خوشناف حمو.. كاتب وناشط في مجال المدني
ثمة رواج لافت، يكاد يرقى إلى مرتبة البديهية الخطابية، في الدعوة إلى “توحيد الصف الكردي” في سوريا.
والصف الكردي هنا، يمكن أن يتمثل في (حزب PYD بتجلياته وتكويناته المختلفة والأحزاب التي تدور في فلكه من جهة، والمجلس الوطني الكردي بما يحتويه من أحزاب متمحورة حول حزب بعينه، في الجهة المقابلة).
وللحق فإن عبارة “توحيد الصف الكردي” تستمد قوتها من حمولة وجدانية كثيفة، حيث تتقاطع الذاكرة الجمعية مع توقٍ تاريخي مستدام إلى التماسك، فتبدو الوحدة، في هذا السياق، كأنها قدر مؤجل لا بد أن يتحقق.
غير أن هذا الإغراء البلاغي، على وجاهته العاطفية، يخفي وراءه تعقيدا سياسيا لا يُختزل بشعار، ولا يُفكّك برغبة. فالمسألة، عند التدقيق، لا تتعلق برفض مبدأ الوحدة بقدر ما تتعلق بإعادة مساءلته، أي وحدة؟ وتحت أي شروط؟ وبين أي قوى؟
إذ أن القوتين الكرديتين الرئيسيتين في سوريا لا تقفان على أرضية واحدة إلا في حدود عامة وفضفاضة، بينما تتباينان على مستويات أكثر عمقا. في المرجعيات الفكرية، وفي أنماط التنظيم، وفي شبكات التحالف الإقليمي، بل وحتى في تعريفهما لوظيفة الفعل السياسي وحدوده. وهذه ليست فروقات عرضية يمكن تجاوزها بقرار فوقي، بل عناصر بنيوية تعيد إنتاج نفسها داخل كل محاولة تقارب.
مع ذلك، فإن القفز إلى استنتاج استحالة الجمع بين هاتين القوتين لا يقل تبسيطا عن افتراض سهولة توحيدهما، فالسياسة لا تدار بمنطق (الممكن/المستحيل)، بل ضمن طيف من الصيغ الوسيطة التي تتدرج من التنسيق الظرفي إلى الشراكات الجزئية، وصولا(نظريا) إلى أشكال أكثر تقدما من التقارب.
غير أن الانتقال بين هذه المستويات ليس شأنا إرادياً صرفا، بل محكوم بتوازنات داخلية وتعقيدات إقليمية تفرض سقوفها وحدودها. هنا تحديدا، تبدو الدعوة إلى “الوحدة ” أقرب إلى تعبير عن حاجة (نفسية – سياسية) لدى الجمهور الكردي، بقدر ما هي مشروع سياسي قابل للتحقق.
فالعاطفة القومية، بخلاف ما قد يُظن، ليست عنصرا زائدا يمكن شطبه من المعادلة، بل هي قوة تعبئة وتأطير، تسهم في إنتاج المعنى السياسي نفسه. غير أنّ تحويل هذه العاطفة إلى برنامج عمل يتطلب ترجمتها إلى آليات واقعية، لا الاكتفاء بإعادة إنتاجها كشعار جامع.
من هذا المنظور، قد يكون الأجدى الانتقال من أفق “وحدة الموقف” إلى أفق “إدارة التعدد”. أي الاعتراف بأن التباين بين القوتين ليس عارضا طارئا، بل جزء من البنية السياسية ذاتها، ومن ثم السعي إلى تنظيم هذا التباين بدل السعي إلى محوه.
في هذا الإطار، تبرز إمكانيات مثل بناء قنوات تنسيق مؤسسية، أو تطوير صيغ تمثيل مشتركة في قضايا محددة، أو حتى ترسيم حدود التنافس بما يمنع انزلاقه إلى صراع إلغائي.
إن الرهان الواقعي، والحال هذه، لا يكمن في إنتاج تطابق قسري بين فاعلين مختلفين، بل في ابتكار صيغ مرنة تسمح لهما بالاشتغال ضمن حقل سياسي واحد، دون أن يفضي اختلافهما إلى تفكيك هذا الحقل.
وهنا، تغدو “الوحدة ” مفهوماً إجرائياً أكثر منه ميتافيزيقيا.
إطارا لتنظيم العلاقة، لا حالة نهائية مكتملة.
بهذا المعنى، لا يعود السؤال، لماذا لا تتوحد القوى الكردية؟ بل، كيف يمكن إدارة اختلافها بطريقة تقلص كلفته وتزيد من قدرته على إنتاج فعل سياسي فعال؟
وهو سؤال، على تواضعه الظاهري، أكثر التصاقا بمنطق السياسة، وأبعد عن غواية الشعارات.