قد لا تكون تونس أمام دورة ازدهار مكتملة. المؤشرات الاقتصادية المتاحة لا تسمح بمثل هذا الاستنتاج. فالبلاد لا تزال تواجه عجزاً تجارياً وضغوطاً مالية وتحديات في الإنتاجية والتشغيل والطاقة. لكن الاقتصاديات لا تُقاس فقط بمقدار ما تعانيه، وإنما بقدرتها على إنتاج مصادر جديدة للقوة. وما تكشفه المؤشرات الأخيرة هو أن الاقتصاد التونسي، رغم كل ما يحيط به، لم يفقد قدرته على التجدد.
أكثر ما يستحق الانتباه هو ما يحدث في الصناعة. فقد ارتفعت الاستثمارات الصناعية المصرح بها بنسبة 18% خلال الأشهر الأولى من 2026، لتبلغ 754.6 مليون دينار إلى نهاية أبريل، مع 745 مشروعاً وحوالي 12,934 موطن شغل مرتقب. والأكثر دلالة أن الاستثمارات الصناعية الموجهة بالكامل إلى التصدير سجلت نمواً قوياً، بما يشير إلى أن جزءاً من رأس المال الجديد لا يبحث فقط عن السوق التونسية، بل عن موقع داخل الأسواق الخارجية وسلاسل القيمة الدولية.
هذه ليست مسألة رقمية بحتة. فالاستثمار الصناعي الموجه إلى التصدير يقول شيئاً عن موقع تونس في الاقتصاد العالمي. منذ سنوات، كان النقاش حول الصناعة التونسية يدور كثيراً حول قدرتها على البقاء أمام المنافسة الخارجية. أما السؤال الذي يفرض نفسه الآن فهو ما إذا كانت تونس قادرة على الاستفادة من إعادة تشكيل سلاسل الإمداد العالمية.
لقد تغير العالم الذي بنت فيه الشركات الكبرى شبكات إنتاجها خلال العقود الماضية. الجائحة، والحروب، والتوترات التجارية، ومخاطر النقل، كلها دفعت الشركات إلى إعادة النظر في مفهوم الكفاءة. لم يعد المصنع الأرخص بالضرورة هو المصنع الأفضل إذا كان بعيداً عن السوق، أو يعتمد على طريق تجاري معرض للاضطراب، أو يحتاج إلى أسابيع طويلة للوصول إلى الزبون. أصبحت المرونة والقرب والقدرة على الاستجابة عناصر من القيمة نفسها.
وهنا تملك تونس ميزة لا تحتاج إلى إعادة اختراعها. موقعها على المتوسط، وقربها من أوروبا، وقاعدتها الصناعية القائمة، وخبرتها في الصناعات الميكانيكية والكهربائية ومكونات السيارات وغيرها، تجعلها مرشحة للاستفادة من توجه الشركات الأوروبية نحو تقصير سلاسل الإمداد وتقليل مخاطرها. لكن الموقع وحده لا يكفي. الجغرافيا تمنح الفرصة، والسياسات والمؤسسات هي التي تحولها إلى اقتصاد.
لهذا فإن الارتفاع في الاستثمار الصناعي يجب أن يُقرأ باعتباره فرصة سياسية واقتصادية. فالمطلوب ليس مجرد زيادة عدد المصانع، وإنما رفع نوعية ما تنتجه. تونس لا تستطيع أن تبني مستقبلها على المنافسة في الأجور إلى ما لا نهاية. البلدان التي تبدأ بأجور منخفضة تستطيع جذب الاستثمار، لكنها لا تصبح أكثر ثراءً إلا عندما ترتفع إنتاجيتها ومهاراتها وقيمتها المضافة.
ارتفاع الاستثمارات الصناعية بنسبة 18% في تونس يعكس قدرة الاقتصاد على التجدد ويؤكد أن الصناعة باتت ركيزة أساسية في مسار التحول الاقتصادي
وهنا يصبح خلق الوظائف أكثر أهمية. نحو 13 ألف موطن شغل مرتبط بالمشاريع الصناعية المصرح بها يمثل إشارة مهمة، خصوصاً في اقتصاد يحتاج إلى تحويل النمو إلى فرص فعلية للشباب. الوظيفة ليست مجرد نتيجة اقتصادية؛ إنها أيضاً أداة للاستقرار الاجتماعي، وطريقة لإعادة بناء العلاقة بين المواطن والاقتصاد. وكلما أصبح الاستثمار قادراً على خلق وظائف خارج المراكز التقليدية، وعلى إدماج المناطق والمهارات الجديدة، أصبح أثره أعمق من مجرد زيادة الناتج.
لكن تونس تمتلك مورداً آخر لا يظهر دائماً في أرقام الاستثمار: رأس المال البشري. وجود أكثر من 680 وحدة بحث ونحو 25 ألف باحث وطالب دكتوراه يمثل قاعدة يمكن أن تصبح واحدة من أهم مزايا البلاد إذا أُحسن ربطها بالاقتصاد. ففي عالم تتنافس فيه الدول على التكنولوجيا والمعرفة، لا تستطيع دولة صغيرة أن تنافس بحجم السوق، لكنها تستطيع أن تنافس بجودة المهارات.
المشكلة، كما هو معروف، ليست في إنتاج المعرفة وحدها. التحدي هو تحويلها إلى قيمة. الباحث الذي يبقى داخل المختبر لا يغير الاقتصاد إلا بقدر محدود؛ أما الباحث الذي تتصل فكرته بشركة أو مصنع أو منتج قابل للتصدير، فإنه يصبح جزءاً من سلسلة إنتاج جديدة. ولذلك فإن العلاقة بين الجامعة والصناعة، وبين مراكز البحث والقطاع الخاص، قد تكون إحدى أهم المعارك الاقتصادية التي تحتاج تونس إلى خوضها في السنوات المقبلة.
وإذا كان التصنيع يمكن أن يمنح الاقتصاد عمقاً، فإن السياحة تمنحه سرعة في جلب العملة الأجنبية. وقد بلغت إيرادات السياحة نحو 3.35 مليار دينار خلال النصف الأول من 2026، بزيادة سنوية لافتة. كما تجاوزت إيرادات العمل والمداخيل السياحية معاً 9 مليارات دينار حتى يوليو. هذه ليست مجرد أرقام جيدة لقطاع موسمي؛ إنها تذكير بأن تونس ما زالت تمتلك أحد أكثر الأصول الاقتصادية وضوحاً في المتوسط: قدرتها على استقبال العالم.
لكن السياحة التونسية لا ينبغي أن تقاس فقط بعدد الوافدين. التحدي الحقيقي هو كم ينفق الزائر، وما الذي يشتريه، وكم يوماً يبقى، وما المناطق التي يزورها، وكم من القيمة التي تبقى داخل الاقتصاد المحلي. فالسياحة التي تعتمد بصورة مفرطة على الشاطئ والفندق تظل محدودة القيمة. أما السياحة التي تربط البحر بالثقافة والتاريخ والمطبخ والموسيقى والصحراء والبيئة والصناعات التقليدية، فإنها تتحول إلى اقتصاد خدمات واسع.
وهنا تدخل الثقافة إلى المعادلة الاقتصادية من الباب الذي تستحقه. تونس لا تحتاج إلى تحويل الثقافة إلى سلعة رخيصة، لكنها تستطيع أن تجعلها جزءاً من تجربة اقتصادية أكثر ثراءً. المدن العتيقة، قرطاج، المهرجانات، الموسيقى، المسرح، المطبخ، الحرف، والمتاحف ليست عناصر منفصلة عن الاقتصاد. إنها أصول يمكن أن تدعم السياحة، وتخلق وظائف، وتشجع المشاريع الصغيرة، وتمنح المدن والمناطق الداخلية أسباباً إضافية لجذب الزوار والاستثمار.
والميزة التونسية هنا هي التنوع في مساحة جغرافية محدودة. يستطيع الزائر أن ينتقل من البحر إلى التاريخ، ومن المدينة إلى الصحراء، ومن المطبخ التقليدي إلى المشهد الثقافي المعاصر خلال مسافات قصيرة نسبياً.
ثم هناك ملايين التونسيين الذين يعيشون خارج البلاد. تحويلاتهم ليست مجرد تدفق مالي يساعد العائلات على مواجهة تكاليف الحياة؛ إنها واحدة من أكثر الروابط الاقتصادية استقراراً بين تونس والعالم. وعندما تتجاوز التحويلات والإيرادات السياحية معاً 9 مليارات دينار في جزء كبير من السنة، فإن ذلك يكشف حجم الاقتصاد غير المباشر الذي يرتبط بالتونسيين في الخارج.
نحو 13 ألف موطن شغل جديد يمثل إشارة مهمة إلى أن الاستثمار الصناعي لا يقتصر على الأرقام بل يترجم إلى فرص فعلية للشباب والاستقرار الاجتماعي
لكن يمكن لتونس أن تطمح إلى أكثر من ذلك. الجالية ليست فقط مصدراً للتحويلات، بل يمكن أن تكون شبكة استثمار ومعرفة وعلاقات تجارية. التونسي الذي يعمل في شركة أوروبية أو مختبر أو مؤسسة مالية يمكن أن يكون جسراً إلى السوق التي يعمل فيها. والتونسي الذي يملك مدخرات يمكن أن يصبح مستثمراً. والتونسي الذي اكتسب مهارة في الخارج يمكن أن ينقلها إلى الداخل. الدول التي نجحت في تحويل جالياتها إلى قوة اقتصادية لم تفعل ذلك عبر طلب المزيد من التحويلات فقط، بل عبر بناء قنوات تجعل رأس المال والخبرة والشبكات تعود إلى الاقتصاد الوطني.
كل ذلك لا يلغي الصورة الصعبة. العجز التجاري ما زال كبيراً، والاقتصاد يحتاج إلى إصلاحات عميقة في الطاقة والإنتاجية واللوجستيات والإدارة والتمويل. كما أن خلق نحو 13 ألف وظيفة مرتقبة لا يعني أن مشكلة البطالة قد حُلّت، ولا أن ارتفاع الاستثمارات الصناعية بنسبة 18% يعني أن تونس دخلت مرحلة نمو مستدام.
لكن سيكون من الخطأ المقابل أيضاً أن تصبح الصعوبات سبباً لعدم رؤية التحسن.
هذه هي المشكلة في كثير من النقاشات الاقتصادية حول تونس: إما خطاب متشائم يرى الأزمة في كل شيء، أو خطاب احتفالي يبحث عن “معجزة” في كل رقم إيجابي. والحقيقة، كما هي غالباً في الاقتصاد، أكثر هدوءاً من ذلك. تونس تتحرك داخل مساحة ضيقة، لكنها تتحرك. والاستثمار الصناعي يرتفع، والصادرات تبحث عن أسواق جديدة، والسياحة تستعيد قوتها، والتحويلات توفر متنفساً مهماً، وقاعدة البحث العلمي موجودة، والموقع الجغرافي لم يفقد قيمته.
السؤال إذن ليس: هل خرجت تونس من أزمتها؟ الجواب الواضح هو لا. السؤال الأفضل هو: هل تملك تونس العناصر التي يمكن أن تسمح لها بالخروج منها تدريجياً؟
وهنا تبدو الإجابة أكثر إيجابية.
لأن البلدان لا تحتاج دائماً إلى نقطة تحول واحدة. أحياناً تحتاج إلى تراكم طويل من القرارات الصحيحة. مصنع ينجح في التصدير يجذب مصنعاً آخر. شركة تستثمر في مهندس تونسي ترفع قيمة المهارات المحلية. سائح يأتي من أجل البحر يعود من أجل الثقافة. تحويلات تمول مشروعاً صغيراً تصبح استثماراً. جامعة تتعاون مع مصنع تنتج تقنية تدخل السوق. وبمرور الوقت، تتحول هذه النجاحات المنفصلة إلى شبكة اقتصادية أكثر صلابة.
هذه هي النهضة التي يمكن أن تناسب تونس: ليست انفجاراً في النمو، بل تراكم في القدرة.
ولعل أفضل ما تستطيع تونس فعله الآن هو أن تتوقف عن انتظار “القطاع المعجزة” الذي سينقذ الاقتصاد، وأن تبني بدلاً من ذلك منظومة تتكامل فيها القطاعات. الصناعة تحتاج إلى الجامعة، والسياحة تحتاج إلى الثقافة، والتصدير يحتاج إلى اللوجستيات، والطاقة المتجددة تحتاج إلى البحث العلمي، والاستثمار يحتاج إلى إدارة أكثر سرعة، والشباب يحتاج إلى تعليم وتكوين يتناسبان مع الاقتصاد الذي تريد البلاد بناءه لا الاقتصاد الذي ورثته.
تونس تمتلك رأس مال بشري متميزاً يضم آلاف الباحثين ووحدات بحث ما يجعلها قادرة على تحويل المعرفة إلى قيمة اقتصادية تعزز موقعها في الأسواق العالمية
في أوروبا القريبة، تتغير الصناعة. وفي أفريقيا، تتوسع الأسواق. وفي المتوسط، تتنافس الدول على الاستثمار والسياحة والخدمات. تونس ليست أكبر من منافسيها، لكنها تمتلك مزيجاً نادراً من الموقع والمهارات والتاريخ والانفتاح الخارجي. وما تحتاجه هو تحويل هذا المزيج إلى إستراتيجية.
لذلك فإن الرقم الأكثر أهمية في المشهد التونسي الراهن قد لا يكون 18%، ولا 3.35 مليار دينار، ولا 9 مليارات دينار. الأهم هو ما إذا كانت هذه الأرقام ستصبح بداية لاتجاه مستمر.
فالنمو الحقيقي ليس أن يرتفع مؤشر لعام واحد، وإنما أن تتغير قدرة الاقتصاد على إنتاج الثروة في العام الذي يليه. والاستثمار الحقيقي ليس المال الذي يدخل البلاد، وإنما المهارات والتكنولوجيا والأسواق التي يتركها وراءه. والسياحة الناجحة ليست عدد الغرف المشغولة، وإنما القيمة التي تضيفها إلى المدن والمجتمع. والبحث العلمي لا يقاس بعدد المختبرات فقط، وإنما بما يصل منه إلى المصنع والسوق.
تونس لا تحتاج اليوم إلى قصة كبيرة عن نهضة مفاجئة. تحتاج إلى قصة أكثر واقعية، وربما أكثر طموحاً: بلد يعرف أن مشكلاته لن تختفي سريعاً، لكنه يكتشف في الوقت نفسه أن لديه ما يكفي من نقاط القوة لكي يبدأ في تغيير اتجاهه.
وهذا هو الفارق بين اقتصاد ينتظر الإنقاذ واقتصاد يبدأ في بناء قدرته على إنقاذ نفسه.
تونس لا تنهض دفعة واحدة. ربما لا تستطيع ذلك أصلاً. لكنها تتحرك، وهذا في حد ذاته مهم. وإذا استطاعت أن تحول هذا التحرك إلى تراكم، والتراكم إلى إنتاجية، والإنتاجية إلى وظائف، والوظائف إلى ثقة، فقد يصبح ما يبدو اليوم مجرد مجموعة من المؤشرات الإيجابية شيئاً أكبر بكثير: بداية مسار جديد لا يحتاج إلى معجزة، بل إلى الاستمرار.