ليس من قبيل المجاز أن نطلق على نجيب محفوظ وعالمه وصف المؤسسة، فإن لهذا الوصف من الركائز ما يجعله حقيقة شاخصة بما صدر عن محفوظ من إبداع، وبما استتبع هذا الإبداع من إبداع متجدد من نقاد أو مبدعين في حقول أخرى. والأرجح أن ليس هناك بين أدباء العربية في العصر الحديث من ينطبق عليه هذا الوصف بأكثر من نجيب محفوظ.
ويمكن أن نتوقف قليلًا عند النماذج البشرية التي تناسلت عن شخوص محفوظ الأصلية، فإن فكرة النموذج البشري صاغها فنًا خالصًا مسايرًا لثقافة كل مرحلة، ولكل فئة عمرية، أو مهنة، أو حتى خصوصية سيكولوجية مكثفة، أو وضع اجتماعي، أو جندري، أو غير ذلك. من جانب آخر، فإن إسهام محفوظ له النصيب الأكبر في جعل الرواية ديوان العرب الجديد، وفي جعلنا نعيش في زمن الرواية أو زمن السرد كما تدارك المفهوم أستاذنا المرحوم جابر عصفور. وهذه حقيقة ما كانت لتحضر من دون نجيب محفوظ وجهوده خلال ثلاثة أرباع قرن.
لقد قيل الكثير وقيل القليل عن الأسس التي تم الاستناد إليها في القول إننا نعيش في زمن السرد، قيل مثلًا إن السرد هو الفن الأقدر على حشد المعارف وكل ما وصلت إليه المدارك البشرية في منظومة تستوعب الحياة الإنسانية بما لا تستطيعه منظومة فنية أو أدبية أخرى، وقيل إن الإنسان المعاصر وجد ضالته في التعبير عن نفسه بهذا اللون من الأداء اللغوي، وقيل الكثير حول انفتاح السرد على الفنون الأخرى كفن درامي هو الأقدر لا على محاكاة الحياة فحسب، بل على خلق عالم يوازي بصورة أو بأخرى حياتنا المعيشة ولكن بمنطق خاص هو الأكمل وربما الأصدق والأكثر تنظيمًا، والمؤكد أنه الأجمل. كل هذا صحيح، ولكن هذه العوامل – على الأرجح – لم تكن الوحيدة، وليس بينها العامل الأهم في نقل السرد من موقعه على هامش الديوان إلى صدارته: هذا العامل هو الفن السينمائي. فالسينما، بكلمة مباشرة، هي التي أضفت على هذا الزمن (صفة السرد) فنُسب الزمن إليه، ولولا الفن السينمائي ما كان السرد ليحظى بمثل هذه الأهمية، ولنتصور ولو للحظة مكانة السرد العربي من دون السينما المصرية، هل سيكون واسطة عقد الثقافة العربية؟
ودعونا نتقدم قليلًا إلى أمام خطوة أخرى، ماذا عن حال الرواية العربية من دون نجيب محفوظ، وبخطوة أخرى نتساءل: ماذا عن حال أعمال محفوظ من دون الفن السينمائي؟
نجيب محفوظ والسيناريو
من المعروف أن نجيب محفوظ قد انشغل بالسينما إبداعًا وإدارةً، وكثيرة هي القصص التي تواترت حول علاقته بهذا الفن، بيد أن الإجماع انعقد على أن فن السيناريو كان الباب الأول والأوسع الذي ولج محفوظ من خلاله إلى هذا العالم.
ولقد برع في السيناريو بمستوى لم يبلغه روائي عربي آخر، ومن دون أن نتورط كثيرًا في الأسباب والدوافع، فإن السيناريو جهد هندسي وبنائي ومعماري في المقام الأول، والملاحظ أن روايات نجيب محفوظ الأولى، ومنذ روايات ما أطلق عليها مجاوزة الرواية التاريخية، محكمة البناء دقيقة التفصيلات، بل لعله كان يصنع (ولا أقول يتصنع) كما يصنع المهندسون ويصممون مشروعاتهم على الورق، طبقًا لما صرح به مرارًا وتكرارًا، ويتخذ من كراسة خاصة يقيم على أوراقها البناء ويحدد الشخوص ويرسم معالمها، ويوزع الأدوار، ويخط المسارات، ويضع عليها العلامات والشواخص، ومن ثم فإنه كان يشيد البناية قبل أن ينجز الحكاية. وقد تأخذ هذه الاستعدادات لكتابة عمل ما بضعة أشهر، وربما عامًا وأكثر. (وهذا على خلاف عادة يوسف إدريس الذي صرّح مرارًا بأنه يبني العمل القصصي أثناء زمن كتابته وبدون تصميم مسبق، لدرجة أنه إذا ما اضطر إلى قطع عملية الكتابة لسبب من الأسباب، فإنه لا يستطيع استئناف عملية التأليف من حيث توقف، بل إنه حين يعود يكتب قصة جديدة).
معنى هذا أن التصميم الفني المحكم الذي ينجزه نجيب محفوظ للخطاب الروائي فحسب يمكن أن يؤسّس بكثير من الركائز لسيناريو يستند إلى هندسة البناء الروائي، ولعل هذا يفسر إلى حد كبير البنية الأقرب للسيناريو السينمائي التي جاءت بها رواية “اللص والكلاب”، إذ صدرت في وقت نضجت فيه تجربة محفوظ مع السيناريو، وبدا للعيان أنه أصبح في مقدمة معدّي هذا الشكل الفني.
المشهدية
وقد لا يكون من قبيل المجازفة القول إن نجيب محفوظ منذ بداية عهده بالتأليف الروائي كان يكتب وعينه على السينما؛ وهو ما تكشف عنه النمطية الصارمة في التشكيل الفني، ولا سيما في أعمال من مثل “عبث الأقدار” و”رادوبيس” و”القاهرة الجديدة”. أما “كفاح طيبة” فإنها بهندستها الصارمة حملت عنصرًا مهمًا من عناصر الفن السابع، هو المشهدية التي لا يمكن تمثل مفردات المشهد المكثفة وحركاته المتسارعة بدون تنشيط استثنائي للتزامن في الحواس، ولا سيما التزامن بين حاستي السمع والبصر في ملاحقة مشاهد المعارك بين الجيش المصري بقيادة أحمس وجيش الهكسوس. صحيح أنها مشهدية على ورق، ولكنها تصلح مقطعًا من سيناريو يمكن للمقطع أن يحاكي، لو قيض له التصوير، مشهديات شاهدناها في أعمال عالمية من مثل “الوصايا العشر” و”بن حور” و”الرداء” و”كوفاديس” وغيرها. وهذا جانب إنتاجي، ربما كان دونه إمكانات السينما العربية.
منذ أكثر من سبعين عامًا، تكهن “ألبيريس” بأن فنًا هجينًا سينمائيًّا – روائيًّا – يمكن أن ينتشر خلال فترة قصيرة، ليس على نظام للصور يقوم على سلسلة منطقية مترابطة، بل على أساس سلسلة “مهلوسة” تحاول بالصورة أن تؤدي عمل الكلمة، أو تنجز بها أثر الصورة.
وواقع الأمر أن كلًا من الفنين (الفيلم والرواية) يقوم في الأساس على التقنية نفسها: السرد، ويتوخى الغاية نفسها، التمثيل، بما يستتبع ذلك من “تلاعب” في الزمان والمكان والإنسان والأشياء سواء باللغة أو بوسائل التعبير الأخرى، وأبرزها: الصورة.
وزاد من أهمية العلاقة بين الفنين ما نوّه عنه “جينيت” من ضرورة التفريق بين السرد من جهة، والعرض من جهة أخرى. في العرض ينحسر دور الراوي لمصلحة مكونات أخرى من قبيل الحوار، والإكسسوارات، والتنقل بين المشاهد، وغير ذلك من الصيغ التي تتكئ عليها بالأساس فنون الدراما المختلفة، ولا سيما تلك التي تخاطب المتلقي بالصوت والصورة.
ومع أن هذه الظاهرة حضرت بقوة في أعمال نجيب محفوظ – وغيرها – في الفترة التي أعقبت امتهانه فن السيناريو، فإنها، أي ظاهرة التعبير بالوسائل السينمائية، اكتسبت زخمًا فيما نشهده اليوم من اكتساح ثقافة الصورة لثقافة الكلمة في عصر ثورة تكنولوجيا المعلومات؛ فبدأنا نطّلع على أعمال روائية بشكل أقرب إلى “السيناريو” منه إلى ما ألفناه في “الشكل الجوهري” للرواية، ولعلّ هذا أن يقودنا إلى محاولة إجمال التقنيات التي أخذ العديد من الروائيين باتباعها مستفيدين من أدوات التعبير السينمائي. على أن نطاق الجهود النقدية المقارنة من زاوية النقد الأدبي (وليس السينمائي) ظل في حدود معينة. وقد أشير آنفًا إلى مجال واسع أمام الدراسات النقدية المقارنة بين البناء الروائي وتصميم السيناريو السينمائي، لا سيما أن العديد من أعمال نجيب محفوظ في المرحلة التعبيرية بخاصة تتخذ أشكالًا أقرب إلى السيناريو، كما أشير إلى ظاهرة اهتمام محفوظ بالعناصر السمعية والبصرية والتزامن بينهما، مما ينجز مشهديات لعل الكاميرا أنجع في تشخيصها من الكلمة. على أن ثمة عنصرين قد يكونان الأهم أمام الدراسات النقدية المقارنة والمنشودة في أعمال نجيب محفوظ، وهما السرد بالأشياء والإكسسوارات، أو بالديكورات.
تقنية اللقطات بين القريب Close shot أو المتوسط Medium shot أو البعيد Long shot، تعادل في الرواية تقنية التبطيء للتفصيلات أو للحظة الزمنية الناشطة، والتسريع للزمن الخامل.
المونتاج، أي التقطيع بين المشاهد سينمائيًّا، هنا يقوم المونتاج مقام الراوي، ويتخذ أحد أشكاله أو أكثر (بحسب تصنيف فريدمان)، ولعل هذه التقنية الأخيرة ستتطلب وقفة أساسية مع أعمال من مثل “اللص والكلاب” و”ميرامار” و”قشتمر”. وذلك استنادًا إلى مفاهيم مارسيل مارتن لمهام المونتاج بوصفه راويا يتكفل بإدارة تحولات الزمان والمكان والإنسان، والسرعة، وضبط اللقطات وإيقاعها وفقًا لتطور الحدث، ومدى الإفصاح عن توجه الشخصية، والفعل ورد الفعل. في حين يقدم “جينيت” تصوّرًا قريبًا من هذه المهام لمهام الراوي الأدبي: السردية، والأيديولوجية، وإدارة نقل المشاهد، والتواصل، وضبط الأوضاع السردية.
الأبطال الصامتون
أما بالنسبة للإكسسوارات فإن الدراسات من وجهة نظر نقدية أدبية شحيحة فيها، ربما تجد مقالا هنا أو هناك حول ما يدعى بالأبطال الصامتين، ولكن عاملًا قد احتفظ به نجيب محفوظ لهؤلاء الأبطال، ومن شأنه أن يؤسس لدراسات منهجية معمقة.
لم يعد الحضور الناطق أو الشاخص للشخصية يكفي لتمثل الحكاية بأبعادها واستيعاب جوانبها كافة. وكالعادة، كان الروائي الحصيف الذي لا يُبارى في كفاءته وسرعة استجابته وأمانته، نجيب محفوظ، أول من انبرى لمهمة إنجاز الفكرة واستكمال الرؤية، بالاستعانة بالأشياء كقطع الأثاث، أو أواني الطبخ، أو الملابس، أو حتى النباتات والطرق والسيارات… إلخ. أو إن شئت قل بالإكسسوارات الصامتة بلسانها والناطقة بأوضاعها المدروسة، فيبث فيها الحياة لتنطق بما قد يمسك الناطقون عن قوله لحرج أو لعجز أو لحائل زمني أو مكاني أو لأي علة كانت، فتشي بما يراد أو بما لا يُستطاع الإفصاح عنه لسبب أو لغير سبب.
فلم تعد مهمة السرد في أعماله بعد تلك الفترة تقتصر على الراوي الحاكي بأشكاله المتعددة، سواء كان دورًا تجريديًا أو شخصية ناطقة، بل أخذت الأشياء أو الإكسسوارات في كثير من المواقف بناصية الحكي الصامت من دون فجاجة أو تطفل، كالمسبحة في يد المخبر في المشهد الأول في رواية “اللص والكلاب”، التي يحمل تحريكها باليد انتقالات سيكولوجية متنوعة تشي بموقف حاملها لحظة الحدث. وبهذا لم يعد الميدان خاليًا للأبطال الناطقين، ولا لثرثرات الرواة بأشكالهم المختلفة أو بمواقعهم التي يرسمها حاديهم وباديهم، أعني التبئير (focalization) جمادًا صامتًا. بل ما أوفرهم وما أشد إخلاصهم حين تنحل عقد ألسنتهم بالحركة الفنية المحسوبة أو بدينامية العمل السردي، وما أشد كفاءتهم والتزامهم بإيصال الرسالة حين يجعل الروائي منهم أبطالًا من دون أن ينطقوا بالحروف، بل ينجزون الحكاية، بأوضاعهم الشاخصة وبفضل البصيرة الفنية وقوة التخييل، وحسن التلقي وكفاءة التأويل.
ومع أن هذه الظاهرة حضرت بقوة في أعمال روائية وقصصية عديدة لنجيب محفوظ في الفترة الأخيرة، فإنها، أي ظاهرة التعبير بالإكسسوارات، اكتسبت زخمًا بما نشهده اليوم من اكتساح ثقافة الصورة لثقافة الكلمة في عصر ثورة تكنولوجيا المعلومات؛ فبدأنا نطّلع على أعمال روائية بشكل أقرب إلى “السيناريو الصامت” منها إلى ما ألفناه فيما عرف لمئات السنين “بالشكل الجوهري” للرواية، وأسلوب المحاكاة في السرد في الرواية الحديثة، أو من خلال التقطيع المونتاجي والسرد السيكولوجي الانثيالي، الذي يجاوز المحاكاة كما الأمر فيما عرف بالرواية الجديدة Nouveau roman، التي ترفض فكرة البطل البطولي أو اللابطولي، وتستبعد محدودية الفضاء الروائي زمانًا ومكانًا.
ثمة حاجة ماسة لمقاربة تقنية “الإكسسوارات” في القصص السينمائي في الرواية العربية والمصرية بخاصة، وقد لا نجازف إن قلنا إن كثيرًا من الكتاب كانوا وما زالوا يؤلفون مؤلفاتهم: قصة، ورواية، وسيرة ذاتية أو غيرية، وربما مسرحية، وعيونهم مصوبة نحو الشاشة الفضية، كأعمال نجيب محفوظ، ولا سيما تلك التي صدرت بدءًا من الستينيات.
موسوعة مدكور ثابت
لقد لاقت جهود نجيب محفوظ في مجالات العمل السينمائي كثيرًا من الاهتمام، وقامت مصر بدور جليل، على أن من أجلّ الأعمال ما قدمه المرحوم الدكتور مدكور ثابت في “موسوعة نجيب محفوظ والسينما من 1947 إلى 2000” المؤلفة من جزأين، وسنحاول فيما يلي تقديم وقفة سريعة تنطوي على بعض الإشارات التي تؤطر نظريًا لهذا العمل الكبير، وتصب في الاتجاه الذي يصب فيه العمل الموسوعي بتقاليده الأساسية.
العنوان موسوعة، ولكن هل استعمال كلمة موسوعة كان مناسبًا، أي الموسوعة بوصفها عملًا مرجعيًا أو منظومة معرفية شاملة، تقدم خلاصات للمعرفة عامة، أو متخصصة في مجال معين يخص ما على الأرض من علوم تتصل بالإنسان، أو بما يمكن أن تصل إليه مداركه؟
إن عمل ثابت عمل تجميعي في المقام الأول، يقوم على تصنيف اجتهادي في مجال معين، وينحصر في معرفة خاصة، تتصل بعلم واحد محدد.
يتكون الجزءان من حوالي 1800 صفحة من القطع الكبير، ومن الطبيعي أن ليس كل هذا الكم من الصفحات مادة رمادية، بل إن جزءًا لا يقل عن النصف عناصر تيبوغرافية وظيفية وجمالية، من صور ورسومات بشتى الأنواع ولشتى الأغراض، وأهمها التوضيح والتوثيق.
تستند الموسوعة على منهج تاريخي، بمعنى أنها تبدأ بعام 1947، وتنتهي مع نهاية القرن، أي تبدأ بالفيلم الذي أنجز في هذا العام، بإخراج من صلاح أبو سيف، وشارك فيه نجيب محفوظ بكتابة القصة، حيث لم تطأ قدماه بعد أرض السيناريو، وتتوقف الموسوعة عند عام 2000، في حين نشرت عام 2006 مواكبة للذكرى المئوية للسينما المصرية.
وإذ تتبع الموسوعة منهجًا كرونولوجيًا، أي يعتمد على مسيرة نجيب السينمائية وما كتب عنها حتى نهاية القرن، فإنها من جهة أخرى تختط تبويبًا داخليًا يستند إلى نوع الإسهام الفني الذي يتوزع بين التأليف والسيناريو والحوار، وما حظيت به هذه الجوانب من تلقٍّ نقدي في مصر وفي غيرها.