طالت حملة الاعتقالات والتهديدات التي شنّتها السلطات المصرية مشاركين في برنامج ماجد زكريا وأعضاء مجموعات افتراضية مثل “شبكة ومنتدى الملحدين العرب”.
“محبوس في المنزل… كيف أتأقلم مع انعدام الحرّية؟”… كان هذا عنوان آخر فيديو نشره الشابّ المصري شريف جابر (مواليد 1993) على قناته على يوتيوب، قبل اعتقاله في الثامن والعشرين من كانون الأوّل/ديسمبر الماضي.
كان هذا الاعتقال هو الأخير في سلسلة ملاحقات قضائية ضدّ جابر الذي اشتهر بإنتاج محتوى ناقد للتشدّد الديني والقراءات السائدة للموروث، عبر مواد يعدّها وينشرها على الإنترنت، في مسار جعله أحد أبرز وجوه السجال حول نقد الخطاب الديني في العالم العربي.
بعد شهرين من الاختفاء، ظهر جابر أمام نيابة أمن الدولة العليا في القاهرة، في فصل جديد من المواجهة القضائية والأمنية معه بعدما تحوّل خلال سنوات قليلة، من طالب جامعي مغمور إلى واحد من أشهر “الناشطين اللادينيين” عربياً.
ووفقاً لبيان المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، فقد مثل جابر أمام نيابة حصر أمن الدولة في 29 كانون الأوّل/ ديسمبر الماضي، حيث وُجّهت إليه تهم الانضمام إلى جماعة أُسست على خلاف أحكام القانون وازدراء الأديان.
وكانت قد صدرت بحقّه ثلاثة أحكام سابقة بتهمة “ازدراء الأديان”، آخرها حكم محكمة جنح الإسماعيلية في عام 2024 بالحبس خمس سنوات، ثم فُتحت لاحقاً بحقّه قضيّة جديدة حملت رقم 11005 لسنة 2025 (حصر أمن دولة)، وأُدرج على ذمّتها.
تزامن القبض على جابر مع حملة ملاحقات أوسع طالت متحدّثين في قضايا حرّية الفكر والعقيدة، من بينهم الناشط ماجد زكريا مؤسّس منصّة “البطّة السوداء”، الذي ظهر هو الآخر أمام النيابة، لتُفتح مجدّداً قضيّة “اللادينية في مصر”، وسط تساؤلات كبرى حول حدود حرّية التعبير والاعتقاد.
من مدرّجات الإسماعيلية إلى “عزلة الكروما”
لم تكن هذه المرّة الأولى التي يواجه فيها جابر جدران السجون. تعود بدايات قصّته إلى العام 2013، على مدرّجات كليّة الآداب في جامعة قناة السويس في الإسماعيلية، حيث نشب صدام فكري بينه وبين أحد أساتذته حول قضايا الخلق والتطوّر والدين. لم يكن جابر حينها يخطّط لأن يكون “أيقونة تمرّد” على الأديان، بل دخل في سجال أكاديمي تقليدي سرعان ما خرج من أسوار الجامعة.
تحوّل الخلاف إلى بلاغات رسمية وحملة طالبية منظّمة اتّهمته بالإلحاد وازدراء المقدّسات، عبر صفحة “ملحدو جامعة قناة السويس”، وفي تشرين الأوّل/ أكتوبر 2013، داهمت قوّات الأمن منزله ليبدأ أوّل ملفّ جنائي بحقّه، استناداً إلى المادّة 98 من قانون العقوبات المصري، وهي المادّة التي تُوصف حقوقياً بـ”المطّاطة”، إذ تجرّم استغلال الدين في الترويج لأفكار تُعدّ مثيرة للفتنة أو ازدراء الأديان السماوية.
تحت مظلّة “الفتنة”، جرى تجريم أسئلة جابر ونقاشاته حول الدين، ليقضي عدّة أشهر قيد التحقيق، قبل صدور حكم أوّلي بحبسه عاماً واحداً في شباط/ فبراير 2015.
كان هذا الحكم بمثابة “صافرة انطلاق” لرحلة هروب كبرى نحو الفضاء الرقمي. توقّفت حياة جابر كمواطن عادي، وتحوّل إلى “كائن رقمي” يظهر من خلف شاشة وكروما خضراء، يطرح أسئلته ويناقش موروثات الثقافة الدينية عن بُعد.
بين العامين 2016 و2018، دخل جابر مرحلته الذهبية، أدرك أن “الصورة جزء من الرسالة”، فاستثمر مهاراته التقنية في المونتاج لإنتاج محتوى لا ديني غير مألوف بصرياً للمشاهد العربي. فيديوهاته مثل “هل الله موجود؟”، و”ما لا تعرفه عن بدعة الحجاب؟” لم تكن مجرّد ثرثرة، بل أعمال مصوّرة ذات بناء بصري محكم ومضمون نقدي جادّ.
هذا التفوّق التقني والسجالي مكّنه من مخاطبة جيل الإنترنت بلغته، مستخدماً العامية المصرية لتبسيط أعقد النظريات العلمية والخطابات الدينية، في صورة تناقضت جذرياً مع الصورة التقليدية لشيوخ الدين بملابسهم الكلاسيكية وخطابهم المرتفع الصوت. هذا التباين دفع مؤسّسات دينية رسمية، مثل الأزهر ودار الإفتاء، إلى إنشاء وحدات رصد للردّ عليه، ليتحوّل من “طالب متمرّد” إلى “ملفّ أمن قومي”.
لكن هذا “الانتصار الرقمي” قابله “اندثار مدني” في الواقع. ففي العام 2019، وبعد محاولة فاشلة لمغادرة البلاد عبر مطار القاهرة، صودر جواز سفره ومُنع رسمياً من السفر، فعاش خمس سنوات (2019–2024) في ما أسماه “السجن المنزلي”: لا عمل رسمي، لا قدرة على استخراج أوراق رسمية أو شهادات طبية، وخوف دائم من الكمائن الأمنية.
من محبوس في المنزل إلى محبوس في الزنزانة
في مجتمع محافظ مثل مصر، لا تبدأ العقوبة من الدولة فقط، بل من الدائرة الاجتماعية الضيّقة. عانى جابر من قطيعة شبه كاملة مع محيطه العائلي، ما شكّل نوعاً من “اليُتم الاجتماعي”، دفعه للانغماس أكثر في العالم الافتراضي، حيث بات متابعوه بمثابة عائلته البديلة، وطوال عقد كامل، عاش خارج سوق العمل التقليدي، عاجزاً عن تجديد بطاقة رقم قومي أو استخراج شهادة صحّية.
في آخر فيديو له “محبوس في المنزل… كيف أتأقلم مع انعدام الحرّية؟”، تحدّث من غرفته في شبه ظلام نفسي ومادّي، عن الخوف من الخروج، وعن ثمن قد يصل إلى خمس سنوات سجن مقابل ساعة في الشارع.
اليوم، لم تعد عزلته مجرّد غرفة، بل زنزانة، ولم تعد الأسئلة مؤجّلة، بل تُطرح في أروقة جهاز الأمن الوطني.
في فيديو “جبت منين أخلاقك يا ملحد”، يروي جابر أن لحظات خروجه الوحيدة تكون ليلاً، حين يهبط لإطعام قطّة صغيرة ثم يعود مسرعاً إلى غرفته خوفاً من أن يراه أحد أو يُبلّغ عنه، ويتساءل عن هذا الثمن الفادح لطرح الأسئلة: لم يسبّ، لم يلعن، لم يحارب الدين، بل فكّك خطاب التطرّف بالمنطق وبالاستناد إلى مصادر تاريخية.
في فيديوهات مثل: “ممنوع من الخروج”، و”أنا مش هتكلم في الدين تاني”، يسخر مما وصفه بـ”موضة” المحامي المغمور القادر على رفع دعوى ازدراء أديان ضدّه بسهولة، ليصدر بعدها حكم بالحبس. ثلاث قضايا في أعوام مختلفة، بأحكام تجاوز مجموعها خمس سنوات
منذ بداياته، بدا تأثّر جابر بالمفكّر المصري الراحل مصطفى محمود واضحاً، في طريقة الحديث، ولغة الجسد، والعرض البصري لأسئلة الكون والشكّ والإيمان. لكن بينما انتهت رحلة محمود بالإيمان وتلاشي المخاطر، لم ترسُ رحلة جابر على يقين مماثل، ما جعل حياته أكثر قسوة في مجتمع يجرّم غياب المعتقد.
في السابق، كان الإلحاد سجالاً نخبوياً داخل الكتب والصالونات الثقافية، أما جابر فقد عممّ هذا السجال، ووجّه خطابه إلى الشباب والطبقات الشعبية، مستهدفاً الوجدان المتمرّد لجيل نشأ بعد إخفاقات الربيع العربي، باحثاً عن كسر كلّ أشكال السلطة، من الدولة إلى الغيب.
خلق جابر مكتبة بصرية من نقد الدين ستبقى متاحة للأجيال القادمة، ما يطرح سؤالاً جوهرياً: هل يكفي سجن الجسد لإبطال مفعول الأفكار في عصر السحابة الإلكترونية؟ الواقع يشير إلى العكس: الأفكار لا تُسجن، بل غالباً ما يمنحها القمع هالة تضامن تزيد من جاذبيتها.
يتّهمه خصومه بأنه يعتمد في محتواه على “أنصاف حقائق”، لا سيّما لجوئه إلى كتابات مستشرقين من القرن التاسع عشر وبدايات العشرين مثل جوزيف شاخت وإغناتس غولد تسيهر، وهي أعمال خضعت لاحقاً لنقد علمي، لكن جابر أعاد تدويرها بلغة معاصرة، لتبدو لجمهوره الشابّ كاكتشافات جديدة على حدّ زعم منتقديه.
أنسنة “البطّة السوداء” وتفكيك خطاب التطرف
بالتوازي مع مسار شريف جابر يبرز ماجد زكريا عبد الرحمن، المعروف بـ”مفتي الإنسانية” ومؤسّس منصّة “البطّة السوداء”. يمثّل زكريا البعد الاجتماعي والنفسي لظاهرة اللا دينية، إذ تحوّلت منصّته منذ العام 2014 إلى أرشيف إنساني يوثّق شهادات مئات الشباب الذين تركوا معتقداتهم، مركّزاً على معاناتهم من النبذ والطرد والتهديد.
وكان زكريا طرح عبر برنامجه سؤالاً صادماً: “لو أخوك ارتدّ… تقتله؟”، ناقلاً الجدل من اللاهوت إلى حقوق الإنسان، لكن ملاحقته في العام 2025 أنهت ما يمكن تسميته بـ”حقبة البوح الآمن”، وأكّدت انتقال الدولة من رقابة المحتوى إلى معاقبة المجتمعات الافتراضية نفسها.
وفقاً لبيان المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، بدأت ملاحقة زكريا في 13 أيلول/ سبتمبر 2025، حيث قُبض عليه وأُخفي قسرياً عشرة أيّام قبل ظهوره في نيابة أمن الدولة، ولم تقتصر الحملة عليه، بل طالت مشاركين في برنامجه وأعضاء مجموعات افتراضية مثل “شبكة ومنتدى الملحدين العرب”.
يعكس هذا التصعيد رغبة الدولة في تفكيك “الشبكات الافتراضية”، وتحويل اللادينية من قناعة فردية إلى تنظيم سرّي ملاحق قانونياً.
على الخطّ نفسه، يبرز موقف المفكّر حامد عبد الصمد، المقيم في ألمانيا تحت حراسة مشدّدة بسبب فتاوى إهدار الدم الصادرة بحقّه. يصف عبد الصمد ما يحدث بـ”الإخصاء بالإقصاء”، معتبراً أن ملاحقة هذه الأصوات هي محاولة لمحاربة الأفكار بأدوات أمنية، في ظلّ انسداد قنوات الحوار الديني.
بين زنزانة أمن الدولة ونهاية فيلم “الملحد”
تتجلّى المفارقة الأشدّ عند مقارنة واقع جابر بنهاية فيلم “الملحد” (تأليف إبراهيم عيسى)، الذي انتهى في نسخته المسموح بها رقابياً، بعودة البطل إلى “الإيمان المستنير”. تعكس هذه النهاية رغبة رسمية في هندسة النتائج: يُسمح بطرح الإلحاد درامياً، شرط أن تكون الخاتمة مطمئنة وتُعيد “الضالّين” إلى جادّة الإيمان.
في المقابل، يقدّم جابر النهاية التي يرفضها الخيال الرسمي: ملحد لم “يتب”، فكان مصيره السجن لا التترات الختامية. هذا التباين يكشف استراتيجية واضحة: يُسمح بالنقاش كمرحلة عابرة، ويُعاقَب عليه كخيار نهائي.
قضى جابر عقداً من عمره، من العشرين إلى الحادية والثلاثين، بين سجن ومطاردة واختفاء، لم يعمل، لم يؤسّس أسرة، ولم يعش حياة طبيعية. هذا الاستنزاف البيولوجي هو الثمن الخفي للآراء الصادمة في المجتمعات المغلقة.
وهو لم يكن مجرّد صانع فيديوهات، بل ظاهرة رقمية كشفت فجوة عميقة بين الخطاب الديني التقليدي وجيل المعلوماتية، وستبقى قضيّته مفتوحة ما دامت معادلة حرّية التعبير في مقابل قدسية الدين دون إجابة قانونية واجتماعية حاسمة.
وهكذا يُغلق ملفّ شريف جابر وماجد زكريا كناشطين طليقين في الفضاء الرقمي، ويُفتح كعنوان لصراع طويل حول حرّية المعتقد في مصر: عشر سنوات من المطاردة تنتهي في زنزانة حقيقية، بلا مؤثّرات بصرية قادرة على تغيير واقعها القاتم.