وفي الوقت الذي أصبح فيه العرب يحققون نجاحًا كبيرًا في عالم صناعة الأزياء، لا تنتبه التلفزيونات العربيّة إلى قيمة ما يُبدعه العرب في مجال التصميم والموضة، بحيث تعتبر هذه الشاشات أنّ المُشاهد غير مهتم ببرامج فنية حول الأزياء، في وقتٍ أصبحت فيه الجماهير تُبدع برامجها الخاصّة على وسائل التواصل الاجتماعي، ويعرضون لباسهم ويتباهون بكل ما يطبعها من تصميم أنيق وألوان مزركشة تتماهى مع شخصياتهم. إنّ الأزياء ليست للزينة والجمال فقط، لكنها تُظهر بطريقةٍ ما الأفق الجمالي الذي وصل إليه الإبداع العربي المعاصر. وهنا تبرز قيمة هذه البرامج في كونها ترفع منسوب الوعي تجاه الأزياء والموضة، كما تكشف عن الهوية الثقافية للمجتمعات التي نعيش فيها وتساهم إلى حد كبير في إنتاج الرموز والدلالات حول هذه الحضارة.
إنّ فنون الأزياء عبارة عن ممارسات جماليّة وإنْ كانت في ظاهرها سطحية، كما يراها المثقفون على أساس أنّها تدخل ضمن عالم الترفيه والاستهلاك، فهي في نظر المفكّر الفرنسي رولان بارت تساهم بشكل كبير في إنتاج الدلالات والرموز حول حضارتنا ومَعيشنا، على الرغم من التشابك الكبير الذي أصبح يطبع الواقع، بين الهوية الجماعية وباقي الأشكال الرمزيّة الكونية، بما يجعل الهوية الجمالية للأزياء العربيّة تنعدم فيها أحيانًا الخصوصية المحلية. على هذا الأساس تحتاج الأزياء العربيّة إلى عملية تقويم فكري، انطلاقًا من الرموز والمعاني التي تكتسبها داخل أنساق تاريخيّة وثقافيّة معيّنة.
لقد انتبه صاحب “الدرجة الصفر للكتابة” (1953) أنّ صناعة الأزياء لا تدخل ضمن الأفق الترفيهي الاستهلاكي مثل باقي الممارسات اليومية، فهي تحتاج في نظره إلى عملية تفكير في جوهرها وجمالياتها، بحكم التقاطعات المعرفية التي يفرضها فعل المقاربة المعرفية بين التاريخ والجماليات والسيميائيات، فهي حقول معرفية تتواشج فيما بينها لتنتج خليطًا فكريًا زئبقيًا يقيم في الما-بين. إنّ وعي الثقافة الغربية باللباس والزينة والأزياء، يظلّ كبيرًا وتحوّل من كونه ممارسة جماليّة يوميّة إلى موضوع قابل للتفكير والتأمّل، في حين ما تزال تنظر الثقافة العربية إلى صناعة الأزياء بنوع من السخرية وتتعامل معها على أساس أنّها أشياء سطحية لا تستحق أنْ تصبح مجالًا للتفلسف.
ينبغي أنْ نعترف أنّ ثقافتنا العربيّة المعاصرة ما زالت تقليدية، رغم مظاهر التحديث والحداثة التي ألمّت بها منذ أواسط القرن التاسع عشر، فهي ثقافة مبنية على الشفاهة ولم تخرج بعد من الخطاب المكتوب واللوغوس، صوب البحث عن آفاق جديدة قابلة لميلاد لغةٍ فكريّة جديدة، يقظة، تجاه التحولات التي تبدأ من أجسادنا صوب الواقع الذي ننتمي إليه فيزيقيًا.
وفي الوقت الذي يطالعنا فيه الفكر الفرنسيّ المعاصر بمؤلفات من قبيل الضحك والحواس والألم والقلق والصورة واللوحة والفيلم والصمت، يحرص العديد من الباحثين في التاريخ على استرجاع نغمة الحركة الوطنية والإصلاح والاستقلال والمقاومة، وهي موضوعات أشبعت بحثًا وتفكيرًا ولم يعُد من يصدرون مؤلفات في هذا المضمار يأتون بجديد يعوّل عليه من الناحية التاريخية. في حين أدركت بعض الأسماء الأكاديمية، أنّ الإقامة في التاريخ وحده لا يسعف الباحث على التقاط إشارات دقيقة من أجل إضاءة معالم التاريخ المعاصر بالمغرب، فكان التوجّه صوب الأنثروبولوجيا، بمثابة علامة مضيئة في مسارهم البحثي، حيث استطاعوا خلق خطاب تاريخي أكثر انفلاتًا من المركز وقربًا من مفهوم الهامش وتمثلاته. إننا اليوم في حاجة ماسة إلى التفكير في الأزياء العربية والتعريف بما أنجزه العديد من المصمّمين العرب في مجالات معينة، سواء تعلّق الأمر ببرامج وثائقية أو أبحاث علمية تستلهم التاريخ والسوسيولوجيا، وتحاول عبر العلوم الإنسانية والاجتماعية أنْ تموقع مفهوم الأزياء داخل الخطاب الفكري وذلك من أجل الوعي بقيمتها وما تنتجه من قيم ومفاهيم ورموز أكثر تجذّرًا في ذاكرتنا الجماعية وحرصًا على صيانتها.
إنّ الكوفية الفلسطينية ليست مجرّد أداة وظيفية للزينة، لكنها عبارة عن حكاية جرح ورمز وطني وسردية تحكي تاريخ شعب مقاوم. إنّ الأسلوب الوظيفي- الاستعمالي للكوفية اختفى وبقيت الكوفية، باعتبارها شعارًا وطنيًا فلسطينيًا ينتج المعاني والرموز والدلالات وغيرها من المفاهيم ذات الصلة بالمقاومة والنضال. وإذا كانت الكوفية خلال مرحلة الانتداب البريطاني، عبارة عن وسيلة تقليدية لإخفاء وجوه الفلاحين الفلسطينيين المشاركين في ردع المستعمر وقواته، فإنّها تغدو اليوم تراثًا فلسطينيًا لا ينضب من ناحية الرموز والعلامات التي تنتجها حتى أضحت رمزًا للمقاومة الفلسطينية المتوهّجة وأسلوبًا بصريًا خالصًا في التعبير عن التضامن والتماهي مع المقاومة الفلسطينية ضد الاحتلال الإسرائيلي الغاشم.
من هنا، تبرز قيمة أفكار رولان بارت، فهو يعمل على تشذير اليوميّ وتحويله إلى مفاهيم قابلة للتفكير والتأمّل، بعيدًا عن المقاربات الإنشائية التي نصبغها على الواقع. بيد أنّ هذا الافتتان لدى صاحب “الغرفة المُضيئة” بعلاقة العلامة بالأنساق الثقافيّة للممارسات البشرية تبدأ من اللغة ومن إطارها السيميائي الذي يشكّل مدخلًا لفهم هذه العلامات البصريّة ومحاولة استقراء خطابها والحفر فيما تختزنه من لغةٍ بيضاء وصامتة لا نراها، لكنّها موجودة هناك، تتكلّم في خفاء، لكنها في حاجة ماسة إلى استلهام مفاهيم العلوم الإنسانية والنظريات الاجتماعية من أجل إبرازها وتفكيك شيفراتها وما تنتجه من تصوّرات أكثر تجذّرًا في بيئتنا وتاريخنا وذاكرتنا. لقد نجح بارت مقارنة بالمفكّرين الفرنسيين في الإقامة في اللغة واستنطاق الهامش ومحاولة تفكيكه، معتبرًا أنّ هذا الأخير، يظلّ بمثابة الكنز الحقيقي الذي يكشف “ميثولوجيات” الزمن المعاصر بكل ممارساته الاستهلاكية وذلك لكونه أدرك أن اللغة التي تلهجها الثقافة الشعبية وتنطق بها ممارساتها اليوميّة قادرة على منحنا الخلاص تجاه ذاكرتنا الجماعية وتجعلنا نتجاوز شروخنا المجتمعية وتصدّعاتنا الحضارية.
يقدّم المشروع البارتي صورة عامة لما ينبغي أنْ يكون عليه الفكر اليقظ، الحداثي، التجريبي، القادر على تفكيك الأساطير التي بتنا نعيشها اليوم في عالم “ترامبي” تطغى فيه المركزية وتتوحّش فيه “العولمة الأميركية” ليصبح أكلنا ولباسنا وتقاليدنا، عبارة عن ممارسات مصغّرة عن الحياة الغربيّة المعاصرة. لذلك، لم يخفِ بارت في تقديمه لكتاب “الاسم العربي الجريح” (1974) للمغربي عبد الكبير الخطيبي، حجمَ الفرح الذي انتابه خلال قراءة كتابه، عاملًا على الإشادة بقدرة الثقافة الشعبية المغربيّة على بناء وعي حقيقي تجاه الماضي، لكن خطاب رولان بارت كان يخفي في ذاته حجم الندوب التي كان يشعر بألمها، وهو يرى كيف يتحوّل المجتمع الفرنسي المعاصر إلى عبارة عن مَشاهد يوميّة قابلة للتسليع والدخول في منطق الربح والخسارة.