا انتهت أحداثه بالفعل، لكن الجمهور لم يغادر القاعة بعد. كان مقتنعًا بأن الصراع بين من يملك ومن يعمل هو محرك التاريخ، وأن نهاية القصة معروفة: إما أن يسقط النظام، أو يسقط معه كل شيء. اليوم، بعد كل هذه العقود، يعود السؤال إلى واجهة النقاش، لكن هذه المرة بملابس جديدة، وعلى لسان وزير الرقمنة الألماني كارستن فيلدبرغر، الذي أعلن بصراحة جريئة أن “الزمن الذي كانت فيه الصناعة آلة لتوليد الوظائف قد انتهى بلا رجعة”. فجأة، صار ماركس حاضرًا من جديد، لكن عبر الروبوتات والخوارزميات.
لم يعد المصنع كما كان، صرحًا ضخمًا تعلوه المداخن ويحتشد فيه العمال. اليوم، المصنع أرقى بكثير: قد يكون خادمًا سحابيّا في مكان مجهول، أو نظامًا ذكيّا يتعلم من نفسه. الثقل الاقتصادي لم يعد يقاس بعدد العمال، بل بقوة المعالجة وحجم البيانات. وهذا التحول، الذي يبدو تقنيّا في ظاهره، هو في حقيقته انقلاب اجتماعي صامت. ماركس كان يتحدث عن استغلال العمال داخل المصانع، أما فيلدبرغر فيتحدث عن اختفاء العمال أنفسهم من المصنع. كلاهما يضع الإنسان في مواجهة قوة أكبر منه: الأول واجه رأس المال، والثاني يواجه تكنولوجيا بدأت تتحدث لغته وتفكر بمنطقه.
بين ماركس الذي راهن على فناء الرأسمالية وفيلدبرغر الذي يسعى لإصلاحها: كيف نحمي الإنسان من قوى أكبر منه سواء أتت باسم رأس المال أو باسم الخوارزميات؟
لكن فيلدبرغر، على عكس ما قد يتوقعه عاشقو الشعارات الثورية، لا يدعو إلى اقتحام مقار الشركات أو نصب المتاريس. هو رجل دولة، يتحدث بلغة السياسات، فيدعو إلى إصلاح النظام عبر ضرائب مبتكرة، واستثمار عائدات التكنولوجيا في شبكة أمان اجتماعي متينة. هنا تظهر فكرة “الدخل الأساسي غير المشروط” التي تشبه إلى حد ما حلمًا قديمًا: أن يستفيد الجميع من ثمار التقدم دون أن يضطر أحد للنضال من أجل لقمة العيش. ماركس كان يرى أن الحل يكمن في إلغاء الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج، أما فيلدبرغر فيرى أن الحل يكمن في إعادة توزيع ما تنتجه هذه الملكية عبر الدولة. الفارق بينهما شاسع كالفارق بين الثورة والإصلاح، لكن الجوهر واحد: كيف نضمن ألّا تتحول الطفرة الاقتصادية إلى مصدر جديد للظلم الاجتماعي، بدل أن تكون نهاية للظلم القديم؟
ما يضفي على تصريحات الوزير نكهة إنسانية غير معتادة هو إصراره على التذكير بأن الإنسان ليس مجرد مستهلك أو منتج، بل كائن يحتاج إلى نشاط يمنح حياته معنى. هو يحذر من أن بطالة الأتمتة ليست مجرد أزمة اقتصادية، بل أزمة وجودية. تخيل إنسانًا يجلس في بيته، يتقاضى راتبًا شهريّا، لكنه لا يفعل شيئًا، ولا يشعر بأنه ضروري لأحد. هذا المشهد، الذي قد يبدو مثاليّا لبعضهم، هو عند فيلدبرغر مقدمة لكوارث نفسية واجتماعية. هذا البعد، الذي لم يأخذ حيزًا كبيرًا في خطاب ماركس الذي انشغل بالبنية الاقتصادية على حساب التجربة الفردية، بات اليوم في صلب النقاش. فالعدالة الاجتماعية لم تعد تعني فقط توزيعًا عادلًا للثروة، بل أيضًا توزيعًا عادلًا للإحساس بالقيمة والانتماء.
العرب اللندنية