د. سعد عزيز عبد الصاحب… جريدة المدى
تتبدى بعد كل تحول سياسي ازمات ومشكلات اجتماعية ونفسية وثقافية ينوء بثقلها الفرد ومن هذه المشكلات الجوهرية والاساسية ثيمة الهجرة من الوطن والعودة اليه واباح الفنان (محمد حماد) مؤلف النص ومخرجه لنفسه عنونة نصه بالهروب في الاتجاهين بدلالة انه يناقش جدلا كلا الحالتين من منطلق (هيغلي) (ديالكتيكي) بموقفين متناقضين فهو اي (حماد) يعرض المشكلة ويسأل السؤال ولا يحار جوابا وليس بالضرورة ان يجيب الفنان على الاسئلة او يرسم النهايات المغلقة لشخوصه انما فضيلته هي السؤال والسؤال فقط، مع ذلك هو ليس مع الحالتين التي طرحهما اذ ينعتهما بالهروب، الاول يهرب من الداخل (الوطن) والاخر يهرب من بلاد المهجر التي وفد اليها سابقا، تستطرد الشخصيتين في شرح اسباب حركتهما في الاتجاهين المختلفين ولكل منهما اسبابه وعلاته الموضوعية في الهجرة مما يجعل من المضمون ثيمة اشكالية عضوية قائمة تطرح في رسائلها معالجة موضوعة الهجرة من منطلقات (شعرية) على صعيد اللغة والصياغات الادبية وغير خطابية او هتافية مباشرة انما من منطلقات فلسفية (وجودية) و(عبثية) على مستوى المنهج المسرحي وكأننا امام مسرحية (الابواب الموصدة) لـ(سارتر) حيث توصد الابواب على الشخصيات في العالم الاخر (الاغترابي) وتبدأ بسرديتها الموجوعة وبوحها اللانهائي، هنا يختار المؤلف (محمد حماد) مكانا مهمشا ثاويا عاريا من كل شيئ لجمع الشخصيتين في نقطة على حدود الوطن حيث الاسلاك الشائكة التي تفصل بين حدين هي موضع الصراع الفكري بين الشخوص فالاسلاك الشائكة التي فصلت بين الشخصيتين تبدت وكأنها تنين ضخم ملون جاثم على الارض يؤجل اطلاق نيرانه لما بعد سماعه افادات الشخصيتين او كأنه الحارس التاريخي على ارض الحدود وشرطيها الخامد الفعل، وتكرار اصوات صفارات الانذار التي اعطت مدلول الطوارئ الدائمة للوطن كونه يعيش ابدا في حالة استثنائية طارئة، شكل عمل تقنية (الداتا شو) مجالا تصعيديا للايقاعين السمعي والبصري في العرض في ضوء ما شاهدناه من مرجعيات صورية لازمة الهروب في ضوء مشاهد الحروب والانفجارات واطلاق القذائف والقتل المجاني والهجرات الجماعية والجوع في افريقيا والانتحار في اوروبا حيث القمر وحده كان شاهدا على ما جرى من جرائم بمرأى منه، ومن خلال البعد (التسجيلي) للمشاهد الفديوية يمكن للعرض ان يقدم خطابا (كوزمبولوتيا) (امميا) ورسائل فكرية وايديولوجية ليست محلية فقط مما اعطى العرض بعدا ثقافيا عالميا اضافة لفعل المثاقفة والصراع الحضاري بين الشرق والغرب في ضوء ما يحمله (المغترب) معه من تجربة ومقولات عما صادفه من حياة رتيبة ميكانيكية مستنسخة في الغرب ودعاوى (المهاجر) ورؤيته للحياة داخل الوطن في انها اصبحت لا تطاق ولا حقوق للانسان فيها، وجاء الميزانسين الاخراجي للمساحة على خشبة المسرح وتقسيمه الى منطقتين يمين ويسار مضاءتين جاء موفقا لتبئير البعد الذاتي وتأكيده لتنصهر الشخصيتين بحركة دائرية وسلاسل تنوء بثقلها وسطح دائري دوار يتحركان عليه يشير الى دائرية اللعبة الزمكانية بمعنى ان الجحيم والحرية المفقودة في الفضاءين الداخل / الخارج هي واحدة وان الفعل لا يتقدم الى امام ولا وجود لذروة في البناء الدرامي والمسرحي لان النص والعرض اعتمدا على ثنائية البناء /الهدم في فلسفته الدرامية والاخراجية تساوقا مع العنوان ومع القيمة العليا التي يريدها خطاب العرض وهي قيمة (وجودية) (عدمية) لا افق في نهايتها بمقولات (الحرية) (الاختيار) (الالتزام) ويبقى للذات فعلها وهواجسها التي انعكست بأشكال من التذكير بالتراث الوطني الذي ساهم من خلال النسقين السمعي والبصري بأصوات الة الزرنة ورقص المنطقة الغربية او الدبكة الكردية وانغامها الشجية ورقصات البحارة وتلاوينها العاطفية ساهمت بأجمعها في تأجيج المشاعر الوطنية في ان لا مناص من المغادرة والعودة للوطن لدى (المغترب) بتأثير من ناستالوجيا الاصوات التي تملا رأسه والذكريات التي اعلن عنها بنثار الاوراق والصور التي عكست صورة مرآوية للذات تحمل الحنين للماض ونبذ وهجاء للحظة الراهنة والرهان على الثورة والاحتجاج على الوقائع من خلال الوسيلة الاعلامية (المايكات) وصور لقطار التمرد الذي ينتظر ركابه كل في اتجاه، ولخلق جو حميمي وانساني بين الشخصيتين ذهبت المعالجة الاخراجية للحل الواقعي في تقريبهما من بعض حركيا ليجلسا سوية ويشربا شايا على جمر انتظاراتهما وبعد هنيهة يسكرا شاربين نخب ايامهما السالفة والجديدة، يؤكد المخرج على الدلالة الدائرية العبثية للحدث في ضوء حركة القرص الدائري حتى وهما يشربان في اطارهم الواقعي في تفجير مدلول التوازي والتجاور وانهما يسيران في نفس القارب قارب الحيرة والالتباس قارب ينشد حرية الذات لكنه قارب يدور حول نفسه على انغام اصوات البحارة (الجوقة) التي كانت في معظم شواغلها متشظية في فعلها الحركي وميزانسيناتها ممثلة لانماط وشخوص عديدة في المجتمع من خلال ازياءها، كان الاسلم جماليا من وجهة نظري هو توظيف الجوقة كوحدة واحدة وكتلة متراصة خصوصا في مشاهد الاغان وايقاعاتها الموسيقية، عموما شكلت الجوقة حيوية بصرية وايقاعية كسرت من وحدة ورتابة النظام المشهدي وسمتريته وعمقت من جماليات الصورة التشكيلية، اما على صعيد الاداء التمثيلي للممثلين (خالد الاسدي)و(شوقي فريد) في شخصيتي (المغترب) و(المهاجر) فقد استطاع (الاسدي) ان يقدم انعكاسا تقمصيا للبيئة الاجنبية (الاوربية) التي هو قادم منها على مستوى الاتزان والهدوء والبرود الحركي والوضوح الصوتي بأندماج شاعري وعاطفي جذاب مع اللغة الشعرية التي كتب بها النص واستوفى شروط اللعبة المسرحية في ضوء ملئه لمناطق الخشبة ومستوياتها بانضباط في تحسس الضوء ومساقطه، اما الممثل (شوقي فريد) الذي اضطلع بدور (المهاجر) فقد استطاع ان يقدم تصورا سمعيا وحركيا (تقديميا) تهكميا عن الاداء الخارج من اتون اللهيب الوطني الملفع بالخوف والاضطراب والتيه والهلع بأنفاس لاهثة كأن احدا ما يلاحقه.