توفيت يوم 4 حزيران/ يونيو 2026، الكاتبة والمخرجة الإيرانية الفرنسية مرجان ساترابي إثر أزمة قلبية مفاجئة، جاءت بعد عام تقريبًا من صدمة نفسية وحزن شديد إثر الوفاة الفجائية لزوجها وشريك حياتها السويدي ماتياس ريبا. وبرحيلها، ينتهي مسار إحدى أبرز القامات في فن السرد المصوّر المعاصر (الروايات المصورة)، والتي تميزت أعمالها برصد تشققات المشهد الجيوسياسي والاجتماعي والنفسي بين الشرق والغرب خلال القرن الماضي، حيث يمكن القول إن تجربتها الفنية تحوّلت إلى مرآة لزمن كامل بكل تقلباته.
استطاعت ساترابي، من خلال عملها الأشهر “بيرسيبوليس”، أن تجعل من السيرة الذاتية أداة لقراءة تاريخ إيران الحديث. فقد حولت الذاكرة الفردية إلى مساحة لفهم المنفى، والهوية، والانقسام الداخلي الذي يعيشه الإنسان حين يُقتلع من سياقه الأصلي ويُقذف به في أتون التحولات الكبرى.
ولدت مرجان ساترابي في 22 تشرين الثاني/ نوفمبر عام 1969 في مدينة رشت شمال إيران، ونشأت في العاصمة طهران داخل أسرة من الطبقة المتوسطة الميسورة ذات توجهات فكرية وسياسية تقدمية ويسارية. لم تكن أسرتها مجرد عائلة عادية، بل كانت امتدادًا لوعي وثقافة يربطان بين التراث الإيراني العريق والانفتاح على الحداثة، حيث تنحدر والدتها من سلالة القاجار التي حكمت إيران في القرون السابقة.
كانت طفولتها الأولى جزءًا من إيران ما قبل التحوّل الكبير، في مجتمع يعيش توترًا خفيًا وظاهريًا بين تحديث قسري تقوده الدولة الشاهنشاهية وبين بقايا تقاليد اجتماعية ودينية محافظة. في هذا المناخ، تشربت مرجان الصغيرة قيم الحرية والعدالة الاجتماعية من خلال حوارات والديها وقصص عمها أنوش، المناضل الذي قضى سنوات في السجون وصار رمزًا في مخيلتها الطفولية.
لكن هذا التوازن الهش انهار تمامًا مع اندلاع الثورة الإيرانية عام 1979، حين كانت مرجان في العاشرة من عمرها. وهو سنّ حاسم ومفصلي طبع كل رؤيتها اللاحقة للعالم، وحوّل براءة الطفولة إلى وعي مبكر بالسياسة وتقلباتها الكبرى التي عاصرتها وعبرت عنها بريشتها.
مع سقوط نظام الشاه وصعود الجمهورية الإسلامية، لم تتغير فقط البنية السياسية العليا للدولة، بل تغيرت تفاصيل الحياة اليومية جذريًا وبشكل دراماتيكي. تحولت المدرسة من فضاء للتربية والتعليم إلى ساحة للتلقين الأيديولوجي، وفُرِض الحجاب القسري على الفتيات الصغيرات ليتحول اللباس من خيار شخصي إلى رمز سياسي وهوياتي تقاس به طاعة الفرد للنظام الجديد، وتدخل الطفولة نفسها مرحلة من التوجيه القسري.
في هذا المناخ المشحون بالخوف والتحوّلات المتسارعة، بدأ الوعي الصغير لمرجان بالتشكل داخل أسئلة وجودية تفوق عمرها الزمني. بدأت تتساءل عن سبب تغير العالم فجأة بين ليلة وضحاها، ولماذا يصبح الكلام العفوي خطيرًا قد يؤدي بصاحبه إلى المعتقل، ولماذا يُطلب من الإنسان أن يقمع تفكيره النقدي ليتبنى نمطًا واحدًا مصبوبًا في قالب جامد وتفكيرًا بطريقة واحدة فقط.
هذه الأسئلة الحارقة هي التي شكّلت نواة روايتها المصورة “بيرسيبوليس”. صدر الجزء الأول من العمل عام 2000، ثم توالت أجزاؤه حتى عام 2003، قبل أن يُجمع في طبعة شاملة لاحقًا. فالعمل لا يقدم سردًا تاريخيًا جافًا أو توثيقًا أكاديميًا تقليديًا، بل يعيد بناء التاريخ الجمعي من خلال عين طفلة، ثم مراهقة، ثم شابة تحاول فهم عالم يتفكك أمامها كقطع أحجية مبعثرة.
السياسة في هذا العمل ليست خطابات نظرية يلقيها ساسة في التلفاز، بل هي تفاصيل معيشة، مثل حوارات عائلية هامسة خلف الأبواب المغلقة، وصرامة المدرسات الملتزمات بالخط الرسمي، ودوي صفارات الإنذار أثناء الحرب الإيرانية العراقية الممتدة بين عامي 1980 و1988، والخراب الذي خلفته الصواريخ في أحياء طهران، والخوف الدائم من حراس الثورة الذين يترصدون أي ملمح للحداثة الغربية والمجهول.
من الناحية الشكلية والجمالية، اختارت ساترابي أسلوبًا بصريًا صارمًا يعتمد حصريًا على اللونين الأبيض والأسود. هذا الاختيار ليس مجرد نقص تقني أو استسهال فني، بل هو قرار جمالي وفلسفي واعٍ يحمل دلالات متعددة تعكس رؤية للعالم تقوم على التوتر الحاد بين ثنائيات، مثل الحرية والقمع، الحياة والموت، الطفولة والنضج، الحقيقة والدعاية.
بساطة الخطوط وتجريد الشخصيات من التفاصيل الواقعية المفرطة يجعل التجربة عالمية، فالوجه البسيط يتيح لأي قارئ حول العالم أن يرى نفسه فيه، ويفتح المجال أمامه ليملأ الفراغات بالتجربة الشخصية، ليصبح النص مساحة مشتركة بين المؤلف والقارئ، وبين الذاكرة الفردية والتاريخ الجماعي. وفي الوقت نفسه، تعبر الظلال الداكنة عن ثقل الأيديولوجيا، الخوف، الغارات الجوية، والمساحات المخفية في الذاكرة.
هذا التبسيط الظاهري في الرسوم يخفي خلفه بنية سردية بالغة التعقيد تقوم على التقطيع الزمني، والذاكرة المتشظية، واستدعاء اللحظات الإنسانية الصغيرة بوصفها مفاتيح مجازية لفهم التاريخ الكبير وتحولاته العاصفة. كما أن أسلوبها يتأثر بوضوح بالسينما الواقعية، حيث تصبح حركة الخط الأسود قادرة على نقل مشاعر الحزن والسخرية والغضب بكفاءة.
وفي قلب هذا البناء السردي، يبرز موضوع المنفى بوصفه تجربة وجودية مركزية ومؤلمة. فبعد أن أمضت طفولتها ومؤهلاتها الأولى في إيران، وبسبب جرأتها في المدرسة وخوف والديها عليها من بطش النظام، قررا إرسالها وحيدة وهي في الرابعة عشرة من عمرها عام 1983 إلى أوروبا، وتحديدًا إلى فيينا في النمسا، لتنطلق مرحلة جديدة من الاغتراب والتمزق النفسي.
المنفى في “بيرسيبوليس” لا يُقدم كخلاص وردي أو كجنة للحرية من القمع كما تصوره السرديات السطحية، بل يُطرح بوصفه صدمة ثقافية ونفسية من نوع آخر. في أوروبا، تكتشف مرجان أنها انتقلت من قمع النظام في وطنها إلى قمع من نوع آخر، وهو قمع الأحكام النمطية المسبقة التي تصنفها وتختزلها بناءً على جنسيتها الإيرانية.
تكتشف أنها أصبحت “الآخر” أو “الأجنبية”، وأن هويتها الغنية تحولت في نظر الغربيين إلى مجرد علامة جاهزة للتصنيف مرتبطة بالتطرف والدين، مما دفعها في بعض اللحظات، بدافع الضعف الإنساني والمراهقة، إلى إنكار أصلها، وهو ذنب سيعمق إحساسها بالاضطراب الداخلي.
| فيلم “بيرسيبوليس” |
المنفى كحالة وجوديّة
هذا الاغتراب المزدوج، بين وطن أصيل يتحول إلى نظام مغلق يطرد أبناءه، وغرب بارد ومادي لا يفهم تعقيد وعمق التجربة القادمة من الشرق، يشكل جوهر رؤية ساترابي للعالم. فالمنفى عندها ليس حدثًا جغرافيًا ينتهي بمجرد ركوب الطائرة والوصول إلى مكان جديد، بل هو حالة وجودية مستمرة من عدم الانتماء، حيث يصبح الإنسان عالقًا بين لغتين، وثقافتين، وصورتين عن الذات لا تتطابقان.
بعد سنوات من الضياع العاطفي والجسدي في أوروبا وصلت بها إلى حد التشرد في الشوارع والمرور بأزمة صحية حادة، تقرر مرجان العودة إلى إيران عام 1988 لتدرس الفنون البصرية في جامعة طهران. لكن العودة لا تحمل معها الشفاء، إذ تجد بلدًا آخر مختلفًا تمامًا عن الذي غادرته في طفولتها، بلدًا أثقلته سنوات الحرب الطويلة وغيرت ملامحه المادية والنفسية والاجتماعية.
لم تكن المشكلة في تغير البلد فحسب، بل في أن مرجان نفسها قد تغيرت وتغربت، فلم تعد تلك الفتاة التي تتقبل القيود الاجتماعية بسهولة، وفي الوقت ذاته، لم تعد غربية بالكامل. وهنا يتضاعف الإحساس بالانقسام، فلا إيران الأولى موجودة لتستوعبها كما كانت، ولا أوروبا قادرة على احتوائها بالكامل من دون شروط مسبقة. من هذا التمزق والشرخ الهوياتي ولد إحساس دائم بالبحث عن مكان ثالث أو منطقة رمادية للهوية، لا هي شرق ولا غرب، بل فضاء يتسع لتعقيدات الذات الإنسانية الحرة.
دفعتها هذه التناقضات إلى مغادرة إيران نهائيًا عام 1994 متوجهة إلى فرنسا، حيث استقرت في باريس ودرست الفنون الزخرفية، وتجلى هذا الاغتراب في نتاجها الأدبي والسينمائي الغزير عبر السنين. فبعد النجاح العالمي لـ “بيرسيبوليس” الذي حقق مبيعات هائلة وتُرجم إلى أكثر من عشرين لغة، نشرت كتابها المصور “مطرزات” عام 2003 والذي ركزت فيه على الجلسات النسائية العائلية في إيران وحواراتهن الصريحة، ثم أصدرت كتابها المصور “دجاج بالخوخ” عام 2004 الذي نال جائزة أفضل كتاب في مهرجان أنغوليم الدولي للقصص المصورة.
بعد هذا النجاح المدوي في عالم النشر، انتقلت ساترابي إلى عالم السينما. في عام 2007، شاركت في إخراج النسخة السينمائية من فيلم الرسوم المتحركة “بيرسيبوليس”، والذي حظي بإشادة نقدية عالمية واسعة، وتوج بجائزة لجنة التحكيم في مهرجان كان السينمائي، ونال ترشيحًا لجائزة الأوسكار لأفضل فيلم رسوم متحركة عام 2008، مما رسخ مكانة العمل عالميًا.
لاحقًا، وسعت ساترابي مشروعها السينمائي وأخرجت أفلامًا روائية حية وتوسعت في الخيال البصري، فقدمت عام 2011 فيلم “دجاج بالخوخ” محولة روايتها المصورة إلى شاشة السينما برؤية شاعرية، وأتبعتها عام 2012 بإخراج الفيلم الكوميدي الفرنسي “عصابة الروك”، ثم أخرجت عام 2014 فيلم الجريمة والكوميديا السوداء “الأصوات” من بطولة أميركية، وتوجت مسيرتها السينمائية بإخراج فيلم السيرة الذاتية العلمي “مشعّ” عام 2019 الذي تناول حياة العالمة ماري كوري.
في هذه الأعمال السينمائية المتأخرة، والتحول من السيرة الذاتية المباشرة إلى الخيال، اتجهت نحو عوالم نفسية وفلسفية أكثر قتامة وتجريدًا، تمزج فيها بين السخرية السوداء، الفانتازيا، والعنف الداخلي للشخصيات، مؤكدة أن اهتمامها الأساسي ليس تكرار قصة حياتها، بل استكشاف هشاشة الإنسان حين يُدفع دفعًا إلى حافة الانهيار النفسي أو الاجتماعي أو الوجودي.
رغم تنوع الوسائط الفنية التي تتحرك فيها ساترابي بين الرسم والكتابة والسينما، يبقى الخيط الناظم الأساسي الذي يربط مشروعها بأكمله هو فكرة السرد بوصفه فعل مقاومة. المقاومة هنا لا تتجلى في المفهوم السياسي المباشر فحسب، بل هي مقاومة للنسيان ومحو الذاكرة، ومقاومة للتبسيط والاختزال الذي يمارسه الطغاة من جهة، ووسائل الإعلام العالمية من جهة أخرى.
سياسيًا، تتبنى ساترابي موقفًا نقديًا مزدوجًا وشجاعًا، فهي من جهة لا تتساهل مطلقًا في فضح آليات القمع، الرقابة، والاستبداد ضد النساء في إيران، لكنها في المقابل ترفض وبشدة الخطاب الغربي التبسيطي والصور النمطية التي تنظر إلى الشرق أو العالم الإسلامي كبؤرة مصمتة من التخلف، متناسية عمقها الثقافي وحيوية مجتمعها المدني وتاريخها الطويل في الكفاح. فالإنسان عندها لا يُفهم إلا داخل تعقيده، وليس داخل شعار. وفي عام 2023، أهدت هذا الالتزام بإشرافها على إصدار كتاب مصور جماعي بعنوان “امرأة، حياة، حرية” بالتعاون مع العديد من الفنانين والمحللين لدعم الحركات النسائية المدنية في إيران.
هذا الموقف الفكري ينعكس بصورة مباشرة في أسلوبها السردي الذي يمزج ببراعة فائقة بين الفكاهة والمأساة، أو الكوميديا التراجيدية، بشكل متداخل. ففي أكثر اللحظات قسوة وقتامة، كحملات الإعدام والاعتقالات والقصف الصاروخي، تبرز السخرية والضحك كآلية دفاع نفسي غريزية، ووسيلة للمقاومة وتخفيف ثقل الواقع وطحنه للروح بدون إنكاره.
تكمن أهمية تجربة ساترابي اليوم في كونها تتجاوز الحدود الضيقة للسيرة الذاتية الفردية لتطرح الأسئلة الكبرى والملحة للقرن الحادي والعشرين: أسئلة الذاكرة في مواجهة التاريخ الرسمي، الهوية في زمن العولمة والشتات، والمنفى كشرط وجودي للإنسان المعاصر، ومدى قدرة الفن على تمثيل الذات الجريحة في عالم شديد التعقيد والتشظي.
في نهاية المطاف، لا يمكن اختزال تجربة مرجان ساترابي في كونها مجرد حكاية لكاتبة إيرانية عاشت في المنفى، بل يجب قراءتها وفهمها كمسار إنساني وسردي طويل يحاول الإجابة عن كيفية قدرة الإنسان على رواية حياته من دون أن يسقط في فخ التبسيط، وكيف يمكن للذاكرة الفردية أن تتحول من عبء نفسي ثقيل إلى أداة للمقاومة وفضاء رحب لتحقيق الحرية والانعتاق.
لقد رحلت مرجان ساترابي بجسدها، لكن خطوطها السوداء الواضحة ستبقى حية على الورق وشاشات السينما، كأثر فني وبصري غير قابل للمحو.