في زمنٍ قريب، كان تحويل النقود يعني أن تخرج من بيتك، وتمضي إلى البنك، ثم تقف في طابورٍ قد يمتدّ أمامك طويلًا. تقف وفي يدك رقم، وتنتظر أن يصل دورك بين عشرات الوجوه، وقد تمرّ الدقائق بطيئة لأنّك لا تملك شيئًا تفعله سوى أن تنتظر. كان الانتظار جزءًا عاديًّا من تفاصيل الحياة؛ ننتظر في البنك، وفي البريد، وعند الطبيب، وننتظر الحافلة، وننتظر وصول رسالةٍ أو اتّصالٍ لا نعرف متى يأتي. كانت بين الرغبة والتحقق مسافة لا يستطيع الإنسان أن يلغيها، فيملأها بشيء من الشوق، وشيء من التوقع، وكثير من الوقت. كان للوقت آنذاك جسد يمكن أن نشعر به؛ يومٌ يطول، وليلٌ يتثاقل، وموسمٌ لا يأتي إلا حين يحين أوانه.
ثم جاء عصرٌ أخذ يردم المسافات واحدة بعد أخرى. اليوم، يمكن أن نحوّل المال ونحن في بيوتنا، وأن ندفع الفواتير ونحن جالسون في أماكننا، وأن نحجز موعدًا، أو نشتري شيئًا، أو نرسل مستندًا من دون أن نغادر مقعدنا. صارت الرسالة تصل في اللحظة نفسها التي تُكتب فيها، والصورة تظهر على الشاشة قبل أن يبرد المشهد الذي التُقطت له، والخبر الذي وقع في أقصى الأرض يصبح على هواتفنا قبل أن نعرف كيف وقع. أشياء كانت تحتاج إلى طريق وطابور ووقت، أصبحت تحدث بلمسة أو بضع كبسات. ومع كلّ هذا التسارع، أصبحنا إذا وقفنا في طابورٍ لا يتجاوز بضعة أشخاص، يبدأ التململ بالتسلل إلينا. ينظر أحدهم إلى الساعة، وآخر إلى الباب، وثالث إلى هاتفه، كأنّ الوقوف بلا نتيجة فوريّة يبدو اقتطاعًا غير مشروع من حياته. نحن لا نكره الانتظار لأنه طويل دائمًا، أحيانًا نكرهه لمجرّد أنّه انتظار.
هنا تبدو المفارقة غريبة: كلما نجحنا في اختصار الانتظار، أصبحنا أقلّ قدرة على احتماله. لقد عوّدنا أنفسنا على أن تكون المسافة بين الرغبة وتحققها قصيرةً إلى الحد الذي جعل وجود المسافة نفسها أمرًا يثير الضيق. وقد حاول علماء النفس السلوكيون، في أبحاثهم حول ما يُعرف بـ”الخصم الزمنيّ”، فهم الطريقة التي تتغير بها قيمة الأشياء في وعينا كلّما ابتعد موعد الحصول عليها.
ويُعد جورج أينسلي من أبرز من درسوا هذه الظاهرة، مبيّنًا أنّ الإنسان يميل تلقائيًا إلى منح المكافأة الحاضرة وزنًا أكبر من مكافأة أكبر منها، ولكنها مؤجلة. لذلك قد نختار القليل الآن، ونحن نعرف أنّ الأكثر سيأتي لاحقًا؛ فالمستقبل، حين يكون بعيدًا، لا يملك في نفوسنا القوة نفسها التي يملكها الحاضر. نعرف أنّ الادخار يحتاج إلى وقت، وأنّ التعلم يحتاج إلى تراكم، وأنّ بعض القرارات تحتاج إلى أن نتركها حتى تهدأ، لكنّ الحاضر يظلّ أكثر إلحاحًا من كل ما يأتي بعده.
غير أنّ المسألة لا تتوقف عند حدود السلوك الفرديّ، فالإنسان الحديث بات يعيش في عالم تتسارع فيه وتيرة التغيّر نفسها. وقد نبّه عالم الاجتماع هارتموت روزا، في أثناء تحليله للتسارع الاجتماعي في كتابه “التسارع: نقد اجتماعيّ للزمن”، إلى أنّ الأمر لا يتعلّق بسرعة السيّارات والأجهزة وحدها، بل بإيقاع الحياة الذي أخذ يزداد كثافة: أشياء أكثر في الوقت نفسه، تغيّرات أسرع، وضرورة دائمة لمواكبة ما يأتي قبل أن يصبح ما نعرفه قديمًا. حتى الراحة أصبحت في هذا الإيقاع مساحة ينبغي ملؤها بشيء آخر. ولعلّ أكثر ما يكشف عمق هذا التحول ليس الأشياء التي ننجزها بسرعة، وإنما الأشياء التي لم نعد نحتمل أن نمرّ بطريقها كاملًا. نحن لا نختصر الطريق فحسب، نحن نختصر التجربة نفسها؛ نريد المعرفة بعد أن نجرّدها من رحلة الوصول إليها، والمتعة بعد أن نحذف منها الترقّب، والنتيجة بعد أن نتجاوز العمل الذي يصنعها. وربما هنا تقترب المسألة مما يصفه روزا بـ “الاغتراب”: حين يصبح العالم شيئًا نتعامل معه باعتباره قابلًا للاستخدام والإنجاز، لا شيئًا ندخل معه في علاقة، فالكتاب يصبح معلومة، والفيلم يصبح نهاية، والتعلّم يصبح شهادة. نكسب الوقت، لكنّنا قد نخسر ما كان يحدث في ذلك الوقت.
أمام هذا الانقطاع عن المعنى، يصبح السؤال: كيف نستعيد علاقتنا بالزمن؟ إنّ ما فقدناه في هذا التسارع ليس خيار التريّث فحسب، بل أيضًا القدرة على “الصبر” باعتباره موقفًا وجوديًّا من الحياة. لقد نسينا أنّ الأشياء الثمينة في جوهرها تُبنى في الخفاء عبر التراكم والتأني، فالأفكار تنضج بالتمهّل، والمشاعر تتشكّل في المسافات، والنفس لا تكتمل إلّا بالتمرّس على المكوث والتأمّل. هذا المعنى الباذخ للصبر هو ما تتوارثه الحكمة الإنسانيّة والروحيّة؛ حيث لم يكن الصبر يومًا سلبًا، أو عجزًا، لقد كان شرطًا لتحقق الحقائق. يخبرنا النفريّ في “المواقف والمخاطبات” بمجموعة من السلالم التي لا يمكن اختزالها، فيقول: “والعلم حرف لا يُعربه إلا العمل، والعمل حرف لا يُعربه إلّا الإخلاص، والإخلاص حرف لا يُعربه إلّا الصبر، والصبر حرف لا يُعربه إلّا التسليم”. إنّ هذه التراتبيّة الفذّة تفكّك أزمتنا المعاصرة بدقة، فنحن نريد العلم بلا عمل، والعمل بلا صبر، والصبر بلا تسليم. لقد اختزلنا الطريق وظننّا أنّنا نستطيع قفز المراحل، بينما الحقيقة أنّ كل مرحلة هي “حرف” لا يكتمل معناه ولا يتّضح إعرابه إلّا بما بعده من صبر وتسليم لإيقاع الزمن الطبيعيّ.
ولعلّ أشدّ صور عجزنا عن الانتظار تتجلّى حين نتوقع من الحياة، أو من القدر، أن يجيب رغباتنا وفق إيقاعنا الخاص. نسيت ذائقتنا المعاصرة أنّ هنالك حكمة في تأخّر النتائج، وأنّ المسافة بين الطلب والتحقّق هي المساحة التي تنضج فيها نفوسنا. وهنا تأتي لفتة ابن عطاء الله السكندريّ لتضع يدها على أصل هذا الضيق حين قال: “لا يكن تأخّر أمد العطاء مع الإلحاح في الدعاء موجبًا ليأسك، فهو ضمن لك الإجابة فيما يختاره لك، لا فيما تختاره لنفسك، وفي الوقت الذي يريد، لا في الوقت الذي تريد”. إنّها دعوة إلى إعادة النّظر في توهّمنا بأنّنا نملك التحكّم بالزمن وأوقات الاستجابة، فالانتظار ــ بهذا المعنى ــ ليس فراغًا ضائعًا، ولا تعطيلًا للحياة، بل هو امتداد للرجاء، وتدريب للنفس على الخروج من مركزيّة ذاتها الشغوفة بالاستعجال.
ربّما لم نعد نحتمل الانتظار لأنّنا نسينا كيف ننصت إلى الزمن وكيف نسلّم له. ولعلّ أوّل طريق التعافي هو أن نعيد إلى الانتظار قيمته: أن نفهم أنّ التأخّر ليس حرمانًا، وأنّ المسافة ليست عائقًا، وإنّما هي روح التجربة، وأنّ الحياة لا تهب أسرارها لمن يستعجل الوصول، بل لمن يتقن أدب الانتظار.
* كاتبة أردنيّة.