.علي لفتة سعيد،،، ضفة ثالثة
فالكتابة لديه في هذه المجموعة أو النصوص التي تلتها التي ينشرها منفردة تمثل وعيًا جديدًا بالذات، كون الحواس تشكّل مصدرًا أساسيًّا للمعرفة. من خلال فعل الغياب الذي يظهر جليًّا في ثنايا الكلمات. فالمسعودي يقدّم تجربةً شعريةً نثريةً غنية بالدلالات. تبدأ من فاعلية العنوان الرئيس الذي يمثل البوابة الأولى للدخول إلى مدينة النصوص. فرغم أنّ العنوان يشكّل آخر نصّ في المجموعة إلّا أنّها جاءت وكأنّها حملت كلّ النصوص بعناوينها المتصلة لتبدو عملية (خلق) شعري موازٍ لفاعلية التأويل.
فاعلية العنوان
من أجل تحليل النصوص لا بدّ من البدء بالعنوان الرئيس الذي أشرنا إلى أنّه البوابة الأولى. ولنعمل على أنّ النصّ الذي يحمل العنوان الرئيس جاء وكأنّه حاصل جمع النصوص الأخرى. لذا فالفاعلية الجمالية والدلالية بناءً على محتوى الكتاب، حملت تأويلات عديدة:
أوّلًا: تأويل الجملة العنوانية من أنّه ليس مجرد وصف لموسم أو لون، بل هو تركيب شعري يحمل ثنائية (الزمان/ الحالة) و(الصفة/ الهوية). فدلالته التأويلية ترتبط بالدلالة الوجدانية. عبر:
1- كلمة “الصيف” تعني الزمان والاحتراق، وهو – أي الصيف- ما يمثّل في النصوص ذروة الانكشاف والوضوح، ولكنّه وضوح ساخن يرتبط بالقلق والتحول. هو فصل خيانة الجسد والخصوبة الضائعة. مثلما يرتبط بالمعاناة الوجدانية:
(لا كلام بعد هذا الصيف عن النزف)
وهو ما جعل الصيف ظرفًا زمنيًّا مكثّفًا للشعور بالألم أو الفقد.
2- كلمة “أسمر” وهي هنا هوية ولها ارتباط بسمات الشاعرية/ جاءت لتضفي صبغة إنسانية على الفصل الجامد، وكأنّ الصيف هو الشاعر نفسه أو ظلّه. يبرز هذا في نصّه “بياض”:
(تمضي ببياضك نحوي، يا لي من سمرة جاذبة).
فالسمرة هنا تمثّل نقيضًا للبياض الذي يظهر في نصوصه كرمز للآخر أو للحلم البعيد، بينما “السمرة” هي الواقع المثقل بالتفاصيل العراقية وبالذات الشاعرة التي تتحمّل عبء الانتظار.
ثانيًا: فاعلية العنوان في النصّ… حيث تعمل الفاعلية كمحرّكِ دلاليّ، يربط بين نصوص الكتاب من خلال عدّة مستويات:
1- المستوى التصويري من حيث التباين اللوني، إذ يعتمد على إثارة خيال القارئ عبر التضاد بين “وهج الصيف” و”قتامة السمرة”، وهو ما ينعكس في ثنايا الكتاب عبر ثنائيات (الضوء/العتمة) و(الظهور/الاختفاء).
2- المستوى الوجداني، حيث يهيّئ القارئ للدخول في أجواء من “العطش المجيد” و”الاحتراق” الوجداني. فالصيف الأسمر هو صيف الشخصيات التي لا ترتوي، كما يقول في نصّ “ابتدائي من المنتصف”: “إنّنا لا نرتوي ولا نتعطّش”.
3- المستوى المكاني، حيث يرتبط العنوان ارتباطًا وثيقًا ببيئة الكتاب (بغداد)، حيث الصيف ليس مجرّد فصل، بل هو جزء من الهوية المكانية والجسدية التي يصوغها المسعودي في نثره.
ممّا يتّضح أنّ العنوان يخرج من كونه “لافتة” ليصبح “عنصرًا” من عناصر الوجود التي يتحدّث عنها المؤلف في ديباجته: “إنّها عناصري التي هي بعض من صدق وبعض من كذب… فلا تنشغل بها وتنساني”.
آليات الاشتغال السردنثري
تعمل خاصية الاشتغال على آليات فنية دقيقة تنقل النصّ من مجرد “نثر” إلى “فضاء شعري” مكثّف ومن خاصية التكثيف الشعري إلى فاعلية السرد الشكلي وفاعلية ارتباطها بالتأويل. وهذا يمكن استخلاصه من خلال حصد المستوى التحليلي المرتبط بالمستوى الإخباري كشكل تدويني عبر عدد من المحاور:
أوّلًا: الاشتغال على “المفارقة” والتقابل اللوني، من خلال الاعتماد بشكل أساسي على خلق تضاد لوني ودلالي لبناء الدراما داخل النصّ. يظهر ذلك بوضوح في التقابل بين (البياض والسمرة) أو (الحضور والغياب):
(هو شديد البياض بينما أنا صيف أسمر“).
وهنا اشتغل النصّ على الوصف الخارجي فقط، بل يجعل اللون “هوية” نفسية وموقفًا من الوجود.
ثانيًا: التكثيف والاختزال (اقتصاد اللغة)، إذ إنّ النصوص تميل إلى القصر، حيث يشتغل المؤلف على مبدأ “الحذف” وترك مساحات بياض للقارئ. الجملة قصيرة، مركّزة، وتخلو من الزوائد اللغوية، ممّا يجعل كلّ كلمة بمثابة “نبضة” شعورية مستقلة… فهو وإن كان النصّ متصلًا سرديًّا وشكليًّا لكنّها -أي الجملة- تكون ضربة شعرية دالّة على مدلولها. وهي ضربات تبدأ من العنونة حتّى تلك التي تتكوّن من أربع أو خمس كلمات لكنّها في الحقيقة كلمة واحدة يجمعها مرايا النصّ ذاته.
ثالثًا: “أنسنة” الجمادات والعناصر الطبيعية، من خلال الاشتغال على تحويل العناصر الطبيعية (الصيف، العطر، الظلال، البرتقال، الخضرة) إلى كائنات حيّة تشارك الشاعر مشاعره. أي أنّه انطلق من الذات إلى العام من أجل تفويض العام لمعرفة المقاصد والتأويلات لكلّ نصّ. باعتبار أنّ الصيف في نصوصه ليس طقسًا، بل هو كائن “أسمر” لديه صفات بشرية، والعطر لديه “فتوى”.
رابعًا: الوعي بالجسد كمرجع دلالي، حيث يظهر الجسد في النصوص كأداة للمعرفة وليس فقط كوعاء للمشاعر. هناك اشتغال واضح على الحواس، وهي جوانب وجدانية:
(إنْ كنتَ في الشجرة فلا تأخذ بيدي المثمرة.
قد سبقتك إلى مداناة اليابسة.
قد سميتك على ولايات الثغور البعيدة فلا تجزع لتعثّر ناجيتك في
الفراغ الذي في التسمية.
أكرّر هذا السهو ولا تسألني عنه). (من نصّ “يخلع يدي من على خصره“).
(كنتُ خارج الزهرة وهذا ما أخرجني من فصل جيد ومناسب لفهم كلّ
هذه الدوائر التي تنتمي إليها). (من نصّ “الفتوى التي في العطر“).
وهو ما يبيّن أنّ النصوص تشتغل من خلال “الحسّ” ليعبّر عن “المجرّد”.
خامسًا: الانفتاح على “التأويل الفلسفي”. فالسؤال في النصوص علامة فلسفية. فالشاعر لا يقدّم إجابات، بل يطرح تساؤلات حول “الوجود من على الحافات” و”الوصول إلى الصفر”. اشتغال النصّ هنا يهدف إلى زحزحة اليقين عند القارئ وجعله يتأمّل في “الفراغ” و”الغياب”.
(أجمل بيرقين: أنا وأنت نهتزّ في ريح الغياب.
إنْ لم تتركني أتمهّل في النظر؛ فسوف لا أتمكّن من اختيار). (من نصّ “الفائض من العشق“).
سادسًا: الموسيقى الداخلية (الإيقاع النثري). فبالرغم من أنّ النصوص “نثرية”، إلّا أنّها تشتغل بإيقاع داخلي يعتمد على تكرار بعض الحروف أو توازي الجمل، ممّا يخلق حالة من التدفّق الشعوري التي تعوّض غياب الوزن التقليدي.
(لم أكن غير مجاور؛ تقول الفكرة التي عن لمعان قدميك في تلك
الخطوات.
حدَّ الانشغال برحيل؛ تزدهي كلّ هذه الأشياء التي تتقارب مع سفينة.
إنْ أتساقط من الفم ذي الحمرة المحبّبة؛ هذا لا يعني يومًا من التلفّظ). (من نصّ “سؤالُ المفرد“).
ممّا يتّضح أنّ الاشتغال في نصوص كان اشتغالًا بنائيًّا يبدأ من العنوان ويمتدّ عبر الصور الحسية المكثّفة، محوّلًا اليومي والعادي إلى مشهد جمالي وفلسفي يعيد صياغة علاقة الإنسان بالزمن (الصيف) وبالآخر.
اللغة والتدوير الدلالي
اللغة محرّك الفنّ الشعري أو النثر أو لنقل النثر السردي. لأنّ اللغة لا تقتصر فاعليتها على كونها أداة لنقل المعنى، بل تتحوّل هي نفسها إلى “حدث شعري” وموضوع للتأمّل. فالشاعر يمارس ما يمكن تسميته بـ”اقتصاد التعبير وكثافة التأويل”. ويمكن ملاحظة ذلك من خلال:
أوّلًا: أنسنة اللغة، كون اللغة في النصوص ليست حروفًا صمّاء، بل هي كائن ينمو ويتنفّس. حيث يربط بين وجوده البيولوجي وبين وجوده اللغوي:
(ساويته بغزالة تركض في دمي ولم يمهلني استكمال جملتي التي لو
تلفّظت بها للغريب لصار قريبًا وللبعيد لكان دانيًا وللعدوّ لصار صديقًا، أنا
مذعن لما يريد في غيابه أو في حضوره). (من نصّ “عمري الذي في اللغة“).
فاللغة التي تأتي بالتأويل تتحوّل إلى ملاذ وبديل عن الواقع، كونها تحوّلت إلى جسد آخر يسكنه الشاعر.
ثانيًا: بلاغة الاختزال والتشظّي. فاللغة في المجموعة مختزلة وإن كان فيها السرد شكلًا ومعنى. فالجملة القصيرة في السطر الشعري لا تعني سوى أنّها مكثّفة تشبه الومضات البرقية. حين يتمّ جمعها سيكون المطر تأويلات متعدّدة:
(هذا الحطب اليابس الذي أُرى فيه ليس أنا.
هذه الأغصان التي تخضرّ بدلًا عنّي ليست أنا.
هذا الانتظار الذي أحاول تأويله بزحام ليس أنا.
هذه البحار التي أحلم بزيارتها بيضًا أو بزرقة ماثلة ليست أنا). (من نصّ “ابتدائي من المنتصف“).
فالفاعلية في اللغة لا تعطي المتلقّي المعنى جاهزًا، بل تتركه في حالة من “الحيرة المنتجة”. اللغة هنا “تومئ” ولا “تصرح”، ممّا يمنح التأويل الشعري مساحة واسعة. فالفراغ بين الكلمات في نصوصه يحمل دلالة لا تقلّ أهمّية عن الكلمات نفسها.
ثالثًا: تراسل الحواس، حيث تشتغل اللغة على تحويل المجرّدات إلى محسوسات. هو لا يكتب عن “الحبّ” أو “الانتظار” كمفاهيم، بل يكتب عنها كروائح وألوان وملابس. فهو يشكّلها مرّة خطابًا مواجهًا من الذات إلى العام ومرّة على شكل حوار من الذات إلى الذات:
(- لو كنتُ في النظر لما رأيتك قال الذي على الرابية.
– حتّى المسافة التي لا أراها سوف تُقطف بالمشي يقول الساكن بيني
وبينه.
– تتحدّر يا لك من سيل.
– تمضي ببياضك نحوي يا لي من سمرة جاذبة.
– أنتمي للذين لا ذنب لهم يقول صاحب البراءة؛ فإنْ عوتب فهو لي،
وإنْ بادر بالصمت فهو كلامي الذي لا أعرفه ولا يعرفني). (من نصّ “بياض“).
فتكون فاعلية التأويل اللغوي حين يتمّ تحويل الأشياء إلى محسوسات بينها تراسل يؤدّي إلى انزياح لغوي يعطي للغة سلطة تشريعية وجمالية جديدة، تمكث بين الحقيقة واليقين.
رابعًا: كسر النمط والمفارقة اللغوية، وهذه تتجلّى من خلال فاعلية اللغة وقدرتها على الجمع بين المتناقضات. فالنصّ متصادم ومترادف ومتعارض يؤدّي إلى انكسار أفق التوقّع مثلما يعطي بدائل عديدة لمفهوم الجملة فضلًا عن التنقّلات بين الفاعلية الشعرية في المتن النثري، والفاعلية الحكائية في المبنى السردي:
(لا تبتكرني خارج هذا الشهرِ؛ فقد تنساني كما فعلت في ابتكاراتكَ
الدائمة لي؛ دعني إنْ لم تكن حمل أحلامي؛ يكن أجدى بكَ وأجدر). (من نصّ “شهر نوفمبر/ تشرين الثاني“).
ومن هنا فإنّ الاشتغال يعكس الرؤية الفلسفية التي تعطي تأويلًا من أنّ الزمن الشعري دائري، وأنّ اللغة قادرة على إعادة ترتيب الوجود وفق منطق الشاعر لا منطق النحو أو الواقع.
خامسًا: الفراغ والفاعلية اللغوية. حيث تصبح اللغة وسيلة لتأطير الصمت، حيث تعطي اللغة مطاردتها للمقدرات وملء الفراغ لمعانيها وتأويلها، فضلًا عن وجدانيتها. فاللغة هنا تشتغل لكي تُلغي نفسها في النهاية، وتترك المتلقّي أمام تجربة شعورية صامتة، وصارخة بالتأويلات والدلالات فتتحوّل إلى جسر للمعاني. فالفراغات بين المقاطع السرد شعرية، ليست عملية انتقال مكاني أو زمني بل انتقال تأويلي مكمّل. لذا تسعى اللغة إلى المراهنة على المعطيات الدلالية:
(في مرقاته الأخيرة نسي كيف يسبَّح له ما دعا مريديه للتحفّظ على
تسميته بالشيخ الفريد الذي لا تردّ مطالبه حينما يحاول نشرها من على
الحبل الأزرق لهذه السماء). (من نصّ “محاولة في الغروب“).
سادسًا: اللغة والأنا وفاعلية الآخر، وهذه تظهر عند رسم الحدود بين الذات والعالم. لأنّه ينطلق من (الأنا/ الذات) وليس من (هو/ هم). وهو ما يرتبط بالأداة التعريفية التي ترسم ملامح الهوية. اللون (أسمر/أبيض) يتحوّل من صفة بصرية إلى دالّ لغوي يحمل ثقل الصراع الوجداني والطبقي والوجودي. ومن هنا فاللغة تسعى لبناء عالم موازٍ يتّسم بالسمرة والدفء (الصيف)، وتؤوّل الواقع عبر استعارات حسّية تجعل من القراءة عملية اكتشاف دائمة.
(أراقبه مثل غيم يتجمّع ولا يهطل، أدانيه مثل شتاء إلى صيف ولا يقبل،
أداريه مثل ماء إلى عطش ولا يرتوي، أعاينه مثل ما يُراد له أن يتدلّل ولا
يفهم). (من نصّ “صمتُه عليَّ“).
الاشتغال ومحرّكات الأفكار
إنّ المجموعة تشتغل على محرّكات عديدة تجمعها قاطرة اللغة مثلما تتفرّع منها العديد من الأفكار، فهي وإن تشابهت شكلًا كطريقة اشتغال للشاعر، فإنّ الأفكار تتميّز بطبعها المتنوّع الذاتي الذي يشتغل على إنتاج التأويلات المتعدّدة.
أوّلًا: فكرة الذات المغتربة والبحث عن الهوية، حيث تركّز هذه الفكرة على صراع الأنا مع العالم، ومحاولة الشاعر تعريف نفسه من خلال صفاته الخاصة (السمرة) مقابل بياض الآخر أو برودته.
(هو شديد البياض بينما أنا صيف أسمر)-
تعكس هذه الجملة تضادّ الهويات وقبول الشاعر لاختلافه المحترق بوهج التجربة.
ثانيًا: فلسفة الحواس (الجسد كأداة للمعرفة) كون الشاعر لا ينظر إلى الجسد كإطارٍ مادّي، بل كمصدر للوعي، فالحواس (اللمس، الشمّ) هي التي تدرك الحقيقة قبل العقل. والتي تهدف إلى تجاوز العطر كونه رائحة ليصبح سلطة (فتوى) تحرّك المشاعر والقرارات.
(الأصابع لا تقول لا) ممّا يؤكّد على صدق لغة الجسد المباشرة مقارنة بزيف الكلام.
ثالثًا: الوجود والتعايش مع الفراغ، حيث تحمل المجموعة رؤية وجودية قلقة، حيث يقف الشاعر دائمًا على “الحافات” أو يسعى للوصول إلى “الصفر”، وهي حالة من التجريد والخلاص من الأثقال. وهي عملية تعبير عن حالة القلق الدائم وعدم الاستقرار في يقين واحد.
(الوصول إلى الصفر) الصفر هنا ليس عدمًا، بل هو نقطة البداية الجديدة أو التحرّر المطلق.
رابعًا: اللغة وقداسة الوطن، حيث اللغة هي الكيان الذي يحفظ عمره وتجاربه، وهي ليست مجرد وسيلة تعبير بل هي الوجود ذاته. حيث تشير العناوين إلى فاعلية القداسة مثل نصّ “عمري الذي في اللغة” يشير هذا العنوان/ النصّ إلى أنّ سنوات حياته الحقيقية هي تلك التي قضاها في صياغة الكلمات.
خامسًا: ثنائية الظهور والخفاء، من خلال الانشغال بفكرة “الرؤية” حين يكون المستوى التحليلي عبارة عن مستوى فلسفي مفاده، هل نكون تحت الضوء أم نتوارى في الظلال؟
(افتح النافذة التي لا يشاهدك منها أحد أو افتح النافذة التي يراك منها الجميع كي تكون لا في النافذة ولا في المشاهدة).
تعكس هذه الديباجة الرغبة في التلاشي والاكتفاء بالذات بعيدًا عن صخب المراقبة.
سادسًا: الأنثى وخضرة الأشياء، وهو انعكاس للبيئة التي منحت الشعر والشاعرية للشاعر، حيث يستخدم عناصر الطبيعة كرموز لحالاته النفسية؛ فالأشجار تُغرس بالأسماء، والبرتقال له أبواب من الظلال.
(أشجاري التي أغرسها باسمه) حيث تتحوّل الزراعة إلى فعل حبّ وذاكرة.
وكذلك (الظلال على أبواب البرتقال) حيث الصورة الشعرية تدمج اللون والظلّ بالثمر، كدلالة على نضج التجربة ومرارتها أحيانًا.
هكذا يتّضح أنّ مجموعة/ كتاب “صيف أسمر” هي دعوة للتأمّل في نصوص سرد نثرية، حيث يشتغل عمار المسعودي على تحويل اليومي العابر إلى نصوصٍ مكثّفةٍ، تمنح المتلقّي ملاذًا شعريًّا مغايرًا. وهي مجموعة تمتلك الصفات الخالقة للمعاني مستغلّة الهاجس الذاتي ليكون فاعلًا تأويليًّا وإنتاجًا شعريًّا معوّضًا عن “حرمانات” الواقع مثلما هي امتلاء للكثير من “سعادات” الشعر.
والكتابة هنا ليست شكلًا جديدًا بمعنى “الانقلاب” على قصيدة النثر، بل هي تطوير وتعميق لجوهرها. إنّها قصيدة نثر تخلّت عن رغبتها في إثبات شعريتها عبر الموسيقى أو الصور الصادمة، واكتفت بتقديم “رؤية وجودية” بلغة ناصعة ومركّزة. إنّها كتابة تراهن على وعي المتلقّي، أكثر من رغبة قارئ، وعلى مشاركته في تأويل الفراغات والصمت، وهذا في حدّ ذاته يمثّل وجهًا حديثًا ومتجدّدًا لقصيدة النثر.