تجمع بين الفلسفة والفن علاقة ثرية ومعقدة، تمتد عميقًا في تاريخ الفكر الإنساني، حيث تساءل الفلاسفة في العصور القديمة عن طبيعة الجمال، وماهية الفن، ونظروا في دور الفنون وأثرها في المجتمع والحياة الإنسانية. في المقابل، استلهم فنانون أفكارًا فلسفية عبروا عنها من خلال أعمالهم. وخاضت الفلسفة في قضايا الجماليات، والتذوق الفني، والإبداع، والتعبير، والتمثيل، والرمزية، وعلاقة الفن بالحقيقة والمعرفة والأخلاق. ثم نشأت فلسفة الفن كي تعنى في تبيان ماهية الفنّ والمعاني والمباني النظرية والفلسفية له، وطرح فلاسفة أسئلة كثيرة خلالها، وباتت كل الفنون موضوعات للتأمل الفلسفي في العصر الحديث.
يقدم كل من سيريل مورانا، وإيريك أودان، في كتابهما المشترك “الفن من أفلاطون إلى دولوز” (ترجمة شريف مبروكي، دار كنعان، دمشق، 2024)، عرضًا لأفكار وآراء اثني عشر فيلسوفًا، من عصور مختلفة، حول الفنون باشكاليتها الفلسفية والجمالية، والتي تطاول سائر مواضيعها الفنية.
تبدأ الرحلة الفلسفية في كتابهما مما طرحه كل من أفلاطون وأرسطو وأفلوطين، وتمتد إلى أطروحات دوني ديدرو، وإدمون بيرك، مرورًا بإيمانويل كانط، وفريدريك هيغل، ونيتشه، وصولًا إلى كل من برغسون، وآلان، وميرلوبونتي، لتنتهي عند جيل دولوز. ويغيب عن هذه الرحلة فلاسفة آخرون اهتموا بالفن، وفلاسفة قدموا مساهمات هامة، من أمثال شوبنهاور، وهايدغر، على وجه الخصوص.
في اليونان القديمة، اهتم الفلاسفة ما قبل سقراط بالمبادئ الأولية للطبيعة، ولم يتساءل أحدهم عن الجمال في ذاته. وكان أفلاطون أول فيلسوف جعل من الاستيتيقا (علم الجمال) موضوعًا لتحقيق مخصوص، وناقش الفن من منظور نظرية المُثُل، عادًا إياه محاكاة للواقع الذي هو بدوره محاكاة للعالم المثالي، ليقف بذلك ضد النزعة الواهمة للفن في عصره. وبالتالي، كان ينظر إلى الفن على أنه بعيد عن الحقيقة. وطالب بالابتعاد عن المظاهر، والنظر إلى الواقع الحقيقي من خلال الروح، وعبر الحقائق المعقولة، والماهيات، والأفكار، لذلك ربط الجمال بالمتع المُنزَّهة والأكثر روحانية لحواس الإنسان.
وقد دان أفلاطون الفن من جهة معارضته للفن الذي يمثل المظاهر الحسية، وأعلى من شأن الفن المثالي الذي يمثل الحقائق الروحية التي تتمتع بشكل من الوجود يفوق وجود أشياء العالم. ودعا إلى الانفصال عن الجمال الحسي من أجل بلوغ الجمال الحقيقي الذي يلهم الحب أكثر، ويثير الفكر، بعيدًا عن خلق الوهم والقدرة على منح المظاهر حضورًا يمكن من خلاله الخلط بينه وبين الأشياء نفسها. أما أرسطو، فقد رأى أن الفن وسيلة للتطهير العاطفي، وشكلًا من أشكال المعرفة. وأكد على قيمة المحاكاة الفنية كوسيلة لفهم الطبيعة البشرية والعالم.
ترى نظرية المحاكاة أن الفن محاكاة، أو تقليد للواقع. وقد دافع عنها أفلاطون وأرسطو، رغم اختلافهما في تقييم قيمة هذه المحاكاة. فالمحاكاة بالنسبة إلى أرسطو ليست مجرد نسخة، لأن الفن لا يعيد إنتاج الطبيعة كما هي بأمانة، بل يهدف إلى إكمال ما عجزت الطبيعة عن تحقيقه، بمعنى أن الفن ينجز ما اعتور الطبيعة من نقائص. ويستحضر أرسطو الفن بمعناه العام الذي هو في المقام الأول مَلَكَة الإنتاج، وخلق الأعمال التي لا يكمن مبدؤها في ذاتها، بل في الشخص الذي ينتجها، أي الفنّان، ولا سيما أنه ينظر إلى الفن بوصفه نظامًا خاصًا بالإنسان يستلزم العقل والتفكير والتأمّل، من أجل الارتقاء بالمتفرّج وتنميته أخلاقيًا وفكريًا، ولذلك فإن الفن، وإن حاكى الطبيعة، فإنه لا يعني إعادة إنتاجها لمضاعفة الواقع. ويشدد أرسطو على فكرة التطهير من خلال الفن الذي يمكن أن يكون فرصة للتخلّص من النفس المضطربة، وإزالة الخوف والشفقة من روح المشاهد، وتهدئته من خلال إثارة المتعة لديه.
استلهم أفلوطين فلسفة أفلاطون، واستند في الوقت نفسه إلى أفكار الفلسفة اليونانية القديمة، بدءًا من أرسطو، وصولًا إلى الرواقيين. وقدم رؤية متجددة للأفلاطونية رأى فيها أن الأسمى ليس المعقول، ولكنه في حدّ ذاته تجلّ للمبدأ الأول للعلاقة بين الجمال المحسوس والجمال المعقول، حيث أن تجلي الجميل هو المهمة الأعظم للفن، وأن هنالك شيئًا غير ظاهر في الجمال الحسي، بالنظر إلى أن ملذات الجسد قبيحة، وتقيّد النفس بالفساد الناتج عن تجسّدها، لذلك فإنه يمكن للأعمال الفنّية أن تقدّم لنا جمالًا أنقى من الجمال الطبيعي، وهو ما يشكّل خطوة في رحلة النفس نحو التطهير. وكان أفلوطين أول فيلسوف يفكّر في الفنّ من منظور الرؤيا، أو الوحي، ومنحه كرامة فلسفية، إن لم تكن دينية أيضًا.
مع الوصول إلى الفيلسوف الفرنسي دوني ديدرو، يمتد الحديث عن أصل الفن واستخدامه، بوصفه شاهدًا على حضارة معينة، فضلًا عن أنه يرضي الحياة اليومية للناس ويعززها، ويعبر عما لا يوصف أحيانًا. وقد تردد أن ديدرو هو من اخترع النقد الفني، بالرغم من أن هنالك آخرين سبقوه في هذا المجال، لكنه أيضًا كان من أوائل نقاد الفن الفرنسي. وكانت معركته الأولى هي معركة التنوير، إذ على الفن أن يلعب دورًا في تنوير الناس، ويكف عن كونه حكرًا على الأقلية، ويجب تقديمه للجميع. وعلى الرسام أن يترك المحترف الخاص، ويتخلى عن عارضاته العاريات، ويخرج للقاء الناس إذا أراد التعبير عن حقيقة الأشياء. أما الفيلسوف الأيرلندي إدمون بيرك، فقد اعتقد أنّ الجمال ينتج عن التناغم الذي يرضي العقل، ولم ير في الأفكار الرياضية مقاييس حقيقية للجمال، لأن الفن ليس مسألة مواءمة، بل إن سبب الجمال هو التكيّف الكامل لعنصر ما مع غايته، وهو الجمال بذاته. وبالنسبة إليه، فإن الجمال هو السبب الرئيسي للحب، إضافة إلى أنه يوصل إلى مفهوم الجليل، حتى وإن كان عن طريق الرعب والخطر.
يرى مؤلفا الكتاب أن الفيلسوف الألماني كانط رأى أن الجمال الفني يحضع للجمال الطبيعي، وأن الحكم على جمال الشيء لا يتعلق بملكة الفهم، لأن الحكم على جمال الشيء يتم بناء على الشعور بالمتعة، أو الاستياء الذي تلهمنا إياه ملكة الفهم، وبالتالي فإن حكم الذوق ليس حكمًا منطقيًا، بل جماليًا. كما أن الرضى الذي يشعر به الإنسان، أو لا يشعر به، هو مقياس الحكم الذوقي، على أن يكون ذاك الرضى منزَّهًا عن الغرض. وعليه، فإن الانجذاب في حد ذاته غريب عن الشكل الجميل، ويمكن أن يساعد في إثارة اهتمام الروح الخشنة وغير المهذّبة، لكنه لا يمكن أن يكون مبدأ لتقدير الجمال.
ميّز كانط بين الجميل الذي يوفّر متعة منزّهة عن الغرض، والملائم الذي يهتم دائمًا بالوجود الحقيقي لموضوع المتعة، وقد حلّ بذلك مسألة النسبية الجمالية، حيث يكمن الجمال الفنّي ليس في الكمال، ولا المنفعة، ولا الخير، بل كل ما يجعل الناس ينسون أنه ناجم عن قواعد الفن، وإعطاء الشعور نفسه بالجمال الحرّ الذي توفّره الطبيعة، وذلك على الرغم من أن فكرة أن لكلّ إنسان ذوقه تدمرّ فكرة الحكم الجمالي. وقد انتقد الفيلسوف الألماني هيغل أفكار كانط، ورأى أنه إذا كان الجمال الطبيعي موجودًا، فإنّ الجمال بالمعنى الدقيق للكلمة لا يمكن أن يكون إلا فنّيًا، وأن التقليل من قيمة الجمال الفني الذي ينتهي إليه عمل كانط لا ينجم إلا عن احتقار أساسي لطبيعة الجميل، وينمّ عن جهل بحقيقة أن كل جمال هو بالضرورة من إنتاج الروح. أما الفيلسوف نيتشه فقد كانت له فلسفته الخاصة حول الفن، ورأى فيها أن “لدينا الفنّ كي لا نموت من الحقيقة”، ثم وجد في الوهم الفنّي فضيلة أفضل من الحقيقة، ولم ينظر إلى الفنّ كقوة خادعة، بل كقوة إيجابية للحياة. ورأى نيتشه أن الفن خلاص لمن يعرف، حيث إن الشغف بالمعرفة الذي يستجيب له تقدّم العلم الحديث ووعوده، لن يؤدّي إلا إلى تأجيج العدمية إذا لم يقدم الفن ترياقًا، فالفن يولد مثل ترياق للمعرفة، وبالتالي، فإن الحياة ممكنة فقط بفضل الأوهام التي يمنحها الفن، ولا يدعو الفن الناس إلى الهروب من الواقع، بل إلى تعظيمه.
بالانتقال إلى أطروحات الفيلسوف الفرنسي برغسون، فإن أطروحته ترى أنّ الفنّانين يرون ما لا يراه الآخرون، وأعمالهم تجعل هؤلاء يرونه، وينتزع الفن الناس من هذه العلاقة المنغمسة بالأشياء ومن أنفسهم، ليعلّمهم علاقة أخرى مع الواقع، مقدودة من التأمّل المُنزَّه عن الغرض. أما الخيال فهو نقيض للإبداع، ويجسد فوضى في الجسد، وخطأ في الذهن، ويغذّي أحدهما الآخر. ولا يتخيّل الفنان عمله بل ينجزه، لأن الصورة لا تسبق عمله، بل المنتج هو الذي يصنع صورة.
من جهته، نظر ميرلوبونتي إلى الفنّ باعتباره بحثًا عن الواقع الحقيقي، حيث يلعب الفنان دور الوسيلة التي تقرب الناس من الواقع، وهدفه الأساسي إعادة تعليمهم الرؤية، باعتبار الرؤية تمثل إسقاط الذات نحو العالم، مع أنه لا وجود للعالم من دون الناس، ومن دون رؤيتهم.
تنتهي رحلة الكتاب عند الفيلسوف الفرنسي جيل دولوز، الذي انخرط في معالجته لفلسفة الفن من أجل تجاوز منطق التمثيل، الذي هيمن على تاريخ الفكر البشري بفعل التوجه المنطقي الذي تشكل بفعل الفلسفة السقراطية والأرسطية. وتناول دولوز الفن كاستئناف للمنعطف الإستيطيقي للفلسفة الذي أرسى دعائمه نيتشه، بالاستناد إلى منظور جديد للفكر يلغي التراتبية والتفاضلية التي قامت في تاريخ الفلسفة بين الفن والفلسفة، أو بين المفهوم والإحساس. وقد رأى أن الفكر ليس حكرًا على الفلسفة، لأن الفنون تُفكِر. فالرسّام يمتلك أفكارًا لا تقلّ عن أفكار الفيلسوف، لكنها ليست النوع نفسه من الأفكار.