ملخص
يرى كاتب المقالة أن دونالد ترمب أعاد أميركا اللاتينية لقلب الإستراتيجية الأميركية، عبر إحياء نهج التدخل والضغط لاستعادة النفوذ، محققاً مكاسب ملموسة في ملفات الهجرة والأمن والحد من التمدد الصيني. لكنه يحذر من أن هذه النجاحات قد تكون قصيرة الأجل، إذ إن سياسة “العصا الغليظة” قد تؤجج المشاعر المعادية لواشنطن، وتدفع دول المنطقة تدريجاً نحو توثيق علاقاتها مع الصين، بما يقوض الأهداف الأميركية على المدى البعيد.
احتشدت وسائل الإعلام العالمية باهتمام بالغ خلال قمة “مجموعة السبع” في يونيو (حزيران) الماضي، للاستماع إلى الرئيس الأميركي دونالد ترمب وهو يقدم تفاصيل حول أحدث اتفاق أبرمته إدارته مع إيران، بيد أن ترمب أصر على العودة لأحد مواضيعه المفضلة، أي العملية العسكرية الأميركية التي أسفرت عن القبض على زعيم فنزويلا آنذاك، نيكولاس مادورو، أوائل يناير (كانون الثاني) الماضي، وقال الرئيس الأميركي بحماسة “لدينا أقوى جيش في العالم، رأيتم ذلك في فنزويلا، والتي لم تستغرق سوى 48 دقيقة، والآن علاقتنا مع فنزويلا صارت ممتازة”، مضيفاً “لقد استعدنا الكلفة 40 ضعفاً، من خلال استخراج ملايين البراميل من النفط، فنزويلا تستفيد ونحن نستفيد”.
إن رغبة ترمب في توجيه أنظاره نحو الجنوب بدلاً من الشرق أو الغرب أو الشمال أمر مفهوم، ففي وقت تبدو حرب الرئيس الأميركي على إيران وكأنها خطأ تاريخي في التقدير، وفي وقت أدت خطاباته ورسومه الجمركية وغيرها من الإجراءات إلى نفور حلفاء الولايات المتحدة التقليديين في أنحاء كثيرة من العالم، تبرز أميركا اللاتينية بوصفها ساحة السياسة الخارجية التي حقق فيها ترمب أكبر قدر من النجاح في دفع أجندته إلى الأمام.
في الواقع أفرد هذا البيت الأبيض قدراً من الاهتمام والموارد على أميركا اللاتينية، أكبر مما خصصته لها أية إدارة أميركية أخرى خلال الـ 40 عاماً الماضية في الأقل، بما في ذلك ولاية ترمب الأولى، وقبل تنصيب ترمب بفترة قصيرة، جادلتُ في مجلة “فورين أفيرز” بأن هذا التوجه أمر مرجح، ليس لأن المنطقة تتناسب مع نظرية سياسية خارجية كبرى، بل لأنها تعتبر مفيدة بالنسبة إلى بعض أهم أولويات ترمب الداخلية، أي وقف الهجرة غير الشرعية، والحد من الوفيات التي تسببها جرعات زائدة من المخدرات، وضمان أمن الولايات المتحدة على المدى الطويل، في مجال الطاقة وإمدادات المعادن الحيوية.
كذلك سعت الإدارة إلى كبح النفوذ الصيني المتزايد في أميركا اللاتينية، والذي بات قادة الحزبين الجمهوري والديمقراطي ينظرون إليه بصورة متزايدة على أنه تهديد للأمن القومي الأميركي، ولعل العنصر الذي يلفت الانتباه أكثر من غيره، في سياسة ترمب حيال أميركا اللاتينية، ليس تركيزها المتجدد على نصف الكرة الأرضية في حد ذاته، وإنما هو المدى الذي تذهب إليه في تكرار سياسة “العصا الغليظة” التي اتبعها الرئيس الأميركي ثيودور روزفلت، وغيرها من فصول التدخل الأميركي في المنطقة خلال القرنين الماضيين. لقد شملت إستراتيجية الأمن القومي لعام 2025، التي وضعتها الإدارة الأميركية، التعهد بأنه “بعد أعوام من الإهمال، ستعيد الولايات المتحدة تأكيد ‘مبدأ مونرو’ وتطبيقه من أجل استعادة هيمنة أميركا في نصف الكرة الغربي”، في إشارة إلى الفكرة التي طرحها الرئيس الأميركي جيمس مونرو قبل 203 أعوام، والتي تنص على أنه لا ينبغي للقوى الخارجية أن تتدخل في شؤون نصف الكرة الغربي، وفي وقت شددت الإدارات الأميركية السابقة، في أعقاب الحرب الباردة، في تعاملاتها مع أميركا اللاتينية على قيم مثل السيادة والاحترام المتبادل، فإن ترمب هدد بـ “استعادة السيطرة” على قناة بنما وتوجيه ضربات أحادية الجانب إلى عصابات المخدرات في المكسيك، وأعرب علناً عن تأييده المرشحين الذين يتفقون معه في آرائه المحافظة الصارمة في شأن مكافحة الجريمة، وفي حال فنزويلا استعمل القوة العسكرية للإطاحة بزعيم لم يكن يعجبه، مثلما فعل كثير من الرؤساء خلال القرنين الـ 19 والـ 20.
وعلى نحو أثار دهشة بعضهم، فإن هذا النهج القاسي، الذي يتسم في كثير من الأحيان بالإكراه، قد حقق بعض النتائج المرجوة بالنسبة إلى ترمب، في الأقل على المدى القصير، إذ أبدت كثير من الحكومات تعاوناً أكبر، وخصوصاً في ما يتعلق بالهجرة والأمن، وساعد على تحقيق هذا التوافق فوز حلفاء ترمب في الانتخابات الأخيرة في دول منها تشيلي وكولومبيا وبيرو، وذلك كجزء من موجة اليمين التي اجتاحت معظم أنحاء المنطقة خلال العام الماضي، ومع ذلك فإن بعض صناع السياسات في أميركا اللاتينية، يحذرون من رد فعل عكسي على المدى البعيد، حتى مع إقرارهم بانتصارات ترمب، ففي القرن الـ 20، أدى الاستياء المتزايد من الاحتلالات الأميركية، وغيرها من التدخلات، إلى ظهور زعماء مناهضين لأميركا، مثل فيدل كاسترو في كوبا وخوان بيرون في الأرجنتين، وفي وقت يُنتظر صدور قرارات كبرى في المستقبل حول السياسة الأميركية حيال كوبا والمكسيك وفنزويلا، فقد يكون لعودة التدخل في القرن الـ 21 في نهاية المطاف التأثير المعاكس لما يريده ترمب، أي دفع المنطقة بعيداً من الولايات المتحدة، لتسقط في أحضان الصين.
التنمر كوسيلة للسلطة
إن تدخل ترمب العسكري في فنزويلا، والجهود الأولية، التي لا تزال نتائجها غير مؤكدة إلى حد كبير، لتحويل ذلك البلد إلى حليف مستقر وملائم للأعمال التجارية، هو النتيجة الأكثر وضوحاً لتركيز واشنطن على أميركا اللاتينية، غير أن هذا ليس بالضرورة هو الأكثر أهمية، وبصورة خاصة كانت اتصالات ترمب مع رئيسة المكسيك اليسارية، كلوديا شينباوم، مثمرة على نحو غير متوقع، وقد استفاد من التهديد بفرض رسوم جمركية أعلى، وتوجيه ضربات عسكرية، ومن العلاقة الودية مع شينباوم، من أجل تأمين درجة من التنسيق في مجال الأمن، وهو ما يصفه المسؤولون في كلا البلدين بأنه غير مسبوق.
وعلى امتداد العام الماضي وسّعت الولايات المتحدة والمكسيك نطاق تبادل المعلومات الاستخباراتية بينهما، وقامت المكسيك بتسليم العشرات من قادة العصابات الذين سعت الإدارات الأميركية السابقة لأعوام عدة إلى اعتقالهم، وقد نشرت قوات الأمن المكسيكية أفراداً إضافيين بهدف منع المهاجرين الآتين من دول أخرى من الوصول إلى الحدود الأميركية – المكسيكية التي يبلغ طولها نحو 3200 كيلومتر، وهو ما ساعد ترمب في الوفاء بأحد الوعود الرئيسة لحملته لعام 2024، وهو الحد بصورة كبيرة من عمليات العبور غير المصرح بها هناك.
وفي ما يخص دخول المخدرات والعنف المرتبط بهذا، فإن سجل إدارة ترمب حتى الآن كان خليطاً من النجاحات والانتكاسات، وحملة الضربات التي شنها ترمب ضد قوارب، يُزعم أنها كانت تُستخدم لتهريب المخدرات في منطقة البحر الكاريبي، وأسفرت عن مقتل أكثر من 200 شخص، قد تكون غير قانونية وغير مجدية أيضاً، إذ إن التحقيقات المستقلة لم تُظهر حتى الآن أي انخفاض ملموس في إمدادات الكوكايين إلى الولايات المتحدة.
بيد أن العدد الإجمالي للوفيات الناجمة عن جرعات زائدة من المخدرات في الولايات المتحدة هبط بنسبة 14 في المئة عام 2025، وهو العام الثالث على التوالي الذي شهد هبوطاً في هذه النسبة، وعلى رغم أن الخبراء يلفتون إلى وجود أسباب عدة لهذا الهبوط، فإن المسؤولين الأميركيين يشيرون إلى انخفاض نسبته 22 في المئة في الوفيات الناجمة عن جرعات زائدة من الـ “فنتانيل”، كدليل على أن التعاون الأكبر من ذي قبل من جانب المكسيك، التي تنطلق منها معظم عمليات تهريب المواد الأفيونية الاصطناعية، قد حقق نتائج.
وأدى انخفاض المعدل الرسمي لجرائم القتل في المكسيك بـ 40 في المئة منذ تولي شينباوم منصبها أواخر عام 2024 إلى تعزيز الآمال في توفر ديناميكية أمنية، أكثر هدوءاً مما مضى، ستعود بالنفع على كلا البلدين في نهاية المطاف، وكذلك كثفت كثير من دول أميركا الوسطى، بما في ذلك كوستاريكا وغواتيمالا وهندوراس، بصورة ملاحظة جهودها في مجالي الأمن ومكافحة المخدرات، منذ عودة ترمب للبيت الأبيض.
وبعد عقدين من الزمن، لم يخضع خلالهما توسع الصين في أميركا اللاتينية فعلياً إلى أي نوع من الردع، دفعت الضغوط الأميركية أخيراً بعض الدول هناك إلى الحد من شراكاتها مع بكين، ففي ديسمبر (كانون الأول) الماضي، فرضت المكسيك رسوماً جمركية على الواردات من دول عدة، وهو ما أثر في المقام الأول في السلع الصينية، وكان يُنظر إليها على نطاق واسع على أنها محاولة لمعالجة مخاوف واشنطن من أن بكين تستخدم المكسيك كباب خلفي للدخول إلى السوق الأميركية، وفي يناير الماضي جردت بنما شركة تتخذ من هونغ كونغ مقراً لها من السيطرة على مينائي قناة بنما، بعدما أثار المسؤولون الأميركيون مرة إثر مرة المخاوف في شأن الوجود الصيني هناك، وفي الشهر نفسه أوقفت تشيلي خطط مد كابل إنترنت صيني تحت البحر، يربط بين مدينة فالبارايسو وهونغ كونغ، بعد وقت قصير من استدعاء السفارة الأميركية في سانتياغو مسؤولين من وزارة الاتصالات التشيلية. (وقد ألغت وزارة الخارجية الأميركية في وقت لاحق تأشيرات الدخول الدبلوماسية لثلاثة مسؤولين كانوا درسوا الاقتراح).
ومنذ عام 2017 تحولت خمس دول في أميركا اللاتينية، كانت اعترفت رسمياً بتايوان، إلى الاعتراف بالصين، إلا أن هندوراس، في عهد رئيسها الجديد نصري عصفورة، تفكر الآن في العودة للخيار السابق والاعتراف بتايوان، وهذه تشكل انتكاسات خطرة بالنسبة إلى بكين، حتى ولو كان وجودها في المنطقة قوياً ومتنامياً في مناطق أخرى.
في هذه الأثناء، أغرق ترمب حلفائه الأيديولوجيين في أميركا اللاتينية بالدعم العسكري والمالي والسياسي، وكان يُنظر على نطاق واسع إلى موافقة ترمب، في أكتوبر (تشرين الأول) 2025، على حزمة إغاثية بقيمة 20 مليار دولار للأرجنتين، باعتبارها ذات دور حاسم في تحقيق استقرار اقتصاد البلاد، مما سمح لحزب الرئيس خافيير ميلي بالفوز في انتخابات التجديد النصفي التشريعية الحاسمة في ذلك الشهر، وساعد في إبقاء أجندة الإصلاحات المؤيدة للأعمال التي يتبناها الزعيم الليبرتاري على مسارها.
كذلك أرسل ترمب قوات أميركية إلى الإكوادور لمساندة الرئيس دانيال نوبوا، الذي زار منتجع “مارالاغو” والتقط صورة مع ترمب قبل أسبوعين من فوزه بإعادة الانتخاب في أبريل (نيسان) 2025، في مواجهة موجة العنف المرتبطة بعصابات المخدرات، والتي جعلت الإكوادور الدولة الأعلى من حيث معدلات جرائم القتل في أميركا الجنوبية.
ولم يكن تأييد ترمب للمرشحين اليمينيين في انتخابات أميركا اللاتينية سوى تأثير هامشي في بعض البلدان، إلا أنه مارس دوراً حاسماً على ما يبدو في دولة واحدة في الأقل، هي هندوراس، حيث بقي عصفورة في المركز الثالث في استطلاعات الرأي إلى أن حظي بتأييد ترمب، وعلى رغم أن معظم الانتخابات في أميركا اللاتينية جرى حسم نتائجها في المقام الأول من خلال عوامل محلية، فقد فاز المرشحون اليمينيون أو يمين الوسط الآن في 12 من آخر 15 انتخابات رئاسية في المنطقة، مما أدى إلى إنتاج جيل جديد من القادة المتعاطفين على نطاق واسع مع ترمب، والمستعدين للعمل مع البيت الأبيض في شأن حظر المخدرات والهجرة والصين، وغير ذلك من الأولويات المشتركة.
ما خفي أعظم!
تلقى ترمب المساعدة في جهوده الإقليمية من قبل كثير من مساعديه الذين يركزون اهتمامهم على أميركا اللاتينية، وأبرزهم وزير الخارجية ماركو روبيو، وهو ابن مهاجرين كوبيين، وينظر بعض هؤلاء المستشارين إلى أميركا اللاتينية ليس فقط من خلال عدسة الأمن القومي، بل كجزء من صراع أوسع نطاقاً، استمر عقوداً من الزمن ضد الشيوعية، وعلاوة على ذلك فهم يعتقدون أن واشنطن تقترب بصورة مثيرة من الفوز في تلك المعركة، في أعقاب سقوط مادورو، وحصول الأزمة الاقتصادية في كوبا، والخسائر الأخيرة للزعماء من ذوي الميول اليسارية في أماكن أخرى من المنطقة.
كذلك بدا ترمب في بعض الأحيان وكأنه يشعر بالرضا الشخصي من نشر قوة واشنطن العسكرية والاقتصادية الضاربة، في منطقة لا تنطوي على القدر نفسه من التعقيدات التي تبدو واضحة منذ الوهلة الأولى، كما هو الحال في مناطق مثل الشرق الأوسط، وخلال مؤتمر صحافي عُقد في الساعات التي تلت القبض على مادورو وزوجته في يناير الماضي، بدا ترمب حريصاً على إعادة عقارب الساعة للوراء إلى العصر الذهبي لـ “مبدأ مونرو”، والسلطة المطلقة التي ينطوي عليها، وقال للصحافيين “إنهم يطلقون عليه الآن (مبدأ دونرو)”، مضيفاً “لن يجري التشكيك في الهيمنة الأميركية في نصف الكرة الغربي مرة أخرى”.
لكن مؤشرات على رد فعل عكسي قد تكون بدأت بالظهور فعلاً، ففي استطلاع “مركز بيو للأبحاث” لعام 2026 حول المواقف العالمية تجاه الولايات المتحدة، تراجعت بصورة حادة نسبة الذين يحملون نظرة إيجابية جداً أو إيجابية إلى حد ما، تجاه الولايات المتحدة في عدد من دول أميركا اللاتينية، في اتجاه عكس توجهاً مماثلاً سُجل في مناطق أخرى من العالم، وكانت أكبر الانتكاسات التي تعرضت لها سياسات ترمب في المنطقة تتمثل في المحاولة المشؤومة استخدام الرسوم الجمركية والعقوبات للضغط على الحكومة البرازيلية والمحكمة العليا لإسقاط التهم الجنائية الموجهة لحليفه الرئيس السابق جايير بولسونارو، وتلا ذلك رد فعل قومي عنيف، مما عزز شعبية الرئيس اليساري لويز إيناسيو لولا دا سيلفا، وهو من منتقدي ترمب، وزُج ببولسونارو في السجن على أية حال، وتخلى ترمب عن فرض الرسوم الجمركية في نهاية المطاف، وكان الشعور بالإحباط من ترمب هو السبب الرئيس وراء موافقة “كتلة ميركوسور”، التي تضم الأرجنتين والبرازيل وباراغواي وأوروغواي، أخيراً على اتفاق تجاري مع الاتحاد الأوروبي هذا العام، بعد أكثر من ربع قرن من المفاوضات.
أجندة ترمب الإقليمية تقف أمام اختبارات عدة
يحذر بعض المراقبين في أميركا اللاتينية من أن نجاحات ترمب ليست سوى نوع من السراب، إذ إن التعاون الرسمي في المجال الأمني، إضافة إلى مشاهد التقاط الصور الرسمية المفعمة بالابتسامات، قد حجبا استياء عميقاً ومتنامياً من الطريقة التي تعاملت بها إدارته بازدراء، مع سيادة الدول الأخرى، بما فيها الحليفة لأميركا، وفي اجتماع عُقد أخيراً، أخبرني وزير خارجية إحدى حكومات أميركا اللاتينية المتحالفة مع ترمب، بغضب واضح، “لن نكون تابعين لأي كان”، وكان من نتائج تفضيل الرئيس التعامل مع زعماء يتوافقون معه أيديولوجياً، استبعاد البرازيل والمكسيك، وهما أكبر دولتين في المنطقة، من مبادرة “درع الأميركيتين” التي أطلقها ترمب، وهي تحالف بين الدول التي تتبنى نهجاً عسكرياً في سياسة مكافحة المخدرات، مما أثار تساؤلات حول ما سيحصل للمبادرة عندما ستبدأ بعض هذه البلدان حتماً بالميل نحو اليسار مرة أخرى.
ومع ذلك يمكن لترمب أن يشير خلال الوقت الحالي، في الأقل، إلى دلائل تفيد بأن أجزاء رئيسة من برنامجه السياسي تتوافق مع كثير من حكومات أميركا اللاتينية وناخبيها، حتى لو لم يكن يتمتع بشعبية شخصية في المنطقة، وتبرز الجريمة باستمرار في استطلاعات الرأي، باعتبارها القضية السياسية الأولى في بلدان مثل تشيلي وكولومبيا والمكسيك، مما يعكس الشعور العام بالإحباط إزاء العصابات وكارتيلات الجريمة، التي اكتسبت مزيداً من القوة على مدى العقد الماضي، بسبب ارتفاع إنتاج الكوكايين، والتعدين غير القانوني، والاتجار بالبشر، وقد عززت هذه الاتجاهات، أكثر من أي توجه آخر، تحوّل أميركا اللاتينية نحو اليمين الأيديولوجي، وهي تفسر لماذا حظيت رغبة ترمب المعلنة، في تدمير جماعات الجريمة المنظمة في المنطقة، بدعم كبير، وحظي القبض على مادورو، الذي جرى تحميل حكومته على نطاق واسع مسؤولية تصاعد الهجرة والجريمة في أماكن أخرى من أميركا اللاتينية، بالتأييد في المنطقة.
في استطلاع للرأي أجرته “أطلس/بلومبيرغ” في يناير الماضي، وافق 74 في المئة من البيروفيين و64 في المئة من الكولومبيين، الذين شملهم الاستطلاع، على العملية العسكرية الأميركية، وعندما صنفت وزارة الخارجية منظمتين إجراميتين محليتين في البرازيل، على أنهما مجموعتان إرهابيتان أجنبيتان في يونيو الماضي، احتجت حكومة لولا، لكن 59 في المئة من المشاركين في استطلاع أجراه معهد الاستطلاع البرازيلي “داتافولها” أيدوا التصنيف.
وخلال الانتخابات الرئاسية الأخيرة، تجنب بعض المرشحين اليمينيين الحصول على دعم أو تأييد صريح من ترمب، بمن في ذلك الفائزان النهائيان، خوسيه أنطونيو كاست في تشيلي، وكيكو فوجيموري في بيرو، لكن آخرين، مثل أبيلاردو دي لا إسبرييلا، الذي فاز في الانتخابات الكولومبية بأقل من نقطة مئوية في يونيو الماضي، وفلافيو بولسونارو، الذي يخوض حملته استعداداً للانتخابات المرتقبة في أكتوبر المقبل، بوصفه خليفة والده السجين، ووريث الحركة المحافظة التي أسسها، جعلوا من دعم ترمب محوراً لحملاتهم الانتخابية، مما يشير إلى أن الرئيس الأميركي لا يزال يتمتع بنفوذ كبير، وبالتالي فله تأثير لا يستهان به في معظم أنحاء المنطقة.
العودة للمستقبل
أمام أجندة ترمب الإقليمية اختبارات عدة، ففي فنزويلا ازدادت آفاق الأوضاع السياسية والاقتصادية غموضاً منذ يونيو الماضي، حين أودى زلزالان متزامنان بحياة الآلاف، وقوضا ثقة الشعب المتدنية أصلاً في ديلسي رودريغيز، نائبة الرئيس السابق مادورو، التي تدير البلاد تحت وصاية أميركية منذ اعتقاله، وقد واصل ترمب حتى بعد المأساة، إغداق الثناء على رودريغيز، وهو راض على ما يبدو عن نجاحها في زيادة صادرات فنزويلا من النفط بنحو 46 في المئة، وتلبيتها رغبات واشنطن، وهو ما أثار مخاوف في أوساط المعارضة الفنزويلية، ودعاة الديمقراطية في أماكن أخرى، من أن ترمب قد يُفضل إبقاءها في منصبها إلى أجل غير مسمى، بدلاً من المجازفة بالتسبب بعدم الاستقرار الذي سينجم عن إجراء انتخابات.
في غضون ذلك، أغرقت وفود من المستثمرين القادمين من الولايات المتحدة وغيرها فنادق كاراكاس، ترقباً لتحسن الأوضاع الاقتصادية في المستقبل، لكن مع استمرار التضخم السنوي الذي لا تزال نسبته أعلى من 500 في المئة، وبقاء مئات المعتقلين السياسيين في السجون، وقلة المؤشرات حتى الآن على وصول ثمار الطفرة النفطية الناشئة إلى عامة الشعب كلها، تُظهر استطلاعات الرأي أن شعبية رودريغيز بين الفنزويليين متدنية للغاية، وأن الامتنان الذي شعروا به تجاه ترمب في أعقاب إطاحة مادورو قد تلاشى، وإذا لم يضغط ترمب على رودريغيز للموافقة على موعد محدد لإجراء الانتخابات قبل انتهاء ولايته، فقد يخبو بريق ما يعتبره أحد أكبر إنجازاته حتى الآن.
يعتقد كُثر أن نجاح ترمب النسبي في فنزويلا سيدفعه إلى أن يستهدف كوبا في المرحلة التالية، وفي الواقع فقد بدأ الجيش الأميركي تعزيز وجوده في منطقة الكاريبي، والذي، على رغم كونه أصغر من الأسطول الذي جرى نشره في وقت سابق لإزاحة مادورو، فهو يبقى كافياً لتوفير خيارات عدة لترمب، بما في ذلك اعتقال مسؤولين كوبيين، وقد أدى الحصار الأميركي على واردات النفط، التي تعتمد عليها كوبا لتوليد الكهرباء، إلى انقطاع التيار الكهربائي لفترات طويلة، ونقص في الغذاء، ويتوقع كُثر أن يتفاقم الوضع خلال صيف حوض الكاريبي الحار، وقد عيّن ترمب روبيو، المعروف منذ زمن طويل بتشدده في تأييد تغيير النظام في البلاد، مشرفاً على المفاوضات مع النظام الكوبي.
ويرى بعضهم أن إدارة ترمب قد تقبل بترتيب مماثل لما حصل في فنزويلا، إذ يبقى جزء من النظام الكوبي قائماً في مقابل فتح اقتصاده والتعهد بإجراء انتخابات في نهاية الأمر، لكن آخرين يتساءلون عما إذا كان ترمب وروبيو سيميلان إلى السعي نحو تحقيق تغيير جذري، يتمثل في إسقاط النظام القائم منذ عام 1959، والذي تحدى 13 رئيساً أميركياً مختلفاً، وقد يكون هذا السيناريو الأخير مغرياً، لأنه في حال نجاحه فقد يُسهم هذا الانتقال في طمس ذكريات حرب ترمب على إيران، قبل انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأميركي في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، ومن المرجح أيضاً أن يُعزز فرص روبيو المتزايدة على ما يبدو لخلافة ترمب، كمرشح الحزب الجمهوري للرئاسة عام 2028.
وستكون قرارات ترمب المقبلة في شأن المكسيك حاسمة كذلك، لناحية تحديد معالم الإرث الذي سيخلفه وراءه، فعلى رغم التعاون الوثيق من جانب حكومة شينباوم في المجال الأمني، فإن كثيرين في واشنطن ومكسيكو سيتي يتكهنون بوقوع بعض المتاعب خلال المرحلة المقبلة، ففي يوليو (تموز) الجاري، أعلنت إدارة ترمب أنها “لم توافق على تجديد [اتفاق الولايات المتحدة والمكسيك وكندا] بصيغته الحالية”، وهو الصفقة التجارية التي تفاوض عليها ترمب خلال ولايته الأولى، وعلى رغم أن هذا القرار لن يؤدي إلى إنهاء صلاحية الاتفاق على الفور، لكنه يفتح الباب أمام عملية تفاوض مطولة، وسيؤدي ذلك إلى مزيد من عدم اليقين في الاقتصاد المكسيكي، الذي تشكل الولايات المتحدة أكثر من 80 في المئة من صادراته، وكذلك سيسبب اضطرابات محتملة للشركات الأميركية وأيضاً لسلاسل التوريد.
في هذه الأثناء، استمر ترمب في تكثيف الضغط على شينباوم من خلال مطالبة إدارتها بتسليم حاكم ولاية من حزبها، بتهمة تهريب المخدرات، ويخشى مسؤولون مكسيكيون من أن يؤدي إذعان شينباوم لهذا الطلب إلى حصول انقسام في حزبها اليساري الذي يضم عناصر قوية معادية للولايات المتحدة، أما إذا رفضت ذلك، فقد يقرر ترمب شن ضربات درون أحادية الجانب، أو القيام بأعمال عسكرية أخرى ضد أهداف تابعة لعصابات المخدرات داخل الأراضي المكسيكية، ويُنظر إلى مثل هذا السيناريو في المكسيك على أنه خط أحمر، من شأنه أن يغير بصورة جذرية علاقة البلاد بالولايات المتحدة، ويعيد للأذهان ذكريات قومية تعود القرن الـ 19، ويجبر شينباوم على تقليص التعاون الذي مكّن واشنطن من الحد من الهجرة غير النظامية على الحدود، تقليصاً كبيراً.
ربما لا يوجد ملف أكثر أهمية على المدى الطويل من كيفية إدارة ترمب للتنافس الأميركي – الصيني في أميركا اللاتينية، ففي أميركا الجنوبية خصوصاً، حيث أصبحت الصين الشريك التجاري الأول بفارق كبير، أبدى حتى بعض أقوى حلفاء ترمب تردداً شديداً في استعداء بكين، وهكذا وصف ميلي الشركاء الصينيين بأنهم رائعون، ويخطط رئيس الإكوادور، نوبوا، لزيارة بكين للمرة الثانية في أغسطس (آب) المقبل.
في غضون ذلك وجهت واشنطن رسائل متضاربة حول ما تريد بالضبط من حلفائها أن يفعلوه، بخصوص سياستها تجاه الصين، ففي مايو (أيار) الماضي، وبعد أيام فقط من تصريح السيناتور الجمهوري بيرني مورينو، المولود في كولومبيا، خلال مؤتمر أمني في “جامعة فلوريدا الدولية”، بأن على دول أميركا اللاتينية أن تسعى إلى إقامة علاقة حصرية مع واشنطن، حطّ ترمب في بكين على رأس وفد كبير من الرؤساء التنفيذيين للشركات الأميركية، ضم إيلون ماسك من “سبيس إكس” وتيم كوك من “أبل”، سعياً إلى إبرام مجموعة واسعة من الصفقات التجارية، ويتوقع كُثر أن يختار ترمب في نهاية المطاف نهجاً يوازن بين المصالح المختلفة، يتمثل في الضغط على حلفاء أميركا اللاتينية من أجل منع الاستثمارات الصينية في القطاعات الحساسة، بما في ذلك الاتصالات والموانئ وصناعة الفضاء، في وقت يعترف بأن التبادل التجاري سيستمر على رغم ذلك، مثلما حدث في حال الولايات المتحدة، ومع هذا ستجد كثير من حكومات المنطقة نفسها ميّالة إلى الحفاظ على توازن بين القوتين العظميين.
قد يبدو مناقضاً للمنطق أن يتمتع سياسي أطلق حملته الرئاسية عام 2015 باتهام المكسيك بإرسال المخدرات والجريمة والمغتصبين إلى الولايات المتحدة، ولو بقدر محدود من النجاح في أميركا اللاتينية، لكن حتى بعض المسؤولين السابقين في إدارة الرئيس جو بايدن أقروا في أحاديث خاصة بأن مقاربة ترمب حققت نتائج فاعلة بطرق غير متوقعة، وتساءل بعضهم عما إذا كانت حكومة المكسيك آنذاك ستبذل جهداً أكبر لضبط الهجرة، لو أن بايدن لوّح بفرض رسوم جمركية، أو اتخذ إجراءات ضغط أخرى، وهو ما كان قد جنب الولايات المتحدة أزمة الحدود مع المكسيك، التي يحمّلها كثير من الديمقراطيين جانباً مهماً من مسؤولية هزيمتهم خلال انتخابات عام 2024.
وسواء تمكن ترمب من الحفاظ على ما حققه من نجاحات، أو انتهى الأمر بسياساته لتُسجل بوصفها فصلاً جديداً، منذ أكثر من قرنين، من التمدد الأميركي المفرط، وما ترتب عليه من تداعيات غير مقصودة، فإن ثمة مؤشرات إلى أن سياسة “العصا الغليظة” التي تنتهجها واشنطن في أميركا اللاتينية قد تكون باقية لفترة طويلة.
براين وينتر هو رئيس تحرير مجلة “أميريكاز كوارترلي”
مترجم عن “فورين أفيرز”، 9 يوليو (تموز) 2026
