إذا سألتَ بعض المتحمّسين لإيران فسيقولون لك إنّهم معجبون بالمسار! فإذا قيل لهم: لكنّ إيران دمّرت أربع دول عربيّة خلال عقدين بواسطة ميليشيات مسلّحة، بعضها مستورَد من أفغانستان وباكستان، ثمّ إنّها في الجولة الأخيرة ضربت الدول الخليجيّة والأردن خمس عشرة مرّة أكثر ممّا ضربت إسرائيل. عندما نقول ذلك يصمت البعض، بينما يجيب البعض الآخر: لأنّ الدول العربيّة لا تشارك في الحرب(!)، فهل يعني هذا أنّ إيران تعاقبنا على ما لم نفعله؟! ثمّ لماذا تفوق ضرباتها على الجيران العرب نضالاتها ضدّ أميركا وإسرائيل؟!
استطاعت إيران في الجانب المذهبيّ خلال ثلاثة عقود تجديد الانقسام المذهبيّ داخل المجتمعات العربيّة بدليل أنّ هذه الميليشيات المتأيرنة كانت وما تزال مستعدّة للانهماك في نزاع داخليّ يزعزع الاستقرار ويخرّب العمران ويتسبّب في التهجير. في ضوء هذا التخريب لننظر إلى ما حصل ويحصل بالعراق ولبنان واليمن، وحتّى الآن ما أمكن إخراج الانقسام الإيرانيّ إلّا من سورية. لقد حاول الإيرانيّون، كما هو معروف، إدخال الفتنة إلى الأردن وإلى الكويت والبحرين. لكنّ الأمر استعصى عليهم بسبب قوّة الدول ويقظة إداراتها.
ماذا فعلت إيران؟
إنّ الدول التي ليست فيها أقليّة مذهبيّة قويّة عانت من محاولات الأصوليّين الإسلاميّين للاستيلاء على السلطة، وهم عندما عجزوا وجدوا شفاءً للغليل بالاحتفاء بالضربات للدول العربيّة!
يقول بعضهم: ماذا نفعل إن كان في بلداننا حوالي ثلاثين في المئة من “المتأخونين” أو الحزبيّين المستترين الذين لم يعُد لديهم غير التشفّي والشماتة؟! لكنّ هؤلاء المتشفّين، إنّ صحّ ذلك، لديهم عشرة ملايين من الأهل والأقارب يعملون بدول الخليج، وقد أصيب بعضهم في الضربات الإيرانيّة أيضاً.
ليس سهلاً ما قامت به إسرائيل وتقوم به في فلسطين وفي لبنان، والدول التي تضربها إيران اليوم هي الأكثر دعماً للقضيّة الفلسطينيّة، والأكثر مساعدةً لغزّة بين كلّ دول العالم والمؤسّسات الإنسانيّة. منذ عام 2002 كانت المبادرة العربيّة للسلام مقابل حلّ الدولتين. عمل العرب جميعاً، بقيادة المملكة السعوديّة، كأنّما يضربون في الصخر، حتّى عادت تلك المعادلة إلى الظهور على المستوى الدوليّ وفي مجلس دونالد ترامب نفسه من أجل استعادة السكينة في غزّة.
إنّما، في المقابل، ماذا فعلت إيران ومقاوموها من أجل غزّة وفلسطين؟ يتحرّك المقاومون الأشاوس من غزّة وجنوب لبنان ويتحرّشون بإسرائيل فتعود لاحتلال غزّة بعدما خرجت منها عام 2005، ويقتلون مئة ألف ويهجّرون حوالي مليونين، ويخرّبون سبعين في المئة من العمران. تدفع إيران “الحزب” للمرّة الثالثة أو الرابعة منذ عام 2000، فتشنّ دولة الكيان حروباً شعواء على لبنان وتحتلّ أكثر من ألف كيلومتر وتقتل خلال أربعين يوماً أكثر من خمسة آلاف. حروب التحرير الإيرانيّة هي حروبٌ من أجل الاحتلال وليس التحرير، وإلّا ماذا تحرّر منذ عام 2023 أو ماذا سيتحرّر بأساليب “حماس” و”الحزب” الإيرانيّ؟!
لقد عشنا شهوراً بعد هجمة أكتوبر/تشرين الأوّل 2023 على أنّ الآلام ضروريّة للتذكير بالقضيّة الفلسطينيّة. هذا عذرٌ سخيفٌ إذا قورن بأهوال حروب التذكير والتحرير التي لا تجلب غير القتل والخراب.
في عالم اليوم والظروف الدوليّة ما عاد ممكناً في قضيّة فلسطين غير الإصغاء لمحاولة ياسر عرفات في أوسلو (1993): الدولة في مقابل السلام، أو السلام من أجل الدولة. تلك المحاولة ما أوقفها وأفشلها غير الحماسيّين وحافظ الأسد وطهران وقسمة أنظمة التطرّف للنضال الفلسطينيّ بين الضفّة وغزّة. أُضيف إلى بلائنا الحرس الثوريّ الإيرانيّ والميليشيات التي استوردتها إيران إلى سورية ولبنان لضرب الدواخل وليس ضرب إسرائيل.
حقد وحسد وكراهية؟
لننظر كم خسرنا نحن وكم خسرت إسرائيل في الحروب الأخيرة، التي كانت حافلة بما لم تتوقّعه إيران. كانت جمهوريّة الوليّ الفقيه تعتمد في غزو إسرائيل على الأذرع التي صنعتها في بلداننا أو استوردتها إلى بلداننا، فاندفع الأميركيّون والإسرائيليّون هذه المرّة لمصادمة إيران مباشرةً بعدما كسروا الأذرع في حروب الإبادة. بدلاً من أن تسعى إيران إلى الاقتراب من دول الجوار، التي مضت عليها ثلاثة عقود وهي تحاول كفّ الأذى الإيرانيّ عنها بالمجاملات والاتّفاقات (حتّى من طريق الصين!)، راحت تضربهم بقسوةٍ كأنّما هم الذين هاجموها وليست أميركا وإسرائيل!
يخشى كثيرون أن لا تنتهي الأزمة بين إيران والعرب حتّى بعد نهاية القتال مع أميركا. إذ الواضح أن لا خلفيّة لإيران في هجماتها على دول العرب غير الحقد والكراهية والحسد من النجاح والضرر من أجل الضرر. لذلك عندما يتّجه فريقٌ من شبابنا بعواطفهم تجاه إيران يكونون كمن يقطع ذراعه اليمنى بذراعه اليسرى. في هذه الدول أكثر من عشرة ملايين من العرب وعشرين مليوناً من سائر شعوب العالم. عرب الخليج هم قلب العالم، ليس بالطاقة والممرّات فقط، بل وبالريادة والتقدّم وإتاحة الفرص للعالم كلّه. بالطبع تتضرّر دول العرب كثيراً بإثارة هذه الحروب، لكنّ العالم كلَّه متضرّرٌ أيضاً، وإيران ذات النزوع المذهبيّ والإمبراطوريّ لا تريد للعرب رأساً مرفوعاً ولا دولاً ومجتمعات آمنة ومتقدّمة، في حين أدّت سياساتها بكيانها وبشعبها إلى الفقر والتعاسة.
قلت إنّ كثيرين منّا متوجّسون على دولنا من هذه الحروب التي لا تنتهي، وهي مخاوف لها ما يبرّرها. بيد أنّ الذي أخشاه أيضاً هو آثار هذه الحروب على الدين. لقد أعادت إيران نشر الكراهية المذهبيّة التي نشهدها من جديدٍ في العراق ولبنان وتجاه سورية والأردن وتجاه دول الخليج. في كلّ أسبوع تعتدي الميليشيات بالعراق على الدواخل، وتكتشف دول الخليج تنظيمات مذهبيّة ذات ولاء لإيران في مجتمعاتها. أمّا الأمر الآخر المضرّ بالدين ووحدته فهو الحزبيّات باسم الإسلام وما يسمّى الإسلام السياسيّ، وما يثيره هؤلاء من إحساسات وحساسيّات تفرّق الكلمة وتحرّض على السلطات والاستقرار. الدين قوّةٌ ناعمة، واستخدامه في إثارة الكراهية والعنف يثير الانقسامات فيه حتّى في العبادات، فكيف بالقيم والأخلاق والعيش المشترك والتضامن بين الناس وصنع الخير والتفكير في المستقبل؟
لا تعمل إيران من أجل فلسطين بل من أجل النوويّ والمصالح، وإلّا فكيف تتسبّب في خراب لبنان والعراق والشيعة فيهما أقوياء ووازنون وحاكمون؟ ولماذا هذه النزعة الثأريّة ضدّ الدول العربيّة التي ترغب في حسن الجوار والمصالح المتبادلة وصنع المستقبل المشترك؟
لا بدّ من إجماعاتٍ على حماية مصالحنا الكبرى، حفظ دولنا، والحرص على تقدّمنا ووحدة مجتمعاتنا وصلابتها.
