رنا ممدوح…. المصدر مجلة الفراتس
في إحدى ليالي شتاء 2023، وجدتني وحيدةً في شوارع برلين الباردة أتعثر في عتمتها الثقيلة، متسلحة بطبقاتٍ من الملابس، لا أقاوم بها الصقيع وحده، بل الفراغ الهائل الذي يخيّم على المدينة. كنتُ أتنقل بين أحيائها ومتنزهاتها العامة باحثةً عن ذلك السرّ الذي يدفع ملايين البشر إلى احتمال البقاء في تلك المدينة المظلمة.
كان الصباح شبيهاً بالمساء، كلاهما ضبابيٌّ ومعتم. والطرقات الواسعة تمتد بلا روح، حتى إنك تكاد تشتاق إلى قطةٍ شاردة تمنح المكان دليلاً على أن كائناً آخر يشاركك التنفس في هذا الفضاء الجامد.
في واحدة من جولاتي الطويلة، قادني الفضول إلى شارع كارل ماركس. فإذا بالصمت الذي أحاطني طوال ستة أشهر يتبدد فجأة، سمعت صوت فيروز ينساب في الهواء: “ليالي الشمال الحزينة”. ومع الأغنية تسللت روائح طعام مألوفة، دافئة وحميمة، فاتبعتُ حواسي كما يتبع التائه أثر بيته الأول، حتى وجدتني أمام مطعم يمني يتوسط الشارع ذا الطراز المعماري المميز لشرق ألمانيا.
وما إن دفعت الباب حتى غمرني دفء الشرق، شاركتني الطاولة أسرة عربية بادلتني ابتسامات صامتة ووداً بلا كلام. طلبتُ فحسةً وخبزاً ملوّحاً، كان حضور الناس وكثافة رائحة الطعام كافيين لتبديد شعوري بالاغتراب والبرد.
الدفء ذاته عاد إليّ وأنا أقرأ مطولات الفراتس الخمس هذا الأسبوع، وكأن كل مطولة منها بابٌ أدفعُه ليغمرني دفءٌ من نوع آخر. فسمعتُ بين سطورها نغمات الأغنية الأمازيغية، وشممتُ روائح المطاعم اليمنية، لكن هذه المرة في القاهرة وإسطنبول. وامتلأت عيناي وأذناي بأشجار سقطرى وزقزقة طيورها، تلك الجزيرة اليمنية التي قيل إن طوفان نوح لم يصلها. وألفتُ تجارب المناضلة الماركسية سعيدة المنبهي، وفرادة التجربة السجنية للنساء المغربيات، وتلمستُ صراع الذاكرة في قبور مقاتلي معركة بوغافر المنسيين. كثفت كلمات المطولات الخمس تجربة الغربة سواء كانت هجرة أو سجناً أو عزلة جغرافية أو إقصاءً تاريخياً واستعرضت تجارب شعوب منطقتنا في التشبث بالهوية والتحرر من الاغتراب.
في المطولة الأولى، فتح الباحث والمؤرخ اليمني فوزي الغويدي باب جزيرة سقطرى لنرى طبيعتها الخلابة وطيورها النادرة ولغتها الشفاهية الفريدة. أضاء الغويدي على عادات السقطريين وطقوسهم التي تميزهم، سواء في الختان أو الزواج أو استقبال المولود، فضلاً عن طريقتهم في اقتسام الموارد على مدى قرون طويلة.
تكفلت العزلة الجغرافية عبر آلاف السنين بحماية خصوصية سقطرى، فكانت الجزيرة تكتفي بصمتها الذي لا يقطعه سوى صوت الرياح وحفيف أشجار “دم الأخوين” العتيقة. لكن منذ سنة 2015، تبدد ذلك الصمت وحلّ مكانه أزيز الطائرات الذي جلب معه صراعات وأطماعاً إقليمية. لم تعد سقطرى مجرد محمية طبيعية هادئة، وإنما ساحة تتنازعها قوى إقليمية ودولية تسعى إلى عسكرتها وإنشاء قواعد استخباراتية على أراضيها، في سياق تنافس سياسي إقليمي يمتد عبر القرن الإفريقي والمحيط الهندي.
وأشار الغويدي إلى الغربة التي تعيشها سقطرى اليوم، إذ أصبح السقطري غريباً داخل أرضه. وأضحت اللغة السقطرية مهددة بالاندثار أمام سطوة اللغات الوافدة والتقنية الحديثة، وبدأت الأزياء التقليدية تتوارى تدريجياً. والأخطر من ذلك محاولات “إعادة تشكيل الهوية” باستيراد فعاليات دخيلة على بيئة الجزيرة وتاريخها، مثل تنظيم مسابقات الهجن والخيول، في مسعى لفرض رواية مستحدثة تنتزع الجزيرة من سياقها الأصيل وتحولها إلى منتج سياحي استهلاكي.
ومع هذا التهميش وشعور الاغتراب تبرز روح المقاومة، إذ يقاوم السقطريون محو ذاكرتهم بمبادرات لتوثيق الغناء الشعبي السقطري وإحياء الألعاب التقليدية وصون التراث غير المادي جزءاً أصيلاً من هويتهم.
نوعٌ آخر من الغربة أشار إليه الكاتب والباحث في التاريخ السياسي إبراهيم حياني في مقاله “كاتبات مغربيات انتصرن على السجان“. إذ ابتلعت سجون المغرب ومعتقلاته في “سنوات الجمر والرصاص” الممتدة من ستينيات القرن العشرين إلى تسعينياته، أجساد النساء وأصواتهن. يكشف حياني عن غربةٍ قاسية ومزدوجة، فرضها قمعٌ سياسي غيّب المعارضين خلف الأسوار، وعمّقها صقيعٌ مجتمعي فرض على النساء صمتاً مركباً باسم “الحشومة” والعار المرتبط بالجسد.
قسوة هذا المنفى لم تقف عند حدود الزنازين، وإنما امتدت إلى خارجها، فكما عانت عائلة مليكة أوفقير عشرين عاماً في المعتقلات بسبب ما اقترفه الأب الجنرال محمد أوفقير، قائد محاولة انقلاب 1972 على الحسن الثاني، وجدت مليكة بعد فرارها عالماً موحشاً يرفض استقبالها “سجناً آخر” لا يقل برودة عن زنزانتها.
اتخذت النساء المغربيات من “الكلمة” موقداً أذبن به جليد العزلة والنسيان. من قلب الزنزانة أشعلت سعيدة المنبهي شرارة هذا الدفء بأشعارها ورسائلها، حتى بعد أن فارقت الحياة إثر إضرابها عن الطعام سنة 1977. توالت بعدها الأصوات لتخلق من السرد نصوصاً أشبه بأوطان صغيرة تأوي جراح السجينات، فساهمت أعمالٌ مثل “السجينة” لمليكة أوفقير، و”حديث العتمة” لفاطنة البويه، و”سيرة الرماد” لخديجة مروازي، و”أشعار رسائل وكتابات السجن” لسعيدة ، في بناء ذاكرةٍ موازيةٍ لمقاومة النسيان الرسمي والتمييز السلبي للمجتمع. وقد أعادت أيضاً تعريف التجربة السجنية نفسها وفق مقاربةٍ أوسع وأعمق مضموناً.
بالبوح السردي، قاومت الكاتباتُ العنفَ المسلط على الكرامة والجسد، وتحولن من “ضحايا صامتات” إلى “فاعلاتٍ سياسيات” أعدن تشكيل الوعي والذاكرة الوطنية.
نجح أدب السجون النسائي في كسر جدران العزلة، فارضاً على الفضاء العام الاعتراف بمعاناتهن، ليجعل من سرد الألم شرطاً أساساً لتحقيق العدالة والتحرر من الاغتراب.
في المطولة الثالثة لهذا الأسبوع، طاف بنا الصحفي إسماعيل الأغبري في مقاله “المطبخ اليمني هوية في الاغتراب” بين المطابخ اليمنية في القاهرة وإسطنبول. كشف الأغبري كيف ابتكر اليمنيون ملاذاتهم الخاصة لتبديد وحشة المهجر، بعدما لفحتهم نيران الحرب التي اشتعلت سنة 2015 ودفعتهم نحو النزوح والهجرة. لم يستسلموا لبرودة الغربة، بل حوّلوا مطاعمهم إلى أوطان صغيرة وسفارات ثقافية واجتماعية تعيد إنتاج الهوية وتمنح المنفيين شعوراً بالألفة والانتماء.
من أفران التنور الطينية، وروائح المندي والمضبي والسلتة والخبز الملوّح، خلق اليمنيون فضاءات دافئة تكسر جليد العزلة، وتجمع أبناء الجالية على موائد تستعيد الأحاديث القديمة ودفء العلاقات الإنسانية. ليست مجرد أماكن لتقديم الطعام وحسب، وإنما مساحات تحفظ الذاكرة الجماعية وتنقل العادات والقيم من المنفى إلى الأجيال الجديدة.
وفي المنفى، أصبح المطبخ اليمني حاملاً الذاكرة والهوية، إذ بات طقس التشارك في الطعام قادراً على تخفيف حدة الانقسامات السياسية التي عصفت باليمن، جامعاً الناس في دفء إنساني وثقافي يتجاوز الخلافات. وأكثر من ذلك، تحول المطبخ اليمني أداةً للدبلوماسية الشعبية الناعمة، يقاوم بها اليمنيون الصورة القاسية المرتبطة بالنزوح والحرب، ويقدمون أنفسهم أفراداً منتجين ومعتزين بتراثهم.
فتحت تلك المطاعم أبوابها للمصريين والأتراك وغيرهم من الجنسيات الأخرى، ليتشاركوا جميعاً كرم الضيافة اليمنية، مؤكدةً أن رائحة التوابل قادرة على عبور الحدود والتكيف مع الأمكنة الجديدة. ولتؤكد أن الهوية مهما أثقلتها المنافي قادرة على منح أصحابها مساحة للحضور والتحرر من الاغتراب.
وكما كان المطعم وطناً صغيراً لليمنيين في القاهرة وإسطنبول يقاوم الاغتراب، أزاح الصحفي محمد تغروت، في مقاله “ترميم قبور الكوم في المغرب.. تمجيد فرنسي للاستعمار“، الستار عن رفض الدولة المغربية التخلي عن مقاتلي وحدات “الكوم” المغاربة في فرنسا، ومقاومتها لتوظيفهم أرقاماً داخل رواية استعمارية تخدم “دبلوماسية القبور”.
شرح تغروت كيف ألقى التاريخ بمقاتلي “الكوم” المغاربة، الذين حاربوا إلى جانب الاستعمار الفرنسي، في “منطقة رمادية” ملتبسة. إذ فرضت عليهم قسوة الظروف أن يتحولوا أداةً عسكريةً بيد المستعمر لإخضاع بني جلدتهم، فوجدوا أنفسهم، بعد الاستقلال، مقصيين من دفء الذاكرة الوطنية التي لم تتسع لملتبسي الانتماء. ولم تكتفِ فرنسا باستغلالهم أحياء، بل سعت إلى تعميق غربتهم أمواتاً، حين حاولت سنة 2017 نقل رفاتهم من تربة وطنهم في ألنيف إلى مقابر فرنسية، في محاولة لفصلهم عن سياقهم المحلي.
استعرض تغروت محاولات فرنسا الحثيثة لإلباس الذاكرة الدامية التي طبعت مأساة معركة بوغافر، إحدى أكثر معارك المقاومة المغربية دموية ورسوخاً في الذاكرة المحلية، معطفاً ناعماً. فاستعملت مصطلحات مثل “إخوة السلاح” و”الذاكرة المشتركة”، محاولةً تجميل ماضيها الاستعماري. فقد اندلعت المعركة سنة 1933 في جبال صاغرو بين قبائل آيت عطا والقوات الفرنسية، وما تزال محفورة في وجدان أبناء المنطقة حربَ حصارٍ وجوعٍ وعطشٍ وغازاتٍ سامة، لا مجرد صفحة من “ذاكرة مشتركة” كما تروج الرواية الفرنسية.
وفي مواجهة هذا “الدفء الزائف”، رفض أبناء المنطقة وأحفاد المقاومين التطبيع مع جلاد الأمس، وتمسكوا بحقهم في حماية ذاكرتهم من إعادة التأويل الاستعماري.
استعرض تغروت مظاهر مقاومة محاولات نقل الرفات انتصاراً للانتماء. إذ ترى الرواية الفرنسية في “الكوم” جنوداً “ماتوا من أجل فرنسا”، بينما يستحضر كثير من أحفاد آيت عطا ببوغافر تاريخاً مثقلًا بالحصار والجوع والعطش والقهر والمقاومة.
ولهذا رفضت الدولة المغربية التخلي عن جثامين أبنائها، مجبرةً باريس على التراجع ومواراتهم الثرى في موطنهم الأصلي، لأنهم مغاربة مسلمون. وبموازاة هذا الموقف السيادي، تواصل الجمعيات المحلية والمؤسسات الوطنية مقاومة محاولات التأطير الفرنسي للذاكرة، سعياً إلى إعادة الاعتبار لبطولات المقاومة الشعبية، وتخليص التاريخ من الارتهان للرواية الاستعمارية.
وهكذا ظلت قبور “الكوم” في ألنيف شاهداً حياً على أن الذاكرة مثل الهوية، تأبى التغريب، وأن تحت شواهد الرخام الباردة تاريخاً نابضاً يرفض الاستسلام للنسيان.
وفي المطولة الخامسة لهذا الأسبوع، تأخذنا الكاتبة هدى الشماشي في مقالها “سيرة الأغنية الأمازيغية الريفية” إلى الريف المغربي، لتحكي لنا الأسباب التي دفعت أهله إلى رفض أي تغيير في فن “إزران”. فمنذ حروبهم التحررية ضد الاحتلال الإسباني، اعتاد الريفيون الغناء لقضاياهم السياسية والاجتماعية، وجعلوا من أهازيجهم أداةً نضالية في مواجهة التسلط. وحتى اليوم، يرفض أهل الريف التجديد في موضوعات هذا الفن وما يمكن أن يعبّر عنه.
توضح هدى كيف لفظ التهميش السياسي والاقتصادي أبناء منطقة الريف المغربي، دافعاً إياهم إمّا نحو عتمة المعتقلات إثر الاحتجاجات، أو نحو صقيع المنفى في أوروبا بحثاً عن الكرامة والخبز. وفي هذا الشتات القاسي، واجه الإنسان الريفي اغتراباً مركباً، اغتراباً عن أرضٍ ضاقت بأحلامه وخوفاً عميقاً ومستمراً من ذوبان هويته الأمازيغية واندثار لغته في قارةٍ باردة تبتلع ملامح الأجيال الجديدة.
اتخذ الريفيون من نغمات أغانيهم وأشعار “إزران” وطناً صغيراً وموقداً يلتفون حوله لكسر جليد الغربة. فالغناء لديهم ليس تسلية عابرة، بل “أرشيفاً” للذاكرة وحارساً للهوية، تتردد فيه نداءات “رالّا بويا”، الملكة الأمازيغية المحاربة في الحكايات الشعبية الريفية، لتوقظ في المغتربين حنيناً دافئاً يربطهم بأرضهم. ومن أشرطة التسجيل المهرّبة التي عبرت البحار، تسللت هذه الأغاني سراً إلى أسماع المهاجرين، لتحافظ على دفء انتمائهم وسط برودة أوروبا، ولتخبرهم أنهم ليسوا وحدهم.
أبت الأغنية الريفية أن تستسلم لسطحية الألحان، وتحولت إلى درعٍ للرفض والمقاومة. فكما وقفت ملحمة “دهار أوباران” وقوداً في وجه المستعمر الإسباني سنة 1921 بأشعارها
أيا دهار أوباران أيا مُسوس العظام
من غَرَّرَ بك سيغرر به الزمن
هل حسبتَ الريف سهلا؟
هل حسبتَهُ كقَطْفِ أزهار بنعمان؟
نحن الأمازيغ مجاهدون منذ القدم
حملت الأغنية الملتزمة المعاصرة هموم المقهورين، وواست أمهات المعتقلين اللواتي رفعن الأعلام السوداء، رافضةً الانصياع أو التملق لمن تسببوا في تهميشهم.
واختار الفنانون الأمازيغ أن يحملوا جراح مجتمعهم بصدق، رافضين أن تُفرَّغ موسيقاهم من روحها النضالية، لتظل الكلمة المغناة المأوى الذي يكسر عزلة الريفي، ويحمي صوته من التلاشي في صخب العالم.
مع عودتي إلى مصر قبل أكثر من عامين، حيث دفء الشرق أو لهيبه، إلا أن سطور المطولات الخمس أعادت إليّ ذلك الدفء الذي انتابني للمرة الأولى في شوارع برلين الباردة. لأتوصل في النهاية إلى أننا شعوبٌ تحترف صناعة الدفء، وتقاوم الاغتراب بالتشبث بالجذور، سواء كانت أغنيةً ريفيةً تعبر القارات لتواسي المهاجرين، أو طبقاً دافئاً يجمع شتات اليمنيين ويقاوم انقساماتهم، أو شجرة “دم الأخوين” التي تقف حارسةً لجزيرةٍ تأبى التغريب والبيع، أو نصاً سجنياً نسائياً يكسر أقفال العتمة والصمت، أو رفاتاً يتشبث بتراب “ألنيف”رافضاً تزييف التاريخ ومقاوماً النسيان.