باميلا غانم
لماذا نعرف الكثير عن مراحل شيخوخة الرجل ورغباته وأدائه وهرموناته، بينما تُختزل دورة حياة المرأة الهرمونية في الهوامش؟ لماذا يُدرس جسد الرجل وتُشرح تغيّراته، وتُترك النساء ليخترعن التفسيرات وحدهن؟
كبرتُ وأنا أملك معرفة متواضعة ومبتورة عن جسدي، مع رفّة تبدو وكأنها صُمّمت لتكون ناقصة.
أوّل ما تعرّفت إليه كان الدورة الشهرية. لم أتعلّم عنها في المدرسة، ولا من أمّي، ولا من أيّ شخص كان من المفترض أن يقدّم لي معلومة تقيني من الارتباك. تعلّمتها من زميلاتي: كيف أشتري الفوط الصحّية، كيف أُخفيها في كيس أسود كي لا يرى أحد العلامة الوحيدة على أن جسدي يعمل كما خُلِق له أن يعمل.
صمت كثيف يرافق حدثاً بيولوجياً بسيطاً.
الشيء الثاني كان ما يسمّى شائعاً في العربية بـ “سنّ اليأس”، وهي تسمية تحمل وصمة وتُعيد إنتاج نظرة دونية إلى جسد المرأة. المصطلح الطبّي هو: سنّ انقطاع الطمث، ومع ذلك، يفضّل المجتمع ترداد المصطلح الوصمي لا الطبّي، وكأن انقطاع الطمث نهاية وليس تحوّلاً طبيعياً في دورة حياة الجسد.
اللغة ليست بريئة، اللغة تصنع الموقف الاجتماعي قبل أن نُدركه. في المصطلح الوصمي تُختزل المرأة في ما فقدته لا في ما تنتقل إليه، في الخسارة لا في الاستمرارية، في الوظيفة الإنجابية لا في الذات.
ما لم يخبرنا أحد به أن هناك مرحلة تسبق انقطاع الطمث، مرحلة تُدعى: ما قبل انقطاع الطمث (perimenopause). لم أسمع بهذه الكلمة إلا مؤخّراً، لا بالعربية، ولا بالفرنسية، ولا في المدرسة. لم تنطقها أمّي ولا خالاتي ولا النساء اللواتي مررن بهذه المنطقة الرمادية، من دون لغة تشرح لهن ماذا يحدث.
ثم فجأة صار الجميع يتحدّث عنها: بودكاستات، منشورات على إنستغرام، أطبّاء وعناوين تقول: “لنفتح النقاش حول الـ perimenopause”، وكأننا اكتشفنا قارّة كانت موجودة منذ الأزل.
ما قبل انقطاع الطمث لا يأتي بضجيج، لا يعلن عن نفسه، يدخل على رؤوس أصابعه، يزعزع النوم والمزاج والعلاقة بالجسد، تشعرين أنك لم تعودي تعرفين نفسك، وبما أنه لا يوجد اسم شائع للمسار الانتقالي، يُفترض أن المشكلة في المرأة نفسها… أنت حسّاسة، أنت متعبة، أنت تبالغين! والأسوأ أن يُصوَّر ما تمرّين فيه كضعف شخصي لا كتغيّر هرموني طبيعي.
وما يصدم حقّاً ليس غياب المصطلح عن ثقافتنا، بل غياب الشعور بأن النساء يستحققن المعرفة أساساً. لماذا لم يُناقش هذا من قبل؟ كيف عبرت أجيال من النساء هذه المرحلة وهنّ يعتقدن أنهن يفقدن السيطرة، بينما كان الطبّ يعرف ويصمت، والمجتمع يرى ويتجاهل؟
بيولوجياً، خلال هذه المرحلة يبدأ الجسم، وتحديداً المبايض، بتغيير نمط إفراز الهرمونات تمهيداً لتوقّف الدورة الشهرية، وهي مرحلة طبيعية لا مرض فيها ولا فشل ولا عطب، ويمكن أن تبدأ في أواخر الثلاثينيات أو غالباً في الأربعينيات، وقد تمتدّ من سنتين إلى عشر سنوات، ولا تعيش النساء التجربة نفسها: بعضهن بأعراض خفيفة، وبعضهن باضطرابات حادّة، فالعوامل الوراثية، ونمط الحياة، والصحّة النفسية، والدعم الاجتماعي كلّها تلعب دوراً في شدّة التجربة.
لكنّ السؤال الأكبر: لماذا نعرف الكثير عن مراحل شيخوخة الرجل ورغباته وأدائه وهرموناته، بينما تُختزل دورة حياة المرأة الهرمونية في الهوامش؟ لماذا يُدرس جسد الرجل وتُشرح تغيّراته، وتُترك النساء ليخترعن التفسيرات وحدهن؟
في عالمنا العربي نتعلّم الحياء قبل المعرفة، والتحمّل قبل الفهم، تنزفين بصمت، تكبرين بصمت، تتألّمين بصمت، ويُطلب منك ألا تطرحي الأسئلة.
هكذا تحوّل انقطاع الطمث من حقيقة طبّية إلى إقصاء اجتماعي، إلى طريقة لغوية تقول للمرأة: لم يعد لوجودك وزن، لم يعد دورك مطلوباً.
وما دام هذا هو الإطار، فلا عجب أن لا أحد اهتمّ بشرح السنوات التي تسبق ذلك… لم يقل لنا أحد إن هذه مرحلة انتقال، لم يحضّرونا للفوضى الهرمونية، ولا لإعادة ترتيب المشاعر، ولا للحزن على نسخة من أنفسنا ستغادرنا، لم يقل أحد: هذا طبيعي، ومؤقّت، وغير مرتبط بقيمتك كإنسانة… بدل ذلك، تربّينا على الخوف من أن نصبح “تلك المرأة” غير المرئية.
أنا غاضبة، لا من أجل نفسي فقط، بل من أجل أمّي، وخالاتي، وكلّ امرأة ظنّت أنها تنهار بينما كان جسدها يعمل عمله الطبيعي، غاضبة لأن المعرفة وصلت متأخّرة ومغلّفة بالترندات، وكأنها اكتشاف جديد لا جزء من تاريخ النساء منذ الأزل.
نستحقّ أن نعرف قبل أن ننهار تحت وطأة الجهل، نستحقّ أن تُسمّى الأشياء بأسمائها، لا بأوهام المجتمع.
أما السؤال الحقيقي فليس: لماذا لم يتحدّث أحد عمّا قبل انقطاع الطمث؟ بل: كم من المراحل التي تمرّ بها أجساد النساء ستُمحى لغوياً وعلمياً واجتماعياً، طالما أن النظام الأبوي لا يرى في المرأة سوى ما يمكن استهلاكه… ثم الاستغناء عنه؟
المصدر موقع درج