لم يخرج الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب من لقائه الثلاثيّ مع الرئيس السوريّ أحمد الشرع والرئيس التركيّ رجب طيّب إردوغان في قمّة حلف شماليّ الأطلسيّ في أنقرة معلناً اتّفاقاً أو صفقة. اكتفى بجملة واحدة: “الشرع قدّم التزامات”، ثمّ أغلق الباب.
لم يقُل ما هي هذه الالتزامات، ولم يشرح مضمونها، على الرغم من أنّه تحدّث بإسهاب عن ملفّات أخرى تناولها الاجتماع. وهذا وحده يكفي لطرح سؤال: لماذا اختار ترامب أن يكشف كلّ شيء تقريباً، ويخفي هذه النقطة تحديداً؟
بحسب معلومات “أساس”، لم يكن اللقاء الثلاثيّ محصوراً بملفّ واحد. فقد بحث مستقبل العلاقات الأميركيّة – السوريّة بعد سنوات من القطيعة، استكمال مسار رفع العقوبات، فتح الباب أمام إعادة الإعمار، وتشجيع الاستثمارات الغربيّة، إلى جانب تثبيت الانفتاح السياسيّ بين واشنطن ودمشق.
لم يخرج الشرع من الاجتماع بخفّي حُنين. فترامب أعلن عزمه شطب سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب، في خطوة تُعدّ أكبر مكسب سياسيّ تحصل عليه دمشق منذ سقوط النظام السابق، لأنّها تفتح الباب أمام مرحلة مختلفة اقتصاديّاً وسياسيّاً، وتمنح الإدارة السوريّة الجديدة شرعيّة دوليّة أوسع.
لكن وسط كلّ هذه “الهدايا” السياسيّة، اختار ترامب أن يتحدّث عن أمر واحد فقط لم يكشف تفاصيله: “التزامات” قدّمها الشرع.
هنا تبدأ القصّة
بحسب مصدر لـ”أساس”، استخدم ترامب كلمة “التزامات” أكثر بكثير من كلمة “تنازلات”. والفارق بينهما ليس لغويّاً فقط، بل سياسيّ أيضاً، فواشنطن لا تريد أن تظهر دمشق وكأنّها تُجبر على تنفيذ شروط، بل كشريك جديد يقدّم تعهّدات ضمن مسار سياسيّ جديد، تُختبر نتائجه تدريجاً.
لكن لماذا بقيت هذه الالتزامات سرّيّة؟
ثمّة سببان لذلك:
ـ الأوّل أنّ الإدارة الأميركيّة باتت تتعامل بحساسيّة شديدة مع أيّ نقاش يتّصل بالدور السوريّ في لبنان، بعدما انتقل هذا الملفّ من مرحلة الأفكار إلى مرحلة البحث العمليّ.
ـ أمّا الثاني فهو أنّ الصورة لم تكتمل بعد. فما طُرح في أنقرة يحتاج إلى موافقة أطراف أخرى قبل أن يتحوّل إلى تفاهم سياسيّ قابل للتنفيذ، وفي مقدَّمها إسرائيل، إلى جانب كيفيّة مقاربة إيران لأيّ ترتيبات إقليميّة جديدة.
من أنقرة إلى واشنطن
بحسب معلومات “أساس”، لم يكن لبنان غائباً عن اللقاء الثلاثيّ، بل كان أحد الملفّات التي نوقشت بين ترامب والشرع وإردوغان، ولا سيما في ما يتعلّق بالدور الذي يمكن أن تؤدّيه دمشق خلال المرحلة المقبلة.
إلّا أنّ ما قُدّم بقي في إطار الالتزامات السياسيّة، فيما أُرجئ استكمال البحث إلى واشنطن حيث سيضع ترامب ما سمعه من الشرع أمام رئيس الوزراء الإسرائيليّ بنيامين نتنياهو، لبحث مدى استعداد إسرائيل للسير في ترتيبات جديدة تخصّ لبنان.
لكنّ ذلك لن يكون المحطّة الوحيدة. فبحسب المعلومات، سيطرح ترامب أيضاً مضمون هذه الالتزامات أمام الرئيس اللبنانيّ جوزف عون خلال زيارته المرتقبة لواشنطن في الحادي والعشرين من تمّوز، باعتبار أنّ أيّ دور سوريّ مستقبليّ في لبنان لا يمكن أن يُبحث بمعزل عن الدولة اللبنانيّة.
بمعنى آخر، لن تبقى الورقة التي حملها ترامب من أنقرة بينه وبين الشرع، بل ستتحوّل إلى أساس نقاش مع الطرفين الأكثر ارتباطاً بهذا الملفّ: إسرائيل ولبنان.
ما طبيعة الالتزامات؟
لا تتّصل هذه الالتزامات بوقف تهريب السلاح إلى “الحزب” أو بضبط الحدود، لأنّ هذين الملفّين يشكّلان أصلاً جزءاً من الشروط الأميركيّة التي بدأت دمشق بتنفيذها قبل قرار رفع العقوبات.
لذلك يدور الحديث عن مستوى مختلِف من الالتزامات يرتبط بالدور السوريّ داخل لبنان، وكيفيّة مساهمة دمشق في أيّ ترتيبات مقبلة إذا توافرت الظروف السياسيّة والإقليميّة المناسبة.
اللافت أنّ هذا المسار لم يولد فقط برعاية أميركيّة، بل أيضاً تحت أنظار إردوغان. ترى مصادر “أساس” أنّ الرئيس التركيّ لم يكن مضيفاً للقمّة، بل تحوّل إلى ضامن سياسيّ بين واشنطن ودمشق، والرجل الذي تمرّ عبره التفاهمات الجديدة مع سوريا، وهو ما يمنح أنقرة موقعاً متقدّماً في أيّ نقاش يطال مستقبل لبنان.
من هنا يمكن فهم جانب من النقاش الذي دار قبل أيّام بين رئيس الحكومة نوّاف سلام والرئيس إردوغان، حين حاول سلام، بحسب معلومات “أساس”، استيضاح حقيقة ما يجري: هل تتّجه سوريا فعلاً إلى لعب دور في لبنان؟ وما طبيعة هذا الدور؟ وأين تقف تركيا منه؟
من يعرف؟
لا توجد أجوبة نهائيّة حتّى الآن، فلم يكن اللقاء الذي عُقد في أنقرة محطّة ختاميّة، بل بداية مسار سياسيّ يُفترض أن يُستكمل في واشنطن حيث سيختبر ترامب الموقف الإسرائيليّ مع نتنياهو، ثمّ الموقف اللبنانيّ مع الرئيس جوزف عون قبل أن تتّضح الصورة النهائيّة.
ولهذا بقيت “الالتزامات” خارج التداول العلنيّ على الرغم من إعلان كلّ الملفّات الأخرى التي نوقشت في اللقاء.
بحسب المعلومات لا يزال مضمونها محصوراً في دائرة ضيّقة جدّاً من القادة الذين شاركوا في صياغة هذا المسار أو سيُطلب منهم حسمه سياسيّاً: دونالد ترامب، أحمد الشرع، رجب طيّب إردوغان، بنيامين نتنياهو، وجوزف عون.
عندئذٍ فقط سيتّضح الأمر: هل تبقى الورقة التي خرج بها ترامب من أنقرة سرّاً سياسيّاً أم تتحوّل إلى تفاهم إقليميّ جديد يعيد رسم الدور السوريّ في لبنان؟
