
التقى يوسف معوض مصادفة بحاييم فارجي في نهار من العام 1984 في فيينا. لم يكونا على موعد، ولا كان أي منها قد عرف الآخر من قبل. فمعوض محامٍ مختص بقوانين الجرائم والعلاقات الدولية، ومن مواليد العام 1952 في لبنان، وكان في رحلة عمل أو استجمام في العاصمة النمساوية. أما فارحي فمن مواليد العام 1760 في دمشق، وكان يعمل مهندس سياسات مالية وضرائبية لولاية عكّا العثمانية و”أمين” ماليتها، وقد قتل خنقًا في منزله العكّاوي سنة 1820.
التاريخُ سائحًا
من بائع عاديات على رصيف شارع مدينة “ليالي الأنس” التي “نسيمُها من هواء (أو هوى) الجنة” -حسبما غنّت أميرة من جبل الدروز السوري في القاهرة الملكية أو الخديوية في العام 1944 في فيلم “غرام وانتقام”- اشترى معوض بثمن بخس لوحة فنية منحوت عليها رسم أحمد باشا الجزار، والي عكّا العثماني (المولود بين 1720 و1730 في البوسنة، والمتوفي في عكّا سنة 1804).
يقعد الوالي، في لوحة فن “الغرافير” النحتي، متربِّعًا على طنافس شرقية في مجلسة. في حضرته يخرُّ خادمُه ساجدًا أمامه. وإلى جانبه يقف أمير جنده (الكتخدا) ربما. وفي طرف المنحونة يقف شابٌ ممسكًا بيده ورقة يعرضها على الجزار.
لاحقًا، بعد سنوات، علم يوسف معوض، من كتب عدة قرأها عن هواية وبالمصادفة، أن ذاك الشاب كان ذائع الصِّيت والشهرة ببلاد الشام كلها في زمانه، وهو حاييم فارحي، فقرّر أن يؤلف كتابًا يروي فيه سيرته.
هي المصادفات أولًا، والهواية والغواية ثانيًا، ومتعة القراءة والمطالعة تسجيةً للوقت في تقصي أخبار التاريخ وشخصياته ثالثًا، ما حملت يوسف معوض على الانصراف في سن متقدمة إلى تأليف كتاب في السيرة/ الرواية التاريخية عن حاييم فارحي، سليل العائلة اليهودية الثرية، المشهورة والمرموقة في أروقة الحكام وخدمتهم بدمشق واسطمبول والقاهرة، والمعرَّفة أخيرًا بملكها صيدلية شهيرة في بيروت، قبل إقفالها وهجرة اليهود منها.
وتعود عائلة فارحي بأصولها البعيدة إلى يهود إسبانيا الذين طردهم التطهير الديني المسيحي الكاثوليكي ومحاكم تفتيشه من الأندلس في القرون الوسطى.
مأساة حاييم فارحي
شغل حاييم فارحي ما يسمى في الأزمنة المعاصرة وزير مالية 3 ولاة عثمانيين متعاقبين على حكم ولاية عكا طوال 30 سنة (1790- 1820): أشهرهم أحمد باشا، الملقب بالجزار بسبب شدّته وقسوته وسطوته الدموية شبه الميكيافيلية في الحكم. وظل أيامًا مسجىً جثة هامدة في مخدعه بقصره، من دون أن يجرؤ أي من حاشيته وعمال ولايته على الدخول إلى مقصورته وإعلان موته.
وهو كان في الأصل مملوكًا عثمانيًا تنقّل كثيرًا بين قصور الأمراء الشهابيين في جبل لبنان وقصر والي صيدا، وحاك كثرة من المؤمرات والمكائد (صفقات بلغة دونالد ترامب السّوقيّة الراهنة)، قبل أن يتمكن بدهائه من انتزاع تلك الولاية التي ثبّته عليها السلطان العثماني بفرمان منه في العام 1777، فنقل الجزار مقرَّها أو عاصمتها جنوبًا إلى مدينة عكا، ربما ليبتعد قليلًا من العاصمة الإمبراطوية اسطمبول.
جبروتُه، شدّة ريبته وشكّه المتواصلين بالمحيطين به، حملته على تحصين عاصمة ولايته الجديدة والتشبث بحكمها حتى وفاته فيها. واشتُهر بمقاومته حملة نابليون بونابرت على بلاد الشام وحصاره عكا سنة 1799 وفشله في دخولها، وعودته إلى مصر التي كان دخلها وأخضعها في العام 1798. أما لقبه بالجزار فقد يكون وليد المخيلة “الوطنية” المعاصرة، حسبما صاغتها كتب التاريخ المدرسي المعاصرة في لبنان وسوريا وفلسطين، كما أطلقت لقب السّفاح على جمال باشا، قائد الجيش العثماني الرابع في بلاد الشام في الحرب العالمية الأولى (1914 -1918).
وبعد وفاة الجزار ظل حاييم في منصبه، وقوي نفوذه المالي والإداري والسياسي في عهد والي عكا سليمان باشا الملقب بالعادل، واستمرت ولايته بين العامين 1805- 1819. أما الوالي عبدالله باشا الممتدة ولايته على عكا بين 1820 -1832، فكان شأن الواليين السابقين من المماليك العثمانيين، ووالدته تعود بنسبها إلى أشراف مكة. لكنه كان أقل من سابقيه شأنًا، وعُرف بتطيّره وشكوكه برجال حاشيته وشدّته على “أهل الذمّة” وتشدّده أو أصوليته الدينية، وإحيائه حلقات تصوّف في قصره. وهو من قتل حاييم فارحي خنقًا في منزله.
وكان الجزار قد أمر بجدع أنف حاييم وقطع أذنه وفقأِ عينه. وذلك بعدما كان تمكن بدهائه وبمساعدة حاييم إياه، من الحصول على ولاية دمشق أيضًا التي يتصدر واليها قافلة الحجيج التي تتجمع روافدها البشرية في عاصمة الأمويين، ومنها تسير إلى مكة. لذا نال الجزار لقب “أمير الحج”، كسواه من ولاة دمشق.
وفعلةُ الجزار المأسوية هذه بحاييم، حصلت غداة سير والي الولايتين على رأس قافلة الحج، بعدما استقبل في مقر الولاية الدمشقية وفودًا من وجوه العائلات والتجار الدمشقيين المسلمين، إلى جانب نقيب الأشراف والقضاة والمشايخ والمفتي في المدينة، فتذمروا جميعًا واستاؤوا من “أهل الذمة” اليهود والمسيحيين “الذين أصبحوا أصحاب نفوذ، وحققوا ثروات على حساب المسلمين”. وهكذا اشتم الجزار رائحة “مؤامرة تُحاك ضده”، فلم يجد ارتيابُهُ سبلًا إلى قطع خيوط تلك المؤامرة، إلا بالصدوع إلى الاقتصاص من أصحاب ثرواتٍ مسيحيين في دمشق، ومن وزير ماليته في عكا حاييم فارحي الذي استمر في عمله وخدمته الجزار، بعدما أنزل به ذاك العقاب المأسوي المروع.
الولاة ومآسي الجماعات المشرقية
ليست هذه الحوادث والتواريخ سوى هيكل عظمي عارٍ من كسوته الروائية والتأليفية في كتاب يوسف معوض الموسوم بـ”حاييم صرّاف عكا: يهودي في ذمة الإسلام”. وهو كان قد نشره بالفرنسية أولًا، قبل أن يترجمه إلى العربية جان هاشم، وتنشره في نيسان 2026 “دار رياض الريس” البيروتية.
وإلى المصادفات والهواية والغواية والمطالعة والاستغراق في تقصي أخبار التاريخ وشخصياته، قد يكون ما حمل معوض على تأليف كتابه هذا، أن قراءاته مرويات التاريخ وشهادات وسير تعود إلى القرن التاسع عشر العثماني المضطرب، أفادته في التبصُّر في أحوال لبنان ودول المشرق العربي المعاصرة والتفكير في مصائرها المأسوية الراهنة.
ولربما تراءى ليوسف معوض أن لهذه المآسي المتناسلة حروبًا أهلية وتصدّع دولٍ وانهيارها، جذوراً عميقة في أزمنة وتواريخ سالفة تعود، أقله إلى بدايات القرن السادس عشر العثماني: ولاةٌ عسكريون من جند المماليك السالفين، يتولون بفرمان سلطاني من اسطمبول حكمَ جماعات ومجتمعات محلية من خارجها.
وفي تسلّطهم على الجماعات والمجتمعات وحكمهم إياها حكمًا موقتًا وقلِق دائمًا، وجمعِهم ثرواتهم من أهلها، كان يحرك الولاة قلقُهم وخوفهم من أن يعزلهم فجأة من الحكم وليُّ نعمتهم، السلطان العثماني وسلطته العليا عليهم في عاصمته الإمبراطورية وبابها العالي. فالبلاط السلطاني هو من يولِّيهم ويعزلهم بفرماناته. لذا يقيمون على قلق، محاولين التملّص من سلطته والاستقلال بولاياتهم المضطربة الحدود والسلطات والجماعات الأقوامية والدينية والإثنية، والمتنازعة الولاءات والمحتربة في ما بينها، والمشرعة على نزوع الولاة الدائم إلى تربص هذا منهم بذاك، نصب المكائد له أو تحالفه معه وتأليب الجماعات التي يحكمها عليه، وشنّ هذا الوالي حربًا ضد ذاك، لحسابه الخاص أو لحساب السلطان الإمبراطوري في عاصمته، حسب تقلب الأوضاع والظروف والولاءات.
كنايات التاريخ وصوره المتكررة
أما عبارة “ولي نعمة” الولاة، فمستلة هنا من عنوان كتاب جديد صدر قبل أشهر في القاهرة للمؤرخ المصري المقيم في أميركا والمدرّس في جامعاتها: خالد فهمي الذي كتب سيرة مؤسس السلالة الملكية في مصر القرن التاسع عشر، محمد علي باشا (1779- 1849)، الألباني الأصل والمنبت، والمزامن حكمه مصر لحكم الجزار وسليمان وعبدالله باشا ولاية عكا التي حاصرها واستولى عليها وعلى بلاد الشام كلها إبراهيم باشا، ابن محمد علي. وقد وسم خالد فهمي سيرة مؤسس مصر الحديثة بـِ “ولي النعم: محمد علي باشا”.
وسير الولاة العثمانيين وحاشياتهم، ومنها سيرة حاييم فارحي في ديوان الجزار بعكا، تحفل بمادة حية نابضة بتاريخ المجتمعات في رواية تاريخية، غالبًا ما تُختتم محبطة ومأسوية، شأن سيرة محمد علي باشا حسب كاتبها خالد فهمي. وهذه أيضًا حال سيرة حاييم التي كتبها معوض.
أما حال أهل الجماعات والمجتمعات في الولايات العثمانية المضطربة، والتي راحت تتفكك وتتشظى منذ مطلع القرن التاسع عشر، فلا تقل مأسوية بدورها.
وكانت هذه الولايات المضطربة، المفككة والمحتربة، تضم مسلمين من أهل السنة والجماعة، و”روافض” وشِيع كثيرة، وأهل ذمّة مسيحيين ويهودًا. وهؤلاء جميعًا، بسائر مللهم ونحلهم، فئاتهم وطبقاتهم ومراتبهم، من رعايا السلطان، وإن على تفاوت، في دار الإسلام الإمبراطورية. وعليهم دفع الجزية والإتاوة، الضريبة والميرة، التي يحصّلها منهم بالعسف غالبًا، ولاة يزوّدون بشطر منها خزائن السلطان العثماني في عاصمته اسطمبول، ويستعملون شطرها الآخر في تمويل جندهم والحروب في ما بينهم.
وإذا كانت هذه بعض من ملامح النظام العثماني (1516- 1918)، والمملوكي قبله بعد الحروب الصليبية (1096- 1291)، فإن صور هذا النظام وظلاله ظلت حيّة تنبض في قاع المخيلة التاريخية للمشرق العربي، وفي بعض وقائع تاريخه المعاصر والراهن.
والأرجح أن هذا ما حمل مدرّسًا للفكر السياسي في الجامعة اللبنانية، إبان الحملة العسكرية الإسرائيلية على لبنان ومنظمة التحرير الفلسطينية والجيش السوري فيه صيف 1982، على تشبيه تلك الحملة أو الكناية عنها بحملات ولاة عثمانيين. فقال المدرّس الجامعي ذاك إن أرييل شارون، قائد الجيش الإسرائيلي آنذاك، يشبه والي عكا أحمد باشا الجزار الذي أخضع جبل عامل واستولى على ولاية دمشق، وهابَه أمير جبل لبنان الشهابي بشير الثاني. والباعث على هذا التشبيه أو هذه الكناية التاريخية هو أن شارون هاجم بجيشه لبنان، وأخرج منه جيش والي دمشق المعاصر، حافظ الأسد، وعدوه وحليفه اللدود، زعيم منظمة التحرير الفلسطينية، ياسر عرفات ومقاتليه.
لكن الأسد لم يهدأ ولا استكان، بل عمل على تأليب جماعات اللبنانيين حتى استعاد سيطرته على لبنان كله، بعد تمرّدين عليه: تمرد قائد الميليشيا المسيحية بشير الجميل، في خضم حروب أهلية إقليمية بل دولية بلبنان. ولما تصدر الجميل الشاب الثلاثيني زعامة المسيحيين اللبنانيين، اغتيل بعيد انتخابه رئيسًا للجمهورية، وحلّ شقيقه في مكانه رئيسًا صيف 1982 الدموي في لبنان. ثم لم يلبث قائد الجيش اللبناني المسيحي ميشال عون أن قلّد بشير الجميل وحاكاه محاكاة مقنّعة وكاذبة، لكنها كانت مدمرة ودموية: تمرّد بدوره على الأسد الذي دحره ونفاه إلى باريس، بعدما كان يتوسل الأسد عينه ليولّيه رئيسًا على لبنان.
وفي إمارة جبل لبنان القرن التاسع عشر كان أميرها بشير الثاني الشهابي قد لقي مصير قائد الجيش اللبناني في نهايات القرن العشرين: عزله السلطان العثماني عن الإمارة ونفاه إلى مالطا، بعد حروب أهلية بين الدروز والمسيحيين في جبل لبنان (1840- 1860).
وهذا ليس سوى غيض من فيض كنايات التاريخ المشرقي الحافل بفيض من الدمار والدم والدموع.
التَّمَسُّح بأعتاب السلطان
أما يوسف معوض فأفاض في كتابه عن حاييم فارحي بوصف سلوكه المتمسّح
بأعتاب ولاة عكا وأذيالهم حتى امِّحائه الكامل، للبقاء في منصبه، حتى بعد الكارثة التي أنزلها به الجزار. لكن معوض في حديثه الشفوي عن تأليفه كتابه عن حاييم وولاة عكا، لم يشر سوى إشارة عابرة إلى التشابه بين تمسُّحِ أعيان ووجهاء العائلات، مسلمين ومسيحيين ويهودًا، بالولاة العثمانيين في سراياهم، وبين التمسُّح المديد للطامحين اللبنانيين إلى الثروة والسلطة، برجل المخابرات السورية غازي كنعان، “والي” حافظ الأسد على لبنان الحروب الأهلية وكوارثها المستمرة حتى الساعة.
ولا ينقطع حبل الكنايات التاريخية التي تمتد صورها وظلالها إلى اليوم في المشرق العربي وأحداثه الكبرى العاصفة فيه الآن. فها هو الجيش الإسرائيلي، بعد تدميره غزة الفلسطينية وإبادة شطر كبير من أهلها، يدمر جبل عامل تدميرًا شاملًا ويهجّر أهله، بعد قتله زعيم “حزب الله”، أي “والي” إيران الخمينية الإسلامية على لبنان، بعد اغتيال رفيق الحريري في العام 2005. وكان والي عكا أحمد باشا الجزار قد هاجم جبل عامل وأخضعه وقتل زعيمه الإقطاعي ناصيف النصار في نهايات القرن الثامن عشر. وهذا فيما كان أمير جبل لبنان بشير الثاني الشهابي بين 1788 و1840، يهادن الجزار، يتزلفه ويدفع له الجزية، ليكتفي شره وعدوانه.
أما اليوم، وفيما تنكب إسرائيل شيعة جبل عامل اللبناني نكبة ماحقة لا مثيل لها، فإن الطوائف اللبنانية الأخرى تقف ويقف زعماؤها في حال من الضياع والخوف والصمت والتنصل إزاء النكبة العاملية الكبرى، كأنها تقع في بلد آخر بعيد. وهذا من دون أن ينطوي وصف المواقف على هذا النحو على ملامةٍ لأصحابها المنقادين إلى مواقفهم انقيادًا شبه قدري وعبثيّ مدمر.
المصادفات وهواية التأريخ
لا، ليس هذا ما يؤرخ له يوسف معوض في كتابه الذي يخلو خلوًا تامًا من الكنايات التاريخية، ومن إعمال التشبيه والتماثل التاريخيين بين حوادث التاريخ وأزمنته، إلا إذا أعمل قارئ الكتاب مخيلتَه التاريخية في سردياته. ذلك أن معوض ليس مؤرخًا ولا يسعى إلى ذلك. بل هو هاوي كتابة رواية تاريخية موثّقة بمرويات وشهادات وسير كثيرة حافلة بأخبار عن “أبطال” روايته، وفي طليعتهم بطلها المأسوي حاييم فارحي، ويليه أحمد باشا الجزار في عكا. وهو، أي معوض، في عملية تأليفه واستدخاله المرويات والشهادات والسّير التي قرأها في نسيج الرواية، يُعمِلُ مخيلته وذائقته التاريخيتين اللتين لا قيام ولا قوام للرواية من دونهما. وذلك بعدما درس التاريخ عن هواية لا عن رغبة في التخصص فيه، على يد المؤرخ اللبناني كمال الصليبي (1929- 2011) المدرّس في جامعة بيروت الأميركية.
وسأل الصليبي معوض عما حمله على دراسة التاريخ في سن متقدمة، ثم سخر منه كما كان يسخر من أمثاله الذين يريدون أن يضعوا فلسفة في تاريخ العالم، حينما كانوا يقبِلون على دراسة التايخ في تلك السن. أما ما تعلمه هاوي التاريخ من الصليبي فهو تاريخ المؤرخين البروتستانت الأنكلوساكسونيين للبنان، المختلف تمامًا عن التاريخ الشائع الذي وضعه له مؤرخو البعثات اليسوعية الفرنكوفونيون في الجامعة اليسوعية البيروتية.
وبعد المصادفة الأولى التي حملت معوض على الاهتمام بحاييم فارحي، (شراؤه المنحوتة الشرقية الطابع في فيينا)، تعود المصادفة الثانية إلى العام 1989، عندما كان يتهيأ لرحلة عمل قضائي في جزيرة كوس اليونانية، عشية بدء الحرب الأهلية المسيحية-المسيحية بين ميشال عون وسمير جعجع، فحمل معه إلى كوس كتابين لمطالعتهما هناك: كتاب إبراهيم العورة “تاريخ سليمان باشا” والي عكا. وكتاب مذكرات ميخائيل مشّاقة “منتخبات الجواب على اقتراح الأحباب”.
عرّفته قراءته الكتابين على آل العورة المسيحيين وآل فارحي اليهود، وعلى مأساة حاييم، الذي قرأ قصيدة في مدحه في ديوان نقولا الترك، شاعر الأمير بشير الشهابي الثاني. وكانت مذكرات مشاقة قد أعلمته أن الأمير الشهابي ما كان في مجلسه بقصره يقف لاستقبال كبار الأمراء والمقدمين، بينما يهب واقفًا لاستقبال حاييم فارحي، وزير مالية الجزار الذي يهابه الأمير بشير ويتزلفه.
هذه المصادفات جميعًا حملت يوسف معوض على الشروع في كتابة سيرة حاييم التي وسّع مصادرها التاريخية وضبطها، بعد قراءته كتاب الباحثة الفرنسية كاترين فردوار في عنوان “شبه دولة عكا” أو “نشأة دولة عكا” في حقبة أحمد باشا الجزار، الحافل بالتواريخ الدقيقة. وقد وضع معوض على غلاف كتابه صورة تلك المنحوتة لمجلس الجزار الذي يقف في حضرته حاييم فارحي.
جمال باشا يروي سيرته
هواية التاريخ وروايته، ورّطت معوض بعد نشره سيرة حاييم، في رواية سيرة شخصية تاريخية أخرى: جمال باشا، قائد الجيش العثماني الرابع في بلاد الشام في الحرب العالمية الأولى. وهو اليوم منشغل في كتابتها متخيّلًا أن جمال باشا -الملقب بالسفاح في سوريا ولبنان لأنه علق المشانق لـ”الوطنيين اللبنانيين والسوريين الأحرار” في ساحة البرج البيروتية وفي ساحة المرجة الدمشقية أثناء الحرب الأولى- هو الذي يرويها في صيغة المتكلم الذي يروي مذكراته السرية.
ومن ملاحظات معوض، أثناء تجميعه مادة سيرة القائد العسكري العثماني، أن افتقاد اللبنانيين والسوريين إلى أبطال وطنيين إيجابيين يحمّلونهم مشاعرهم الوطنية الإيجابية في التاريخ الحديث للبلدين، حمل كلًا من الشعبين على صناعة “أسطورة” بطولية وطنية سلبية تجمع المسيحيين والمسلمين فيهما: صبَّا غضبهما السلبي على جمال باشا الذي علّق المشانق لرجال وطنيين يدعون إلى التحرر من السلطان الإمبراطوري العثماني.
وكان الصحافي اللبناني الفرنكوفوني النافذ البصيرة جورج نقاش، قد صاغ عبارته الشهيرة في “الوطنية اللبنانية”: “نفيان لا يصنعان أمة” ولا وطنية. والنفيان هما: عزوف المسلمين عن السعي إلى الوحدة العربية، وعزوف المسيحيين عن السعي في الالتحاق بالغرب. وتتردد عبارة: “لبنان ليس للاستعمار ممرًا ولا للجيوش الأجنبية مستقرًا” التي كانت محور الميثاق الوطني اللبناني غير المكتوب.
لكن الوقائع والحوادث اللبنانية تكذّب هذه العبارة الميثاقية السالبة التي سرعان ما تنقلب إلى عكسها في منعطفات التاريخ القديم والمعاصر وحتى هذه الساعة التي يعيش فيها لبنان نكبة مهولة.