إعلان مظلوم عبدي، في دمشق، حلّ قوات سوريا الديمقراطية واندماجها الكامل في مؤسسات الدولة السورية، هو واحد من الأحداث التي تتجاوز معناها العسكري المباشر. فالمسألة ليست ببساطة نهاية تشكيل مسلح أو إعادة توزيع وحدات عسكرية، بل محاولة لإنهاء واحدة من أكثر صور الانقسام تعقيدًا التي عرفتها سوريا خلال سنوات الحرب، وفتح الطريق أمام فكرة أكثر بساطة وأشد صعوبة في الوقت نفسه: أن تكون الدولة واحدة، من دون أن يعني ذلك أن يكون المجتمع متشابهًا.
جاء الإعلان في 25 أغسطس/آب 2026، عقب لقاء بين الرئيس السوري أحمد الشرع وعبدي في قصر الشعب بدمشق، حيث جرى بحث خطوات الاندماج داخل مؤسسات الدولة. وكان عبدي قد أعلن قبل ذلك اكتمال عملية الدمج العسكري والأمني والإداري، مؤكدًا أن حقوق الأكراد ينبغي أن تُصان دستوريًا، وأن المرحلة الجديدة يجب أن تنتقل بسوريا من ساحات المعارك إلى ساحات البناء.
هذه اللغة وحدها تكشف حجم التحول. فحين يقول قائد قوة عسكرية كانت تسيطر على مساحة واسعة من شمال شرقي سوريا إن زمن السلاح انتهى وإن زمن البناء بدأ، فإن الأمر لا يتعلق بتغيير في المصطلحات، بل بإعادة تعريف للوظيفة السياسية للقوة نفسها. وحين تقبل الدولة، في المقابل، بأن يكون الاندماج مقرونًا بالاعتراف بالحقوق الثقافية واللغوية للمكون الكردي، فإنها لا تستعيد الأرض فقط، بل تحاول استعادة مفهوم الدولة باعتبارها إطارًا جامعًا لمواطنيها.
لقد كان السؤال الكردي في سوريا، لعقود، أسير مقاربة أمنية ضيقة. وكان الخطأ التاريخي هو النظر إلى الهوية الكردية باعتبارها مشكلة ينبغي احتواؤها، بدل النظر إليها باعتبارها جزءًا من الواقع الاجتماعي السوري الذي يحتاج إلى تنظيم دستوري وسياسي عادل. وفي هذا السياق، تكتسب الخطوات التي اتخذها أحمد الشرع أهمية خاصة.
ففي يناير/كانون الثاني 2026، صدر مرسوم أكد أن المواطنين السوريين الأكراد جزء أصيل من الشعب السوري، وأن هويتهم الثقافية واللغوية جزء من الهوية الوطنية السورية المتعددة والموحدة، كما دعاهم الشرع إلى المشاركة الفعالة في بناء الدولة والحفاظ على وحدتها.
قد تبدو هذه العبارات للوهلة الأولى رمزية، لكنها في الحقيقة تمثل تغييرًا في منطق العلاقة بين الدولة والمكونات. فالدولة التي تقول لمواطن إنها تحمي حقه في لغته وثقافته لا تعترف بالضرورة بتقسيم البلاد، بل تستطيع أن تفعل العكس تمامًا: أن تجعل التنوع جزءًا من الوحدة.
وهنا تكمن إحدى أهم أفكار المرحلة السورية الجديدة: الوحدة لا تحتاج إلى إلغاء الاختلاف، بل إلى تحويل الاختلاف من مصدر للصراع إلى جزء من عقد المواطنة.
أهمية دور الشرع في هذه المرحلة لا تكمن فقط في التمسك بمبدأ وحدة الأراضي السورية، وهو مبدأ بديهي في أي دولة، وإنما في الطريقة التي يجري بها الانتقال من واقع تعدد مراكز القوة إلى مؤسسات الدولة.
المرسوم الذي أصدره الرئيس أحمد الشرع أكد أن الأكراد جزء أصيل من الشعب السوري وأن هويتهم الثقافية واللغوية جزء من الهوية الوطنية الجامعة
الاتفاق الموقع بين الشرع وعبدي في مارس/آذار 2025 وضع منذ البداية مجموعة من المبادئ التي تجمع بين وحدة الدولة والحقوق. فقد نص على ضمان حقوق السوريين في التمثيل والمشاركة في الحياة السياسية ومؤسسات الدولة على أساس الكفاءة، وعلى اعتبار المجتمع الكردي مكونًا أصيلًا في الدولة وضمان حقوقه الدستورية، إلى جانب وقف إطلاق النار ودمج المؤسسات المدنية والعسكرية في شمال شرقي البلاد ضمن إدارة الدولة.
وكان مهمًا أيضًا أن يتضمن الاتفاق رفض دعوات التقسيم وخطاب الكراهية ومحاولات بث الفتنة، بما يعني أن المعادلة لم تُبنَ على انتصار طرف على آخر، وإنما على محاولة الجمع بين مبدأين كان يُنظر إليهما طويلًا باعتبارهما متناقضين: سيادة الدولة من جهة، وحقوق المكونات من جهة أخرى.
وهذه نقطة تستحق التوقف عندها.
فالدولة القوية ليست التي تجعل مواطنيها متشابهين، وإنما التي تجعل اختلافاتهم قابلة للتعايش داخل مؤسسات واحدة. وإذا كانت الدولة السورية الجديدة تريد بالفعل تجاوز إرث العقود السابقة، فإن نجاحها لن يقاس فقط بعدد المؤسسات التي تستعيدها، بل بقدرتها على جعل هذه المؤسسات مكانًا يشعر فيه السوري، كرديًا كان أم عربيًا، مسلمًا أم مسيحيًا، بأنه مواطن كامل الحقوق.
من هنا يمكن قراءة سياسة الشرع تجاه الملف الكردي باعتبارها محاولة لنقل القضية من المجال الأمني إلى المجال السياسي والدستوري. وهذا الانتقال، إذا استمر، يمكن أن يكون أكثر أهمية من مجرد دمج وحدات عسكرية، لأنه يعالج جذور المشكلة بدل الاكتفاء بنتائجها.
لكن أي اتفاق من هذا النوع يحتاج إلى شريك مستعد لاتخاذ قرارات صعبة. وهنا يأتي دور مظلوم عبدي.
فالقرار الذي أعلنه عبدي لا يمكن اختزاله في عبارة “حل قسد”. فالقوة التي قادها كانت قد أصبحت خلال سنوات الحرب واحدة من أهم القوى العسكرية والسياسية في شمال شرقي سوريا، وتمكنت من بناء مؤسسات أمنية ومدنية وإدارية خاصة بها، وحظيت بدعم دولي في سياق الحرب على تنظيم الدولة الإسلامية.
وكان بإمكان هذا الواقع أن يتحول إلى أساس دائم لازدواجية السلطة. لكن المسار الذي انتهى بإعلان حل “قسد” يتجه نحو تحويل تلك البنية من كيان مستقل إلى مكونات داخل الدولة السورية.
عبدي نفسه وصف اللحظة بأنها انتقال من ساحات المعارك إلى ساحات البناء، ومن زمن السلاح إلى زمن السلام.
وهذه ليست لغة رجل عسكري فحسب؛ إنها لغة قائد يدرك أن استمرار القوة العسكرية خارج الدولة قد يمنح جماعته نفوذًا، لكنه لا يمنح سوريا دولة.
النجاح الحقيقي للاتفاق يكمن في بناء دولة عادلة تجعل الاختلافات قابلة للتعايش داخل مؤسسات واحدة وتمنح جميع المواطنين شعورًا بالمواطنة الكاملة والحقوق الدستورية
لقد كان التحدي أمام عبدي هو أن يقنع قواعده ومجتمعه بأن الاندماج لا يعني خسارة كل شيء، وأن الاعتراف بالدولة السورية لا ينبغي أن يعني التخلي عن الحقوق الكردية. لذلك فإن ربط الاندماج بضمان الحقوق الدستورية واللغوية يمثل جوهر التسوية.
وهنا تظهر القيادة في معناها الحقيقي: أحيانًا تكون القوة في القدرة على الاحتفاظ بالسلاح، لكنها تصبح أكثر حكمة حين تظهر في القدرة على معرفة متى يجب وضعه جانبًا.
النجاح الحقيقي لهذا الاتفاق لن يكون في إعادة إنتاج دولة مركزية قديمة، وإنما في بناء دولة مختلفة.
فإذا كانت دمشق تريد استعادة مؤسساتها في شمال شرقي البلاد، فإن عليها في الوقت نفسه أن تجعل هذه المؤسسات أكثر عدلًا وانفتاحًا. وإذا كان الأكراد قد اختاروا الاندماج، فإن عليهم أن يجدوا داخل الدولة ضمانات حقيقية لحقوقهم، لا مجرد وعود سياسية مؤقتة.
وهذا هو الاختبار الأصعب.
فالاتفاق المعلن يتحدث عن دمج المؤسسات العسكرية والأمنية والمدنية، بما في ذلك قوات الأمن الداخلي، والموظفين في قطاعات التعليم والمنشآت النفطية والغازية والسدود وغيرها. وقد بدأت بالفعل خطوات عملية للانتشار الحكومي ودمج عناصر “قسد” في المؤسسات العسكرية والأمنية، مع التحاق بعض العناصر بدورات تدريبية في دمشق ومناطق أخرى.
لكن الانتقال من الاتفاق إلى الدولة يحتاج إلى أكثر من ترتيبات إدارية. يحتاج إلى الثقة.
والثقة لا تُبنى بقرار واحد. إنها تُبنى عندما يرى المواطن أن القانون يطبق على الجميع، وأن الوظيفة العامة ليست امتيازًا عرقيًا أو طائفيًا، وأن الجيش مؤسسة وطنية لا أداة لفئة، وأن الحقوق الثقافية لا تتحول إلى ورقة للمساومة السياسية.
لهذا فإن المرحلة المقبلة يجب أن تكون مرحلة تثبيت الاتفاق اجتماعيًا ودستوريًا، لا الاكتفاء بتثبيته أمنيًا.
ما الذي تكسبه سوريا؟
أول ما تكسبه سوريا هو استعادة مبدأ وحدة القرار الوطني. فوجود أكثر من قوة عسكرية ومؤسسة أمنية ومركز إداري داخل دولة واحدة كان أحد أعراض انهيار الدولة خلال سنوات الحرب. وإنهاء هذه الازدواجية يمكن أن يفتح الباب أمام بناء مؤسسات أكثر اتساقًا.
إعلان مظلوم عبدي حلّ “قسد” واندماجها في مؤسسات الدولة السورية يمثل تحولًا تاريخيًا ينهي الانقسام العسكري والإداري ويؤسس لفكرة دولة واحدة تحترم التنوع
وتكسب سوريا أيضًا فرصة اقتصادية. فدمج إدارة حقول النفط والغاز والمعابر والمطارات والمؤسسات الحيوية في منظومة الدولة يضع موارد كانت موزعة بين سلطات مختلفة داخل إطار وطني واحد.
لكن المكسب الأهم ربما يكون سياسيًا: إنهاء فكرة أن مستقبل سوريا لا يمكن أن يُبنى إلا عبر مناطق نفوذ متنافسة.
فبعد سنوات أصبحت فيها البلاد مساحة لتقاطع المصالح الدولية والإقليمية، فإن أي خطوة باتجاه إعادة توحيد القرار والمؤسسات تعني تقليص مساحة الآخرين في تحديد مستقبل سوريا.
وهنا أيضًا يتجاوز الاتفاق الداخل السوري. فاستقرار شمال شرقي سوريا ينعكس على تركيا والعراق، وعلى ملف تنظيم الدولة، وعلى أمن الحدود، وعلى مستقبل الموارد والطاقة. ولذلك فإن نجاح الاندماج يمكن أن يتحول إلى عنصر استقرار إقليمي يتجاوز حدود سوريا.
مع ذلك، فإن التفاؤل لا ينبغي أن يتحول إلى وهم بأن كل شيء انتهى.
حل “قسد” وإعلان الاندماج يمثلان لحظة سياسية كبيرة، لكن بناء المؤسسات عملية أطول بكثير. وهناك ملفات تحتاج إلى تنفيذ فعلي، ومنها استكمال دمج بعض المؤسسات المدنية، وضمان الحقوق، وتنظيم أوضاع العناصر المسلحة، وبناء الثقة بين السكان المحليين ومؤسسات الدولة. وتفيد التقارير بأن بعض المؤسسات المدنية، مثل قطاعات التعليم والشؤون المدنية والهجرة والنفوس والعقارات، كانت لا تزال في طور استكمال الدمج.
لكن قيمة اللحظة تكمن في أنها تجعل هذه الملفات قابلة للحل داخل إطار واحد بدل أن تكون جزءًا من صراع على وجود كيانين.
وهنا يمكن أن يكون الشرع وعبدي قد قدما، كل من موقعه، نموذجًا للقيادة التي تفهم أن التاريخ لا يكافئ القادة فقط عندما ينتصرون في المعارك، بل أيضًا عندما يعرفون كيف ينهونها.
سوريا الجديدة لن تكون موحدة لأنها ألغت اختلافاتها، بل لأنها وجدت أخيرًا طريقة للعيش معها داخل دولة واحدة.