تدخل العلاقة السوريّة – الإسرائيليّة مرحلة مختلفة، بعدما انتقلت الاتّصالات من رسائل غير مباشرة إلى اجتماعات تضمّ مسؤولين من الطرفين. فاجتماع وزير الخارجيّة السوريّ أسعد الشيباني برئيس الموساد رومان غوفمان في الأردن كشف أنّ التفاوض أصبح جزءاً من إدارة الصراع، لكنّه فتح سؤالاً أكبر: هل تسعى إسرائيل إلى تسوية سياسيّة مع سوريا أم إلى ترتيبات أمنيّة تمنحها حدوداً هادئة مع إبقاء التفوّق العسكريّ وحرّية الحركة؟
التمييز بين اتّفاق أمنيّ ومعاهدة سلام أساسيّ. فالاتّفاق الأمنيّ يستطيع وقف الغارات، تنظيم الانتشار قرب الحدود، وإعادة العمل باتّفاق فضّ الاشتباك لعام 1974، من دون انتقال مباشر إلى اعتراف متبادل وتطبيع كامل. أمّا السلام فيعني إنهاء حالة العداء وفتح ملفّات الحدود والجولان والعلاقات الدبلوماسيّة. وفي الظروف الحاليّة يبدو الاتّفاق الأمنيّ أقرب إلى ما تستطيع دمشق تحمّله.
ماذا تريد إسرائيل؟
تجاوزت المطالب الإسرائيليّة منع عودة إيران أو “الحزب” إلى سوريا. تشمل الخطوط الحمر التي تتحدّث عنها المؤسّسة الأمنيّة الإسرائيليّة منع تمركز عسكريّ تركيّ واسع، الحؤول دون انتشار الأسلحة الثقيلة قرب الجولان، الاعتراض على قدرات استراتيجيّة للجيش السوريّ، وربط أيّ انسحاب من المناطق التي دخلتها إسرائيل بعد 8 كانون الأول 2024 بترتيبات أمنيّة وسياسيّة أوسع.
كشفت “أزمة أبو الظهور” هذا التوسّع. فقد قصفت إسرائيل منشأة عسكريّة سوريّة لأنّها اعتقدت أنّ تركيا قد تستخدمها لاحقاً لنشر قدرات عسكريّة تحدّ من حرّية عمل سلاح الجوّ الإسرائيليّ، على الرغم من نفي دمشق وأنقرة وجود خطّة لإقامة قاعدة تركيّة دائمة. والأكثر أهميّة أنّ الملفّ التركيّ كان موضع نقاش بين الشيباني وغوفمان قبل الغارة، وهو ما يعني أنّ إسرائيل استخدمت القوّة في وقت كانت قناة الاتّصال مع دمشق مفتوحة، وبعد تلقّيها تطمينات بشأن النشاط في المطار.
تطلب إسرائيل ضمانات واسعة تتّصل بانتشار الجيش السوريّ وتسليحه وتحالفاته، فيما لا تعرض مساراً واضحاً للانسحاب من المواقع التي سيطرت عليها بعد سقوط نظام بشّار الأسد، ولا تُظهر استعداداً جدّيّاً لفتح ملفّ الجولان.
جاءت زيارة وزير الدفاع الإسرائيليّ يسرائيل كاتس للقوّات المنتشرة في جنوبيّ سوريا لتضع حدوداً أوضح لهذا الموقف. فقد أكّد أنّ إسرائيل لن تنسحب من جبل الشيخ و”المنطقة الأمنيّة” ما دامت ترى تهديدات قائمة، وربط تحرّكها العسكريّ بمنع ما وصفه بـ”محاولة تركيّة” للتمركز في سوريا. وجاءت الزيارة بعد يومين فقط من اجتماع الشيباني وغوفمان، بما يشير إلى أنّ التفاوض لم يدفع إسرائيل حتّى الآن إلى مراجعة انتشارها العسكريّ أو التخلّي عن استخدام القوّة لفرض خطوطها الحمر.
يقود مفهوم الأمن الذي تطرحه إسرائيل عمليّاً إلى سوريا أضعف عسكريّاً وأكثر تقييداً في خياراتها الدفاعيّة. وهذا يختلف عن سلام يقوم على السيادة المتبادلة وقبول دولة سوريّة مستقلّة وقادرة مقابل التزامها عدم تهديد إسرائيل. لذلك تبدو المطالب الحاليّة أقرب إلى بناء نظام أمنيّ حول سوريا منه إلى بناء علاقة سلام معها.
شرعيّة السّلام
في المقابل، يطرح مسار السلام سؤالاً سوريّاً داخليّاً أكثر حساسيّة: هل تملك الإدارة الانتقاليّة التي يقودها الرئيس أحمد الشرع شرعيّة سياسيّة كافية لاتّخاذ قرار تاريخيّ بهذا الحجم؟
من الناحية القانونيّة، يمنح الإطار الدستوريّ الانتقاليّ رئيس الجمهوريّة صلاحيّة توقيع المعاهدات، ويمنح مجلس الشعب حقّ المصادقة عليها. إلّا أنّ الشرعيّة القانونيّة تختلف عن الشرعيّة السياسيّة. البلاد ما تزال في مرحلة انتقاليّة، ومجلس الشعب نفسه تشكّل وفق ترتيبات لا تمنحه مستوى التمثيل الذي يحسم الجدل في قرار يعيد تعريف علاقة سوريا بإسرائيل لعقود.
إذاً ليست المشكلة في القدرة القانونيّة على التوقيع، وإنّما في منح معاهدة بهذا الحجم شرعيّة سياسيّة طويلة الأجل. فاتّفاق أمنيّ لمعالجة خطر عاجل ووقف الغارات يختلف عن سلام نهائيّ يتّصل بالجولان والحدود والاعتراف والتطبيع والعلاقة المستقبليّة بين الدولتين.
لهذا ستكون أيّ معاهدة سلام أكثر استدامة إذا صدرت عن مؤسّسات منتخبة ودستور دائم وإجماع وطنيّ أوسع. حتّى إسرائيل، إذا كانت تبحث عن تسوية سياسيّة تحتاج إلى اتّفاق يمتلك شرعيّة البقاء، لا توقيع يمكن الطعن في تمثيله الدستوري لاحقاً.
الأمن أوّلاً
لهذا يبدو الاتّفاق الأمنيّ المرحليّ أكثر ملاءمة لسوريا في المرحلة الحاليّة: وقف الغارات مقابل التزام سوريّ واضح لمنع استخدام الأراضي السوريّة لشنّ هجمات على إسرائيل، وانسحاب الجيش الإسرائيليّ وفق جدول زمنيّ من المواقع التي دخلها بعد 8 كانون الأوّل، وإعادة تفعيل اتّفاق عام 1974 ودور الأمم المتّحدة، وإنشاء آليّة اتّصال تمنع الاحتكاك.
يمكن الاتّفاق على ترتيبات متبادلة للأسلحة الثقيلة قرب الحدود، بشرط ألّا تتحوّل إلى قيود على إعادة بناء الجيش السوريّ أو إلى حقّ إسرائيليّ دائم في تحديد شركاء دمشق. وينبغي معالجة المخاوف المرتبطة بتركيا عبر آليّة منع احتكاك واضحة، لا عبر غارات على منشآت سوريّة كلّما رأت إسرائيل احتمالاً لوجود تركيّ.
يخدم هذا الخيار إسرائيل أيضاً، فدولة سوريّة مستقرّة تسيطر على حدودها وتمنع استخدام أراضيها ضدّ إسرائيل توفّر أمناً أكثر استدامة من الضربات المتكرّرة. أمّا استمرار السيطرة الإسرائيليّة على المواقع الجديدة، والاحتفاظ بحرّيّة القصف والتدخّل في الخيارات الدفاعيّة السوريّة، فيُفرغ الحديث عن السلام من مضمونه.
يمكن الانتقال إلى معاهدة أوسع إذا نجح الاتّفاق الأمنيّ، وبدأ الانسحاب، وتوقّفت الاعتداءات، وفُتح ملفّ الجولان بجدّيّة. عندها يصبح النقاش في السلام أكثر واقعيّة وأقلّ ارتباطاً باختلال القوّة الحاليّ.
ليست المشكلة في فكرة السلام، وإنّما في مضمونه ومن يملك شرعيّة توقيعه. تحتاج سوريا إلى استعادة السيادة على كلّ أراضيها وبناء مؤسّسات أكثر تمثيلاً، وإسرائيل تحتاج إلى إثبات أنّ ما تعرضه تسويةٌ متبادلة لا نظامٌ أمنيّ يحافظ على تفوّقها. وحتّى يتوافر هذان الشرطان، يبقى الاتّفاق الأمنيّ المتوازن أكثر واقعيّة، فيما يظلّ السلام قراراً أكبر من أن يُبنى على اختلال القوّة الحاليّ.
