سعد سلوم… جريدة المدى
في ممرات الجامعة المزدحمة بوجوه الطلاب التي تبدو وكأنها تحاول حل لغز الوجود (أو لغز أسئلة الامتحان)، وبين صدى القاعات الذي يختلط فيه ضجيج سلطة التفاهة بصرخات الأيديولوجيا والمال السياسي وشراء الذمم، أجدني ألوذ برجل إنكليزي من القرن السابع عشر يدعى فرانسيس بيكون. هذا الرجل، وفي لحظة تجلي عام 1620، قرر أن يضع حداً للهرج والمرج الفكري في كتابه (الأورجانون الجديد). وفي الشذرة (95) من كتابه اختار استعارات مثلت نماذج إدراكية تختصر علاقة العقل البشري بالواقع. وبعبارة أخرى رسم سيركا بشريا لخص فيه علاقتنا المأزومة بالمعرفة عبر ثلاث حشرات تدير عقولنا: النملة، العنكبوت والنحلة. لم يختر بيكون هذه الحشرات عبثا، بل جعل منها مرآة نرى فيها عيوبنا المنهجية في التفكير.
نلتقي أولا بفريق النمل، وهم الزملاء الذين يعشقون النسخ واللصق. تراهم يجمعون المعلومات وملفات PDF ويكدسونها في رؤوسهم كما يكدس النمل حبات القمح للشتاء. هؤلاء يمتلكون أرشيفات ضخمة لكنها صامتة، يجمعون كل شيء ولا يحللون أي شيء، فتصبح المعرفة لديهم مجرد مخازن جامدة تفتقر لأي شرارة إبداع أو رؤية تمنح الحياة أي معنى حقيقي.
ثم يأتي فريق العناكب، وهم الفلاسفة الذين يعيشون في اللا-مكان. هؤلاء لا يحتاجون للواقع أصلا، بل يكتفون بالجلوس في أبراجهم العاجية لغزل نسيج من المصطلحات المعقدة التي يستخرجونها من جوف عقولهم المنعزلة. نسيجهم الفكري يبدو أنيقا ومترابطا جدا، لكنه في الحقيقة بيت عنكبوت واهن، ينهار ويتمزق بمجرد أن يصطدم بريح واحدة من حقائق الشارع العراقي الصادمة.
ووسط هذه الهوسة، يلوح لنا نموذج النحلة كبطل خارق ننتظر ظهوره. النحلة ليست ساذجة كالنملة لتجمع فقط، وليست متعالية كالعنكبوت لتغزل من فراغ، إنها كيميائية بارعة. تجوب الحقول، تمتص رحيق الواقع المر، ثم تعود لمختبرها العقلي لـتهضم تلك البيانات وتحولها بجهدها الخاص إلى عسل مصفى.
بهذه اللوحات الطريفة، يغمز لنا بيكون وكأنه يقول: يا جماعة الخير، السالفة مو بس تجميع، فالمعرفة الحقيقية ليست مجرد حشو معلومات ولا هي صفنة منعزلة بمقهى كهوة وكتاب و لا فرة في سوق السراي لأجل نشر صورة في انستغرام. الحقيقة هي عملية تحويل معدلة للبيانات بداخل مختبر الفكر، حتى نطلع بعسل تنويري يخدم الناس، بدلا من أن نظل صافنين على السيرك!
في هذا المختبر العراقي المفتوح على كل الاحتمالات (وكل الأزمات أيضا)، لم تعد تقسيمات بيكون مجرد مادة أمتحن بها طلابي، بل استحالت مبضعا جراحيا أو ربما درنفيس لفحص الأسلاك الشائكة أشرح به أزمة المشهد الثقافي والأكاديمي الذي أتنفس غباره يوميا. فالمعرفة هنا، وسط هذا الصخب، ليست مجرد تجميع بارد للبيانات، بل هي محاولة يائسة لتحويل منظمة لواقعنا المر عبر مختبر الفكر. وعندما نطلق حشرات بيكون في ممرات حياتنا الأكاديمية والسياسية المعقدة، نجد أنفسنا أمام ثلاثة أنماط تثير الضحك والبكاء في آن واحد:
أول من يصدمني هم حراس الأرشيف، هؤلاء الذين قرروا تقمص دور النملة بامتياز وسط عاصفة لا تبقي ولا تذر. تراهم يركضون في كرادة الأحداث وشارع متنبي التاريخ، يجمعون الوقائع ويدونون الانتهاكات ويكدسون الأرقام الجافة في سجلاتهم، وكأنهم يجمعون مؤونة لشتاء لن ينتهي. ورغم أنني أرفع القبعة لجهدهم في حماية ذاكرتنا من الزهايمر الجماعي، إلا أنني أتحسر حين أراهم يقفون عند حدود الجمع، فمخازنهم تغص بالحقائق، لكن عقولهم خالية من أي مشروع يخبرنا ما العمل؟ أو يمنحنا رؤية للمستقبل أبعد من أرنبة أنوفهم الأرشفية.
وعلى القنفة المقابلة، يتربع سكان البروج العاجية، أولئك الذين اختاروا عزلة العنكبوت بعيدا عن حرارة الصيف وانقطاع الكهرباء. أسمع طنين نقاشاتهم الممعنة في التجريد، وهم يغرقون في جدالات أيديولوجية معلّبة ومنتهية الصلاحية، وينسجون خيوطا من مصطلحات معقدة لا يفهمها حتى المترجم ولا تلامس جلد الشارع العراقي المحترق. هؤلاء يغزلون نسيجا يبدو كشخة وفخما في بطون الكتب، لكنه يتفتت ويصبح هباء منثورا أمام أول هزة من الواقع الصادم. معضلتهم في ذلك التعالي الذي يجعل خطابهم موجها لنخبة تتبادل المديح في غرف مغلقة، بينما يظل نبض الناس في وادٍ وهم في وادٍ آخر تماماً.
وبحكم انشغالي بقضايا الهوية والمواطنة، أجدني مضطرا للانحياز لنموذج المثقف النحلة، ذاك الذي يرفض أن يكتفي بالوصف السلبي أو يسكن الأبراج العالية. هو ذاك المثقف العضوي الذي ينزل إلى الميدان، يمتص آلام المجتمع وآماله، ويقرأ في تنوعنا المعقد رحيقا مرا، ثم يعكف في مختبره الخاص على طبخ مشاريع فكرية تهدف للإصلاح الحقيقي. ميزته أنه لا يكتفي بالنواح كالنملة، ولا بالتنظير كالعنكبوت، بل يقود عملية تحويل معرفي تحول أزماتنا المزمنة إلى وعي جمعي قادر على صنع التغيير.
لكن الأزمة، كما أرقبها بمرارة من موقعي الأكاديمي، لا تقف عند حدود أسوار الجامعة التي باتت تفرخ جيوشاً من النمل المبرمج على التكديس، بل تمتد لتسمم الفضاء الإعلامي والسياسي العراقي برمته. فبينما ننتظر من الأكاديميا أن تبني جسرا يربط النظريات بحاجات المجتمع وقضايا الهوية والدولة، نجد أنفسنا أمام سيرك يومي من النماذج المشوهة التي تعتمد التزييف منهجا. وهنا، أجدني مضطرا لابتكار فئة رابعة لم تخطر على بال “بيكون” المسكين، وهي الببغاء، لنكشف من خلالها آليات الخطاب المسخّر لخدمة الممولين.
في هذا العرض المسرحي المستمر، يبرز العنكبوت المؤدلج، ذاك المحلل الذي يغزل نسيجه لا للوصول إلى الحقيقة، بل لحماية صنم سياسي أو أيديولوجية عمياء يقدسها. هذا الفنان يمتلك النتيجة مسبقا في جيبه الصغير، ثم يشرع في غزل المغالطات ليبحث عن خيوط واهية يدعم بها موقفه. ورغم أن نسيجه قد يبدو للناظر البعيد متماسكا ومنطقيا، إلا أنه يذوب كالسكر أمام أول حقيقة موضوعية تصدمه.
وبجانبه، تطل علينا النملة الانتقائية، وهي النسخة الأكثر خبثا في التضليل المعرفي. يتظاهر هؤلاء بالنزاهة العلمية وهم يغرقون الشاشات بالأرقام والبيانات، لكنهم في الواقع يمارسون التدليس عبر جمع الحبوب التي تناسب روايتهم فقط، مستبعدين كل ما يفسد طبختهم. هنا، لا تجمع النملة لتؤرشف أو لتحمي الذاكرة، بل لتنصب فخا من المعلومات المبتسرة للمتلقي البسيط.
أما نجم الحفل الذي يخنق ما تبقى من صوت للعقل، فهوالببغاء، الصدى الأجوف لصوت الممول أو القائد السياسي. يقع هؤلاء خارج مجرة البحث المعرفي تماما، فلا هم يملكون جد النمل في الجمع، ولا ذكاء العنكبوت في الغزل، ولا إخلاص النحل في الهضم. إنهم مجرد أدوات نقل برتبة محللين، يرددون شعارات جاهزة مُملات عليهم، فاقدين لأي استقلالية فكرية أو ضمير مهني. وفي زمن سلطة التفاهة وكلاب حراسة الأجندات، يصبح ضجيج هؤلاء هو النشيد الوطني السائد، محولا الفكر من رسالة تنويرية إلى “دعاية” رخيصة تزيد من تيه المجتمع وضياعه.
لماذا نعتبر هؤلاء جميعا من ببغاوات الشاشات الصاخبة إلى عناكب الأيديولوجيا المعزولة خارج دائرة المعرفة الحقيقية؟ الإجابة تكمن في جوهر القصدية. فبيكون حين وضع فئاته عام 1620، كان يصف طرق تحصيل المعرفة واكتشاف المجهول، بينما المحلل الذي يستميت للدفاع عن وجهة نظر ثابتة لا يبحث عن معرفة جديدة، بل يمارس الدعاية المحضة في أبشع صورها. فبينما تستكشف النحلة الحقيقية الزهور لتنتج عسلا جديدا ومختلفاً في كل مرة، نجد المحلل المؤدلج يذهب إلى “الزهرة/الحدث” وهو يحمل عسلا صناعيا في جيبه، ليقنع الناس زيفا أنه استخرجه من قلب تلك الزهرة.
باختصار، هؤلاء هم الضحايا والمنتجون لما سماه فرانسيس بيكون بأوهام المسرح، تلك الأفكار التي تتسرب إلى عقولنا نتيجة التلقين، أو تبني نظريات زائفة، أو الإعجاب الأعمى بالشخصيات وكاريزما الزعماء، مما يخلق حاجزا كثيفا يمنع العقل من رؤية الواقع كما هو. إنها مسرحية كبرى نؤدي فيها أدوارا لم نكتبها، ونردد نصوصا لا تشبهنا، ونصفق لمشاهد تزيد من تيهنا.
وفي تقديري الشخصي، ومن قلب معاناة أكاديمي في فضاء مأزوم، فإن غلبة أوهام المسرح بكل ما تحمله من سطوة للكاريزما السياسية وارتهان للأيديولوجيا العمياء هي العائق الأكبر الذي يخنق ولادة المحلل النحلة. إننا بحاجة اليوم الى تحطيم هذه الأوثان المعرفية بوعي نقدي حاد. لقد آن الأوان للانتقال من ضجيج الببغاوات المأجورة ومن عزلة العناكب المتعالية، نحو منهج النحل الذي يمتلك شجاعة النقد ومسؤولية البناء، ليقدم لنا معرفة موضوعية حقيقية، تليق بتعقيدات واقعنا العراقي، وتنتشل تطلعاتنا من ركام التزييف.