“ليس في استطاعة أحد أن يسلب أحدًا حريته، قبل أن يسلبه روحه” [أحمد لطفي السيد]
تقديم
لا يستطيع أحد أن ينكر حاجة المجتمعات العربية إلى الحرية والتحرر، مظاهر عديدة في الثقافة والمجتمع، تدعو إلى مواصلة الجهود العملية والنظرية من أجل ذلك، رغم أننا لا نستطيع إنكار أهمية التصورات والحركات، التي رُكِّبت في الفكر وفي المجتمعات العربية، طيلة عقود القرن الماضي، من أجل المطالبة بالحرية والاستقلال والنهضة.
يقف المهتمون بتاريخ الفكر العربي المعاصر، أمام أدبيات عديدة تغنّى فيها الكتّاب والمصلحون والمبدعون العرب بالحرية، في كثير من صورها وأبعادها، وقد تبلورت في قلب التحولات التي حصلت داخل المجتمعات العربية، أنماط من الدعاوى التحررية، الهادفة إلى إنجاز ما يمكن أن يساهم في كسر صور الاستبداد السياسي والتحجر الثقافي، المقيّدة لمختلف التطلعات الرامية إلى بناء مجتمعات عربية جديدة، يحصل فيها تجاوز هيمنة التقليد وسطوته.
نتجه في هذه المقالة للتأكيد على أهمية مواصلة التفكير في الحرية، بحكم أن واقع الحال في مجتمعاتنا يدعو إلى ذلك، ونحن ما نزال في أمسّ الحاجة إلى الحرية ومآثرها، باعتبار أنها تشكّل الأرضية الضرورية، المرتبطة بمختلف مشاريع الإصلاح وفي مختلف الميادين. وقبل توضيح هذه المسألة، لنقترب أولًا، من بعض صور حضور جوانب من هذه الأدبيات في الثقافة العربية المعاصرة. وقد اخترنا التوقف قصد التمثيل على ما نحن بصدده، أمام نصّين يمثلان عيّنة نموذجية، لكيفيات تمظهر أدبيات الحرية في أبعادها السياسية في دائرة الفكر العربي المعاصر.
لا يتعلق الأمر هنا، بمحاولة في التأريخ لأدبيات الحرية في فكر النهضة العربية، بل إننا نقترب من عيّنة من النصوص، تبرز فيها أهم سمات خطاب الحرية في الكتابة العربية المعاصرة، وقد وقع اختيارنا على نصين، يعبر كل منهما عن توجه عام في الفكر السياسي العربي، يرتبط بصاحبه، وبالزمن الذي تبلور فيه، ويلتقي بنصوص أخرى تماثله لكتّاب آخرين من جيله، أو من أجيال أخرى سابقة عليه أو جاءت بعده. نصان يرتبطان بأدبيات الحرية والتحرر، وينسجان شبكة من التفاعل مع أسئلة وشعارات الزمن التاريخي المؤطّر لهما.
اخترت نصوص أحمد لطفي السيد (1872-1963) في “الحرية والحريات”، وهي نصوص مجموعة في مجلدي “المنتخبات” من أعماله، وقد صدر الأول منها، سنة 1937 والثاني سنة 1946، ونصوص أخرى نعثر عليها في مصنف “تأملات في الفلسفة والآداب والسياسة والاجتماع” (1946). كما نجد مجموعة منها في كتاب “مشكلة الحريات في العالم العربي” (1959)، وتعكس هذه النصوص بعض أوجُه تطلعات النخبة المصرية للإصلاح السياسي، في مطالع القرن العشرين وإلى حدود منتصفه، كما اخترت نص “باب الحرية، انبثاق الوجود بالفعل” لناصيف نصار الصادر سنة 2003، وهو يعبر عن أفق جديد في النظر إلى الحرية في الواقع العربي اليوم، أفق يستفيد فيه من جهود أدبيات النهضة، ويتجاوزها متطلعًا إلى تركيب أفق في الفكر، يحصل فيه التفاعل المطلوب، مع مقتضيات التفكير في الحرية اليوم.
لهذا الاختيار مبررات نسلم بها، ونساهم في عملية بنائها، ذلك أننا نعتقد أن صفاء النبرة الإصلاحية، في نصوص معلّم الأجيال ومؤسس الجامعة المصرية أحمد لطفي السيد، جعل خطابه في الحرية يتجاوز أدبيات خطابات الحرية، كما تبلورت في كتابات القرن التاسع عشر الإصلاحية، أدبيات الطهطاوي (1801-1874) وخير الدين التونسي (1822-1889)، وهي أدبيات ترتبط بلغة الحرية كما تبلورت في الفكر السياسي الحديث، كما ترتبط بأسئلة وتطلّعات الحركة الوطنية المصرية والعربية، كما نشأت وتطورت طيلة النصف الأول من القرن العشرين، وضمن شروط ونمط عيش المجتمع المصري في الفترة نفسها، وهي تعكس كثيرًا من أوجه ومشاريع عمل النخبة السياسية المصرية.
| نجد في نصوص أحمد لطفي السيد عن الحرية، وفي صور دفاعه عن أهميتها، إقرارًا بأهمية المنظومة السياسية الليبرالية، ودورها في عقلنة المجتمع ومؤسساته |
أولًا: أحمد لطفي السيد يتغنى بالحرية
1 – نجد في نصوص أحمد لطفي السيد عن الحرية، وفي صور دفاعه عن أهميتها، إقرارًا بأهمية المنظومة السياسية الليبرالية، ودورها في عقلنة المجتمع ومؤسساته، كما نجد سعيًا يروم مطابقة الحرية بالحياة. وهو يخصص مجموعة من مقالاته في الحرية والحريات، لتشخيص مظاهر اليأس السائدة في أحوال عصره، سواء في المستوى السياسي أو في المستوى الاقتصادي. ويقدّم بدائلها في دعوته إلى الحريات، أي في دعوته إلى الليبرالية التي ترد في نصوصه بعبارة “مذهب الحريين” أو “الليبراليزم”.
إذا كانت الليبرالية في أصولها ونصوصها الأولى، في الفلسفة السياسية الحديثة، تقدم رؤية محددة للإنسان والمعرفة والمجتمع، فقد عمل أحمد لطفي السيد على ترجمة جوانب من هذه الرؤية في نصوصه، بهدف رسم معالم الطريق الإصلاحي الأقرب في نظره، إلى تحقيق النهضة المصرية والعربية. ونكتشف في مقالاته أننا أمام نصوص تعلن بوضوح تام، عدم جدوى مواقف المواءمة التي تبلورت في أعمال الشيخ محمد عبده (1849-1905) وجمال الدين الأفغاني (1838-1897)، ذلك أنه لا يمكن إصلاح حالة اليأس السائدة في مختلف الأوضاع العربية، إلا بالتعلم المباشر من أوروبا، ومن مشاريعها التاريخية في النهوض والترقي.
لا ينخرط أحمد لطفي السيد في عملية التأسيس النظري لمبادئه ومفاهيمه، قدر ما تتجه نصوصه في الحرية لبناء خيار سياسي مُحدّد، إنه يتجه إلى الإقرار المباشر، بأهمية الحرية في معالجة مظاهر اليأس السائدة في مجتمع مثل مجتمعه، مجتمع متأخر ومحتل. كما أنه لا يتردد في إسناد خياره بجملة من المعطيات الأخلاقية، محاولًا مواجهة مأزق الصراع السياسي الدائر في وطنه، زمن انخراطه في الإصلاح، خلال الحرب العالمية الأولى وما تلاها، أي طيلة عقود مقاومة الاستعمار البريطاني.
لم يكن أحمد لطفي السيد مجرد كاتب ملتزم بتحرير مقالات أسبوعية في الجرائد، التي أنشأها أو التي كان ملتزمًا بالكتابة فيها، بل إنه انخرط كذلك، في مجال العمل السياسي الوطني، لمقاومة الاستعمار ومغالبة مظاهر التأخر في بلاده، ولهذا تمتعت نصوصه بقوة نظرية وبُعد عملي، متصلٍ بمعاركه السياسية في الواقع، حيث كانت تختزن نصوصه كثيرًا من المعطيات السياسية العينية، التي تشخّص مظاهر اليأس السائد في مجتمعه.
يحيل مجموع النصوص التي كتبها أحمد لطفي السيد في موضوع الحرية، إلى جوانب عديدة في المنظومة السياسية الليبرالية، ولأنه خاض كثيرًا من المعارك السياسية، باعتباره أحد الفاعلين في تيارات الحركة الوطنية وحركات الاستقلال في مجتمعه، فإنه لم يكن معنيًا بالتأصيل النظري، قَدْر انخراطه في الدعوة إلى التحرر والحرية، وظل مسعاه مرتبطًا بأفق مُحدد في الإصلاح السياسي. ولا شك في كونه كان يعتبر أن القواعد النظرية الكبرى في المنظومة الليبرالية، مؤسسة فعلًا ويدعو إلى ضرورة الاستفادة من مختلف المكاسب النظرية والتاريخية، التي تبلورت في إطارها، وضمن هذا السياق، يُفْهَم الموقف الذي بلور العروي في “الإيديولوجيا العربية المعاصر” (1967)، عندما اعتبر في نمذجته الثلاثية لمثقفي النهضة العربية أن أحمد لطفي السيد يمثل الداعية السياسي الليبرالي، مقابل تمثيل الشيخ محمد عبده للخيار السلفي وتمثيل سلامة موسى للنزعة الوضعية.
كان أحمد لطفي السيد يؤمن بأن المعارك القائمة في المجتمع المصري، تتمثل في مواجهة الاستعباد والاستغلال والاستعمار، وأنها ترتبط بمطلب الحرية. وقد اتجه في مقالاته عن الحرية، إلى تقديم تشخيصات تُعْنَى برصد مختلف مظاهر غيابها في المجتمع المصري، في القضاء وفي الصحافة وفي المجتمع وفي التشريع، وقدّمت معطياته في التشخيص، ما كان يعتبر بلغته حالة يأس أخلاقية واقتصادية وسياسية.
2 – لا يقترب أحمد لطفي السيد وهو يقوم بتشخيص صور غياب الحرية في مجتمعه، مما يمكن أن يعتبر غلوًا أو تشددًا، ذلك أنه كان يعتبر أن الحرية هي مناط التكليف والمسؤولية. وقد التقى في عمليات دفاعه عن الحرية والليبرالية مع جهود كتّاب آخرين، جهود فرح أنطون (1874-1922)، وسلامة موسى (1887-1958)، وإسماعيل مظهر (1881-1962)، وعلي عبد الرازق (1883-1966)، وطه حسين (1889-1973)… يستحضر مقدمات المعتقد السياسي الليبرالي من دون عناية بسؤال إمكان الليبرالية في مجتمع خاضع للاحتلال، وتؤطر مواقفه وأعماله، مرجعية فكرية تتجه لكسر سقف التقليد الموروث من أزمنة بعيدة.
انخرط أحمد لطفي السيد في تأسيس الجامعة المصرية، لتشكّل فضاء بناء المعرفة والرأي، المساعد على بناء الفكر الجديد، الداعم لمشروعه السياسي، وأنجز ترجمة لبعض أمهات كتب الفلسفة الإغريقية لأرسطو في “السياسة والأخلاق”، وهو ما يمكن أن ندرجه ضمن أعماله في التنوير، وفي الانفتاح على المكاسب النظرية الكبرى في تاريخ الفكر. وقد كان فرح أنطون بدوره وهو ينشئ قبله منبر الجامعة سنة 1897، معنيًا بغرس قيم الأنوار في فكرنا المعاصر، كما كان سلامة موسى يتجه في المجلة الجديدة التي أنشأ سنة 1929، إلى تحرير مقالات يتوخّى من ورائها، توسيع دائرة الاهتمام بالعلم، لمحاصرة القيم المعرفية والأخلاقية المتصلة بمعارف عصورنا الوسطى، حيث ساهمت جهوده الوضعية بطريقة غير مباشرة في تعزيز جبهة الليبرالية السياسية. لا نقرأ في نصوص من ذكرنا من مثقفي النهضة العربية، معطيات في الأصول النظرية للمجالين المعرفي والسياسي، قدر ما نقف على جملة من التطلعات والشعارات التي تستوعب بطريقتها الخاصة، جوانب من الروح النقدية لفكر الأنوار.
ننظر إلى عناية أحمد لطفي السيد بالحرية، باعتبار أنها ترسم تطلعات جيل من الكتّاب، إنها نصوص تحمل اسمه، وترسم تطلعات عصر كامل بمختلف أجياله، وهي تمثل العنوان الأبرز في الليبرالية العربية برومانسيتها وصفاء عبارتها، وهي تمثل الصورة النموذجية لخطاب سياسي في الدعوة للحريات بمختلف أشكالها، خطاب يضع مبدأ النجاعة في العمل فوق كل اعتبار، وذلك رغم الحواجز والموانع التاريخية، التي كانت تحول دون انتشاره على أوسع نطاق. وشكّلت مواكبة كتاباته وكتابات الكتّاب من مجايليه في مصر وفي الشام على وجه الخصوص، ما يمكن اعتباره عوامل داعمة لخياراته وبرامجه في الإصلاح السياسي.
يمكننا أن نفسّر المحدودية النظرية والتاريخية لآثار أحمد لطفي السيد وآثار الكتّاب من جيله، بسيادة سقف في النظر السياسي معادٍ للعقل وللتاريخ، كما يمكن أن نفسرها بالصعوبات التي واجهت إدراك واستيعاب النخب العربية للمذهب السياسي الليبرالي في صيرورته المركبة. وإذا كنا نعرف أن هذا المذهب، قد تشكّل وتطوّر خلال مساحة زمنية تفوق ثلاثة قرون، حيث تبلورت أسسه ومبادئه في تفاعل مع إيقاع معين في التاريخ، متصل بثورات في المعرفة والمجتمع وتغيّر في الذهنيات، أدركنا التحديات التي كانت تواجه دعاة الحرية في ثقافتنا، لحظات سعيهم إلى بناء ما يدعم التغيير السياسي، الذي كانوا يتطلعون إليه.
***
مثلت ليبرالية أحمد لطفي السيد العنوان الأكبر في المشروع الليبرالي العربي، وشكّلت نصوصها صورة نموذجية لخطاب سياسي يروم الدفاع عن الحرية في مختلف أشكالها، خطاب يضع مبدأ النجاعة في العمل فوق كل اعتبار آخر، وذلك رغم كل الموانع والصعوبات التاريخية، التي كانت تحول دون انتشاره. ومن الأمور التي عملت على محاصرة دعاة الحرية والتنوير في الثقافة العربية، نجد المواقف الجذرية للفكر السلفي، ومواقف بعض التيارات القومية والاشتراكية. ولأن تجربة الأنظمة العربية الاشتراكية والأنظمة القومية، لم تنجح في بلوغ مراميها في الإصلاح، بعد أن أوقفت إمكانية غرس قواعد الأفق الليبرالي والتحديث السياسي في البلدان العربية، فإن فشل مشاريع الوحدة والتنمية وهزيمة 1967، أعادت سؤال الحرية والنهضة إلى واجهة الفكر والمجتمع.
نقف في الربع الأخير من القرن الماضي، على عودة جديدة لأفق الحرية وأسئلتها في فكرنا، وهي عودة لا تكتفي بالمماثلة التي بلورت أعمال أحمد لطفي السيد وجيل كتّاب النصف الأول من القرن العشرين، بل إن جهود مثقفي الجيل الجديد من العرب، حاولت تركيب أسئلة الحرية بطريقة أخرى، ونستطيع أن نكشف في أعمال عبد الله العروي وعلي أومليل ومحمد أركون ومحمد عابد الجابري وهشام جعيط وفهمي جدعان وناصيف نصار، معطيات نظرية جديدة، ترتبط بإرادة في التأصيل الفلسفي لأسئلة الحرية ومشروع الحداثة السياسية في فكرنا المعاصر.
(يتبع)