قبل الانتقال إلى الجولة السادسة للمفاوضات اللبنانيّة الإسرائيليّة برعاية أميركيّة في روما غداً الأربعاء، اعتبر المفاوض اللبنانيّ أنّ إنجاز اتّفاق الإطار في 26 حزيران الماضي أنهى مرحلة لمصلحة أخرى عنوانها تنفيذيّ. والتنفيذ باتت مسؤوليّته تقع على عاتق السلطة السياسيّة والجيش والراعي الأميركيّ. وتردّد أنّ رئيس الوفد اللبنانيّ المفاوض السفير السابق سيمون كرم اعتبر أنّه أنهى مهمّته في اتّفاق الإطار ليتولّى المعنيّون تطبيقه. لكنّ “العمليّة المتبادلة والمتسلسلة والتدريجيّة” تفرض تفاوضاً متواصلاً على كلّ بند من اتّفاق الإطار.
سيحتاج لبنان إلى استبدال هيمنة إسرائيل على جنوبه ومصيره، بحكم ميزان قوى أنتجته حربها الساحقة ضدّ “الحزب”، وإلى التخلّص برعاية دوليّة من الوصاية الإيرانيّة المتواصلة على قراراته منذ عقدين ونيّف، لاستعادة بعض الاستقرار.
قبول أميركيّ بشراكة دوليّة في الجنوب
لا يمانع بعض مؤيّدي هذا المسار تسمية هذه الرعاية بـ”الوصاية” الدوليّة. فلا قدرة للبلد الضعيف والمهزوم على مواجهة هيمنة إسرائيل ووصاية “حرس الثورة” الإيرانيّ، إلّا بالرهان على الولايات المتّحدة الأميركيّة. والأهمّ من ذلك هو تعزيز مسار إخراجه من شرنقة ربطه بحرب الاستنزاف الأميركيّة الإسرائيليّة مع إيران، الدائرة تحت عنوان مضيق هرمز. فطهران غير جدّيّة في طرح الحلول لمصلحة لبنان وفق مسار إسلام آباد.
لمس المفاوض اللبنانيّ خلال جولات التفاوض في واشنطن معطيات جديدة لمصلحة رهانه، فالحاجة إلى “التحقُّق” من تطبيق الانسحاب الإسرائيليّ وإنهاء دور “الحزب” العسكريّ في الجنوب وفق اتّفاق الإطار تتطلّب مشاركة دوليّة ما دامت قيادة الجيش الأميركيّ ضدّ وجود جنودها على الأرض.
يقول مصدر معنيّ بالمفاوضات لـ”أساس” إنّ الجانب الأميركيّ بات يميل لتلزيم مهمّة التحقّق والرقابة لقوّة بديلة عن “اليونيفيل” قوامها التحالف الفرنسيّ ـ الإيطاليّ الذي تؤيّده ألمانيا وبريطانيا. وهناك اتّصالات أميركيّة ـ أوروبيّة لهذا الغرض. وتشمل الخيارات ضمّ قوّة مصريّة وأردنيّة إلى هذا التحالف. وهناك من يطرح الاستعانة أيضاً بقوّة تركيّة، فيما اقترحت روما الاستعانة بقوّات دول إسلاميّة منها إندونيسيا.
تشكيل لجان التّفاوض
بالانتظار، تقول مصادر رسميّة لـ”أساس” إنهّ إلى حين بتّ رغبة السفير كرم بترك مهمّة المرحلة التنفيذيّة لغيره، تعود رئاسته للوفد اللبنانيّ إلى روما غداً إلى أنّ مهمّة الجولة السادسة هي تشكيل لجان ثلاثيّة للإشراف على التطبيق. يشمل النصّ “إنشاء مجموعة تنسيق عسكريّة بدعم ومشاركة الولايات المتّحدة”. واللجان المزمع تأليفها في روما معظمها ذات طابع تقنيّ، وعناوين “الإطار” تحدّد اختصاصها:
ـ الانسحاب الإسرائيليّ. فقد ورد ذكر الانسحاب أربع مرّات في البندين الثاني والثالث بعبارة “إعادة انتشار الجيش الإسرائيليّ خارج الأراضي اللبنانيّة”، بعدما راعى الجانب الأميركيّ الطلب الإسرائيليّ لجهة تجنّب كلمة “انسحاب” لأسباب انتخابيّة. وورد بعبارات “المناطق التجريبيّة” أكثر من خمس مرّات.
ـ انتشار الجيش اللبنانيّ واستعادة السيادة على أرض الجنوب. وردت هاتان العبارتان في النصّ بتعابير متعدّدة، إن بمواجهة الاحتلال الإسرائيليّ أو بالحديث عن التدخّل والتوغّل الإيرانيّين اثنتي عشرة مرّة.
ـ عودة النازحين وردت ثلاث مرّات وتندرج تحت بند المساعدات الإنسانيّة وإعادة الإعمار.
ـ التحقّق الأميركيّ والدوليّ من الانسحاب الإسرائيليّ وانسحاب مقاتلي “الحزب” وخلوّ منطقة الانسحاب من أسلحة “الحزب” ومصادرتها. وقد ورد مبدأ “التحقّق” والتأكّد ستّ مرّات في النصّ.
ـ تحديد الحدود البرّيّة التي تندرج تحت عناوين عدّة، سواء ما يتعلّق بالسيادة أو بالاتّفاق النهائيّ بين لبنان وإسرائيل.
ـ الإفراج الإسرائيليّ عن الأسرى ورفات مقاتلي “الحزب”.
أمّا ما ورد عن “تشكيل مجموعات عمل لصياغة اتّفاق سلام وأمن شامل وكامل”، فهذا البند يحتاج إلى تفاوض على خيار تل أبيب لتحقيق اتّفاق سلام كامل وبمعنى التطبيع، فيما السقف اللبنانيّ المُراد هو اتّفاق عدم اعتداء ينهي حالة الحرب، لأنّ السلام مرهون بالمبادرة العربيّة التي التزمها لبنان في قمّة بيروت 2002. وتقع تسمية الجانب اللبنانيّ في المجموعات على عاتق الحكومة لأنّه سياسيّ – دبلوماسيّ – قانونيّ بامتياز.
إعادة الإعمار… والأولويّات
أمّا إعادة الإعمار فالمعنيّ بها لبنان والولايات المتّحدة من دون إسرائيل، إلّا إذا شاء لبنان أن يخوض مساراً قانونيّاً لطلب تعويضات من تل أبيب عمّا دمّرته. وهو عنوان يشمل أيضاً مسألة الطلب إلى إيران تقديم مساعدات للدولة اللبنانيّة مقابل ما تسبّبت بها حروبها على الأراضي اللبنانيّة من كوارث. واحتاط اتّفاق الإطار حيال المساعدات الإيرانيّة المفترضة لـ”الحزب” في البند الحادي عشر، الذي فرض “منع وصول أموال إعادة الإعمار إلى الجماعات المسلّحة غير التابعة للدولة أو الكيانات المرتبطة بها”.
قد لا تتشكّل لجان بالعناوين المذكورة كلّها في الجولة السادسة، بانتظار اختبار المناطق التجريبيّة، والتوجّهات الأميركيّة التي يفترض اتّضاحها خلال لقاء الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب مع الرئيس جوزيف عون في 21 الجاري.
الامتحان العسير لجدّيّة الجهود لإخراج لبنان من أتون الحرب المدمّرة التي أُقحِمَ بها بقرار إيرانيّ، تلفّه التعقيدات، مع الإصرار الإيرانيّ على مواصلة الإمساك بورقة لبنان عبر رفض “الحزب” تنفيذ أيّ خطوة منبثقة عن اتّفاق الإطار.
“كسر” سيناريو غزّة أولويّة كرم
منذ اليوم الأوّل للتفاوض المباشر بعد تكليف الرئاسة اللبنانيّة السفير السابق سيمون كرم برئاسة الوفد اللبنانيّ، وضع الأخير في أعلى سلّم الأولويّات معياراً هو عودة النازحين الجنوبيّين إلى قراهم.
في اللقاء الأوّل الذي جمعه مع ممثّل لمجلس الأمن القوميّ الإسرائيليّ في 19 كانون الأوّل 2025، ردّ كرم على مطالبة الأوّل بتحويل المنطقة الحدوديّة اللبنانيّة إلى مساحة تعاون اقتصاديّ وعلى تأييد المندوبة الأميركيّة الخاصّة بلبنان آنذاك مورغان أورتاغوس للمندوب الإسرائيليّ، بالقول: “الأولويّة بالنسبة لنا هي عودة الجنوبيّين إلى قراهم وبيوتهم، قبل أيّ بحث…”.
في جلسات التفاوض اللاحقة وصولاً إلى الجولة الخامسة في 24 و25 و26 حزيران الماضي، التي انتهت بتوقيع اتّفاق الإطار، تأكّدت لكرم الهواجس التي دفعته لاختيار تلك الأولويّة. فتكرار إسرائيل لسيناريو غزّة في لبنان عبر الأرض المحروقة والقتل والتدمير الممنهج للمنازل يعني منع شيعة الجنوب من العودة.
في اجتياح سنة 1982 الذي هدف لإخراج المنظّمات الفلسطينيّة من لبنان، أبقت الدولة العبريّة على السكّان اللبنانيّين في قراهم. أمّا العمليّة العسكريّة الأخيرة فتستهدف تهجيرهم والحؤول دون عودتهم. ولذلك على لبنان أن يقلب هذا المسار الإسرائيليّ ويكسر مسار التهجير بأيّ ثمن. فالسفير كرم، الجنوبيّ، يدرك فداحة تفريغ جزء من المنطقة من مواطنيها الشيعة، أسوة بغزّة.
